نيويورك تايمز: إيران تهيمن على العراق بالكامل ولا مكان لأمريكا

أينما تذهب في العراق تجد شكلاً من أشكال الوجود الإيراني، عسكرياً أو اقتصادياً أو سياسياً أو دينياً؛ فالعراق وبعد 14 عاماً من الغزو الأمريكي وإسقاط نظام صدام حسين، بات إيرانياً ولا وجود لأمريكا التي احتلت البلد وفقدت نحو 5 آلاف جندي، بالإضافة إلى خسائر قدرت بنحو 3 تريليونات دولار، هذا ما كشفه تحقيق موسع لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية.

في أي سوق عراقية ستصادفك المنتجات الإيرانية من الحليب واللبن والزبادي والدجاج، وإذا ما فتحت جهاز التلفاز على قناة عراقية فستشاهد برنامج "نتعاطف مع إيران"، حتى الإسمنت والطوب يتم استيرادهما من إيران. وإذا شعر الشباب العراقي بالملل من حياتهم يمكنهم تناول الحبوب المخدرة القادمة من إيران أيضاً.

كل هذه المظاهر لا تشكل سوى نصف حقيقة السيطرة الإيرانية على العراق؛ فالمليشيات التي ترعاها إيران تسيطر على العراق؛ بل حتى كبار القادة والساسة العراقيين بحاجة إلى مباركة طهران.

عندما غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003 للإطاحة بنظام صدام حسين، كانت ترى فيه حجر الزاوية لنشر الديمقراطية بالشرق الأوسط، وقد قدمت في سبيل ذلك أكثر من 4500 جندي ومليارات الدولارات.

في اليوم التالي لغزو العراق، كانت إيران تخطط لكيفية جعل العراق، العدو السابق لها، دولة عميلة، وفي ذلك يمكن القول إن إيران نجحت في حين أخفقت أمريكا في مهمتها بالعراق.

على مدى السنوات الثلاث الماضية، انشغلت أمريكا بقتال تنظيم الدولة الذي سيطر على مناطق واسعة من العراق، وأرسلت نحو 5 آلاف جندي؛ لإخراج هذا التنظيم من الموصل، ثاني كبرى مدن العراق، لكن إيران لم يغب عن بالها مواصلة السيطرة على جارتها وأيضاً تنفيذ واحد من أهم مشاريعها الاستراتيجية؛ ألا وهو ممر بري يربط طهران بالبحر الأبيض المتوسط.

اقرأ أيضاً:

واشنطن تايمز: هل بدأت مرحلة تحجيم نفوذ إيران في سوريا؟

يقول هوشيار زيباري، وزير المالية الذي أطيح به العام الماضي، إنه تمت إقالته لأنه قرر الوقوف إلى جانب أمريكا وليس إلى جانب إيران، موضحاً: "الرئيس باراك أوباما التقى رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في سبتمبر الماضي وأبلغه ضرورة عدم إقالتي، إلا أن العبادي لا يملك أن يقف بوجه إيران التي أصرت على إقالتي".

الهيمنة الإيرانية على العراق زادت من حدة التوترات الطائفية في المنطقة. لكن العراق لا يبدو إلا جزءاً في مشروع الهيمنة التوسعية الإيرانية؛ فإيران اليوم تستخدم نفوذها في العراق وسوريا ولبنان وأفغانستان واليمن وحتى دول أخرى بالمنطقة.

في بعض المراكز الحدودية بين العراق وإيران، تبدو السيادة العراقية ثانوية لحافلات تمر يومياً تنقل عناصر في مليشيات تابعة لإيران في طريقها إلى سوريا، حيث يجري نقلهم براً للعراق، ومن ثم جواً إلى سوريا؛ للقتال إلى جانب نظام بشار الأسد.

هذا بالإضافة إلى عشرات الشاحنات المحملة بمختلف البضائع الإيرانية التي تمر عبر المنافذ، بينها بضائع منتهية الصلاحية واُخرى غير مشروعة، حتى عقود تنظيف مدينة النجف جنوبي بغداد أسندت الى شركة تنظيف إيرانية!

سياسياً، تبدو هيمنة إيران على عدد كبير من أعضاء مجلس النواب العراقي واضحة، حتى إن اختيار أي وزير يخضع لموافقة أو عدم موافقة إيران!

وعسكرياً، فإن مليشيا الحشد الشعبي، المدعومة إيرانياً، تحولت إلى قوة نظامية عقب موافقة مجلس النواب على ضمها إلى القوات الرسمية، الأمر الذي يضمن هيمنة تلك المليشيات ذات الهوى الإيراني على المحافظات العراقية.

هذه المليشيات بدأت تنظم نفسها سياسياً مع قرب الانتخابات التشريعية العام المقبل، الأمر الذي يمكّن إيران من ممارسة نفوذ أكبر على النظام السياسي بالعراق.

تستغل إيران الفوضى الضاربة بالعراق من أجل إتمام مشروعها لربط طهران بحلفائها في سوريا ولبنان، الأمر الذي سيمكنها من نقل الأسلحة والإمداد البشري لنظام الأسد، وأيضاً لحزب الله في لبنان.

نقطة الحدود العراقية مع إيران في ديالى (شمالي البلاد) تستقبل يومياً قرابة 200 شاحنة محملة بأنواع مختلفة من السلع، حتى الطوب يستورده العراق من إيران! ويبالغ العراقيون في إكرام ضيوفهم من سائقي الشاحنات الإيرانية؛ ففي أثناء مرورهم بالنقاط الحدودية يقدم لهم الشاي والماء.

يقول جاكي وحيد، المسؤول الإيراني عن المعبر، إن العراق يعتمد على إيران في كل شيء، مضيفاً: "إنهم ليس لديهم شيء يقدمونه، ليس لديهم سوى النفط".

المعابر الحدودية نقاط هامة في عملية تمرير السلاح من إيران الى المليشيات الموالية لها في إطار الحرب على تنظيم الدولة.

ديالى، المحافظة العراقية السنّية المحاذية لإيران والقريبة من بغداد، نموذج لكيفية تمرير إيران مشاريعها؛ فلقد شهدت المدينة تهجير العوائل السنّية وباتت اليوم ممراً آمناً لإيران، فعدي الخدران، قائمقام بلدة الخالص التابعة لديالى والذي سبق له أن قاتل مع إيران ضد العراق في ثمانينات القرن الماضي، يرى في جنرال مثل قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، مثالاً له، قائلاً: "أحبه أكثر مما أحب أولادي". وتزيّن جدران مكتبه صورة له مع الجنرال الإيراني.

نجاة الطائي، السياسية السنّية في ديالى، تعتبر إيران أذكى من أمريكا، بقولها: "لقد حققت أهدافها على أرض الواقع، أمريكا لم تقم بحماية العراق، مجرد إطاحة بنظام سياسي ثم سلمت البلد لإيران".

موفق الربيعي، سياسي عراقي شيعي، يرى أن انتقاد الوجود الإيراني بالعراق عائد إلى حقبة الحرب السابقة وفكر البعث الذي كان يحكم العراق، إلا أن هذا الانتقاد للوجود الإيراني بالعراق لا يقتصر على السنّة وحسب؛ وإنما حتى في الجنوب العراقي الشيعي، فإن صوت الرفض والاستياء لهذا الوجود يتعالى.

فاضل البديري، وهو مرجع شيعي عراقي، كثيراً ما أعلن موقفه الرافض لإيران في العراق، وهو الذي يردد دوماً أن العراق ينتمي إلى جامعة الدول العربية وليس لإيران.

جامعة القادسية بجنوبي العراق، شهدت هي الأخرى مثالاً آخر على رفض الجنوب العراقي للوجود الإيراني؛ حيث ردد طلاب الجامعة شعارات "إيران برا برا"، في أثناء حضور قيس الخزعلي، قائد مليشيا عصائب أهل الحق الممولة إيرانياً؛

ما دفع عناصر حماية الخزعلي لاعتقال الطلاب المتظاهرين.

إيران اليوم تُمارس عملياتها علناً بالعراق؛ فعلى سبيل المثال هي تقوم حالياً بتجنيد عشرات الشبان العراقيين في الجنوب عبر مكاتب علنية والزج بهم في القتال بسوريا. كما أنها تستدرج الشيعة في العراق من خلال العقيدة الدينية، الأمر الذي يجعل حتى من العراق نظاماً يتحول تدريجياً إلى نظام ثيوقراطي على شاكلة النظام الإيراني.

يقول بروان كيلاني، عضو لجنة التعليم العالي بمجلس النواب العراقي، إن إيران تسعى للسيطرة على الشباب العراقي وتعليمهم معتقدات إيرانية من خلال العراقيين الموالين لها.

لقد كانت رسائل التحذير، الصادرة من دبلوماسيين أمريكيين بالعراق، واضحة قبل الانسحاب الأمريكي عام 2011، حيث قالوا إنه إذا غادرت أمريكا فإن إيران ستملأ الفراغ، وهذا ما حصل.

واليوم، إذا ما رغبت أمريكا في أن تحجم إيران بالعراق فإنها ستصطدم بالنفوذ الإيراني الواسع جداً.