• العبارة بالضبط

المسجد الأقصى.. نصف قرن من الصراع على التاريخ

تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي إغلاق أبواب المسجد الأقصى أمام المصلين الفلسطينيين، لليوم الثاني على التوالي، وذلك بعد مقتل اثنين من جنودها على يد شبان فلسطينيين، في حين أعلنت وزارة الأوقاف الإسلامية في القدس المحتلة، السبت 15 يوليو 2017، فقدانها السيطرة على المسجد الأقصى بالكامل.

وصبيحة الجمعة 14 يوليو 2017، وقع اشتباك مسلح بين شبان فلسطينيين وجنود شرطة الاحتلال في باحة المسجد، أسفر عن استشهاد ثلاثة فلسطينيين ومقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثالث.

وعقب الحادث، فرضت شرطة الاحتلال الإسرائيلي طوقاً أمنياً مشدداً حول المسجد، وأغلقت كل أبوابه وكل شوارع المدينة القديمة المؤدية إليه، وذلك قبل أن تقرر إلغاء إقامة صلاة الجمعة بالحرم القدسي، للمرة الأولى منذ حريق المسجد عام 1969.

هذا التطور الخطير أعاد لأذهان الفلسطينيين سيناريو الحرم الإبراهيمي في الخليل، الذي قسّمه الاحتلال من مسجد إسلامي إلى كنيس يهودي ومسجد، ووضع على مداخله بوابات إلكترونية، وفرض قيوداً على دخول المصلين إليه؛ بعد مجزرة الـ25 من فبراير 1994 (15 من رمضان 1415 للهجرة).

قوات الاحتلال منعت إقامة صلاة الجمعة في العام 1969، بعد سنتين من احتلال القدس؛ خشية وقوع صدامات في أعقاب محاولة إحراق المسجد الأقصى من قبل الأسترالي دينيس مايكل روهان.

وخلال الانتفاضة الثانية (28 سبتمبر 2000- 8 فبراير 2005) منع الاحتلال دخول من هم دون الـ60 عاماً إلى الحرم المقدسي، بيد أنه لم يمنع إقامة صلاة الجمعة.

- تصعيد مدروس

وتعليقاً على التصعيد الأخير، وصف مراسل صحيفة "هآرتس" العبرية لشؤون القدس، نير حسون، قرار منع إقامة صلاة الجمعة الأخير بأنه "مخاطرة مدروسة". وقال إن القرار رسالة لجمهور المسلمين بشأن خطورة ما حصل في الحرم المقدسي صبيحة الجمعة 14 يوليو 2017، بحسب موقع "عرب 48" الإخباري.

والمرة الأخيرة التي أغلق فيها الحرم كانت في أعقاب محاولة قتل الحاخام المتطرف يهودا غليك، في نوفمبر 2014، حيث واجهت سلطة الاحتلال آنذاك ردود فعل حادة من قبل الأردن والسلطة الفلسطينية والمقدسيين والفلسطينيين عامة، وألغي قرار الإغلاق قبيل صلاة الجمعة.

اقرأ أيضاً :

إسرائيل تواصل إغلاق الأقصى لليوم الثاني على التوالي

- أهمية تاريخية ودينية

ويمثل المسجد الأقصى أهمية كبيرة لعموم المسلمين؛ فهو أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم. وقد ظل على مدى قرون طويلة مركزاً لتدريس العلوم ومعارف الحضارة الإسلامية، وميداناً للاحتفالات الدينية الكبرى، والمراسيم السلطانية.

من دخل الأقصى فأدى الصلاة في أي مكان فيه (تحت شجرة من أشجاره، أو قبة من قبابه، أو فوق مصطبة من مصاطبه، أو داخل قبة الصخرة، أو الجامع القبلي)، كتبت له صلاة في المسجد الأقصى، فالأمر فيه سواء، ولا فرق في الصلاة بين مكان وآخر فيه، فالفضل فيه كله.

والمسجد الأقصى ثاني مسجد وضع في الأرض بعد المسجد الحرام، والأرجح أن أول من بناه هو آدم عليه السلام، وقد اختط حدوده بعد أربعين سنة من إرسائه قواعد البيت الحرام بأمر من الله تعالى، دون أن يكون قبلهما كنيس ولا كنيسة ولا هيكل ولا معبد.

وفي واحدة من أشهر الفتوحات الإسلامية عام 15 للهجرة (636 للميلاد)، جاء الخليفة عمر بن الخطاب من المدينة المنورة إلى القدس وتسلمها من سكانها في اتفاق مشهور بـ"العهدة العمرية"، وقام بنفسه بتنظيف الصخرة المشرفة وساحة الأقصى، ثم بنى مسجداً صغيراً عند معراج النبي صلى الله عليه وسلم.

- حريق الأقصى

في 21 أغسطس 1969، قطعت سلطات الاحتلال المياه عن منطقة الحرم، ومنعت المواطنين العرب من الاقتراب من ساحات الحرم القدسي، في الوقت الذي حاول فيه أحد المتطرفين اليهود إحراق المسجد الأقصى. وجاء هذا الحريق في إطار سلسلة من الإجراءات التي قام بها الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1948 بهدف طمس الهوية الحضارية الإسلامية لمدينة القدس.

واندلعت النيران بالفعل وكادت تأتي على قبة المسجد لولا استماتة المسلمين والمسيحيين في عمليات الإطفاء التي تمت رغماً عن السلطات الإسرائيلية، ولكن بعد أن أتى الحريق على منبر صلاح الدين واشتعلت النيران في السطح الجنوبي للمسجد وسقف ثلاثة أروقة.

وادعت إسرائيل أن الحريق كان بفعل تماس كهربائي، وبعد أن أثبت المهندسون العرب أنه تم بفعل فاعل، ذكرت أن شاباً أسترالياً هو المسؤول عن الحريق وأنها ستقدمه للمحاكمة، ولم يمض وقت طويل حتى ادعت أن هذا الشاب معتوه ثم أطلقت سراحه.

استنكرت معظم دول العالم هذا الحريق، واجتمع مجلس الأمن وأصدر قراره رقم 271 لسنة 1969 بأغلبية 11 صوتاً وامتناع أربع دول عن التصويت من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما دان إسرائيل ودعاها إلى إلغاء جميع التدابير التي من شأنها تغيير وضع القدس.

وجاء في القرار أن "مجلس الأمن يعبر عن حزنه للضرر البالغ الذي ألحقه الحريق بالمسجد الأقصى يوم 1969/8/21 تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي، ويدرك الخسارة التي لحقت بالثقافة الإنسانية نتيجة لهذا الضرر".

وذكّر بيان مجلس الأمن الدولي بقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاصة ببطلان إجراءات إسرائيل التي تؤثر في وضع مدينة القدس، وبتأكيد مبدأ عدم قبول الاستيلاء على الأراضي بالغزو العسكري، ونص على أن "أي تدمير أو تدنيس للأماكن المقدسة أو المباني أو المواقع الدينية في القدس، أو أي تشجيع أو تواطؤ للقيام بعمل كهذا، يمكن أن يهدد بشدة الأمن والسلام الدوليين".

وأضاف المجلس أن تدنيس المسجد الأقصى يؤكد الحاجة الملحة إلى منع إسرائيل من خرق القرارات التي كان المجلس والجمعية العامة قد أصدراها بخصوص القدس، وإلى إبطال جميع الأعمال والإجراءات التي اتخذها لتغيير وضع المدينة المقدسة.

وعمَّ الغضب الدول العربية والإسلامية، واجتمع قادة هذه الدول في الرباط يوم 25 سبتمبر 1969 وقرروا إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي التي ضمت في حينها ثلاثين دولة عربية وإسلامية، وأنشأت صندوق القدس عام 1976.

في العام التالي أنشأت لجنة القدس برئاسة العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني للمحافظة على مدينة القدس ومقدساتها الإسلامية ضد عمليات التهويد التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلية.

- تقسيم

ولم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى يوماً، سواء عن طريق الحفريات التي تهدده أو الاقتحامات التي تتم بشكل متكرر من جانب يهود متطرفين.

وخلال السنوات القليلة الماضية، شرعت سلطة الاحتلال في تطبيق التقسيم الزماني للأقصى، وهو فكرة طرحها اليمين الإسرائيلي بقيادة حزب الليكود تمهيداً لتهويد المسجد عبر تكرار اقتحامه والاعتداء على المرابطين داخله، وفرض تقسيم ساحاته زمانياً بين الفلسطينيين والمحتلين الإسرائيليين في غير أوقات الصلاة كمرحلة أولية، يتبعها تقسيم مكاني عبر اقتطاع مساحات تصبح أشبه بكنيس توراتي داخل الأقصى، ثم السيطرة الكاملة عليه لاحقاً وتغيير هويته.