هل بدأ المجتمع الدولي بإعادة إنتاج نظام بشار الأسد؟

يعتقد كثير من السوريين أن عملية إعادة إنتاج نظام بشار الأسد وتأهيله، تجري على نحو مخطط له دولياً، وأن ثمة تراجعاً بمواقف بعض الدول المؤثرة التي تبنت ثورة السوريين يوماً، بذريعة "محاربة الإرهاب".

فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التي كانت بلاده من أكثر الدول نصرة للثورة السورية، أكد أن رحيل الأسد لم يعد شرطاً للتوصل إلى حل سياسي بشأن الأزمة السورية المستمرة منذ نحو 7 سنوات.

وأوضح ماكرون أنه توصل مع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى استمرار العمل بشأن سوريا والعراق، وتشكيل مجموعة اتصال حول هذا الشأن، مشيراً إلى أنه يريد أن يتم إعداد مبادرة ملموسة بشأن سوريا في الأسابيع القادمة.

لكن الرئيس الفرنسي أكد أن السلاح الكيميائي في سوريا خط أحمر، "وسنتدخل في حال تم استخدام هذا السلاح مرة أخرى".

السفير الروسي في جنيف، ألكسي بورودافكين، من جهته، تحدث عقب انتهاء الجولة السابعة من مفاوضات "جنيف 7"، الجمعة 14 يوليو الجاري، عن تغير في موقف المعارضة السورية، وأنها تراجعت عن مطلب رحيل رئيس النظام السوري، بشار الأسد، مستغلاً الحديث الفرنسي والصمت الأمريكي بشأن ذلك.

بورودافكين اعتبر أن "من سلبيات جولة جنيف وجود عناصر متطرفة داخل الهيئة العليا، تطالب بإقصاء الرئيس الشرعي للبلاد بشار الأسد"، على حد زعمه.

اقرأ أيضاً :

واشنطن تايمز: هل بدأت مرحلة تحجيم نفوذ إيران في سوريا؟

- دفع لليأس

لكن الهيئة العليا للمفاوضات استنكرت، في بيان لها، تصريحات المندوب الروسي، مبدية استغرابها من عدم اطلاعه على بيان الرياض الذي يؤكد ألا يكون للأسد أو زمرته أي دور في مستقبل سوريا السياسي.

كما ردّ المنسق العام لـ"الهيئة العليا" للمفاوضات، رياض حجاب، على تصريحات مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة في جنيف، حول تقديم المعارضة السورية تنازلات في مفاوضات جنيف.

وقال حجاب، من خلال حسابه في تويتر، الأحد 16 يوليو: إن "ادعاء السفير الروسي بجنيف أن وفد المعارضة قدم تنازلات، هو محض تدليس إعلامي ومخالف للمهنية والمصداقية".

وشدد على أن "السوريين قالوا كلمتهم في بشار الأسد وزمرته، وليس من حقنا التنازل عن المطالب الأساسية للشعب السوري".

المحلل السياسي السوري، الدكتور عبد الرحمن الحاج، رأى أن "الروس يروجون بأن المواقف الدولية تغيرت، وأن على المعارضة تغيير موقفها المعارض من رحيل الأسد".

وأوضح الحاج لـ"الخليج أونلاين" أن مطلب رحيل الأسد "مركب"؛ لكونه مطلب الثورة السورية منذ بدايتها، وأيضاً لكونه ارتكب جرائم تتطلب محاكمته كمجرم حرب"، موضحاً أن هذا المطلب تم تثبيته خلال اللقاء مع المبعوث الأممي استافان دي مستورا.

واعتبر أن الموقف الروسي يأتي بعد أن قامت موسكو بمحاولات شق صف المعارضة السورية، من خلال المنصات التي اخترعتها، كمنصة موسكو، وبرضى أمريكي منذ عهد الرئيس باراك أوباما.

كما بين أن روسيا تأمل أن تدفع بالمعارضة السورية باتجاة اليأس، بالتزامن مع الضخ الإعلامي لها وللنظام، بأن الأخير أوشك على الانتصار، وأن على المعارضة القبول بالأمر الواقع".

- مصالحة أنانية

وبالعودة إلى الموقف الفرنسي الجديد من سوريا في عهد ماكرون، يجد المتابع أن هناك تناقضاً حاداً بين تصريحات الرئيس الجديد مع الإدارات الفرنسية السابقة، وتتفق مع موقف موسكو بأنه لا يوجد بديل مناسب للأسد.

وفي هذا السياق يرى عبد الرحمن الحاج أن الكلام الفرنسي الجديد يهدف إلى أن تعود باريس إلى واجهة الأحداث في الشرق الأوسط بعد أن همشتها كلٌّ من موسكو وواشطن.

وأضح الحاج أن باريس تهدف من التراجع عن سقف رحيل الأسد إلى شراء الموقف الروسي والمزاودة على الموقف الأمريكي، حتى تتمكن من الظهور مجدداً على الساحة الدولية.

ولفت إلى أن باريس كانت قائدة الدبلوماسية الدولية الداعمة للمعارضة السورية، واصفاً موقف إدارة ماكرون الجديد بـ "المصلحة الأنانية التي تخالف قيم الجمهورية الفرنسية وحقوق السوريين خاصة أمام مجرم حرب كالأسد".

- الدولة العميقة

ومنذ العام 2011 كانت فرنسا في طلعية الدول التي طالبت بتنحي الأسد إلى جانب كل من تركيا وقطر، حتى إن المتابع لتلك الأحداث يرى أن موقفها كان متقدماً على موقف الولايات المتحدة والعديد من الدول العربية نفسها.

كما كان لفرنسا اليد الطولى في إنشاء مجموعة أصدقاء الشعب السوري، التي جمعت أكثر من 140 دولة، أعلنت دعمها للثورة السورية، بالإضافة إلى استقبال قادة السياسة الفرنسية السابقين نيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند، لزعماء المعارضة السورية مراراً.

لكن هذه المواقف القوية ضد الأسد يراها السياسي السوري المقيم في باريس، عمر الحاج إبراهيم، لا تعدو كونها إجراءات بروتوكلية ومواقف إعلامية، حتى إن ماكرون اعترف لحجاب أن "زمان النفاق السياسي قد ولى".

وأضاف لـ "الخليج أونلاين": "صحيح أن هولاند وساركوزي أعلنوا دعم الثورة السورية، لكن الدولة الفرنسية العميقة التي لا تتغير إلا خلال عقود، متمثلة بمفاصل المخابرات والجيش والدوائر السياسية الضيقة، كانت مع الأسد بل وتدافع عنه".

وأوضح الحاج إبراهيم أن "موقف الدولة العميقة يأتي من قناعتها بأن الأسد يواجه إرهابيين راديكاليين جهاديين، وأنه هو الأقدر على المحافظة على الأقليات وعلى سوريا دولة علمانية، رغم أن جرائمه الطائفية تدحض مزاعم علمانيته المزعومة".

ولفت إلى أن "ماكرون ولكونه حديث عهد بالسياسة الدولية لبلاده، وقع تحت تأثير هذه القوى العميقة، وهذا تجلى بموقفه الجديد، ما يعني اليوم بأن على المعارضة السورية التعامل مع سياسة فرنسا جديدة، بانتظار الموقف الأمريكي النهائي الذي ما زال غامضاً، والذي سيحدد مصير تلك السياسة"، كما قال.

- غموض وابتزاز

لكن الموقف الأمريكي من نظام الأسد حتى الآن يتسم بالغموض والتذبذب، فتارة يسمع المتلقي من إدارة دونالد ترامب أن الإطاحة بالأسد لم تعد أولوية، وتارة بأن حكم عائلة الأسد في سوريا انتهى إلى الأبد، ما يطرح سؤالاً ملحاً حول حقيقة موقف واشنطن.

وفي هذا السياق، يرى عبد الرحمن الحاج، أن واشنطن تتعامل مع الأسد كورقة للضغط على روسيا، مبيناً أن "تلميحاتهم غير واضحة، ومتضاربة"، لكنه شدد على أنه في "النهاية فإن الأمريكيين لا يريدون أن يكون لديهم موقف واضح، حتى يتبلور لديهم موقف حاسم".

ولفت الحاج إلى أن ساسة واشنطن يعتمدون على غموضهم للضغط على كل الأطرف، لافتاً إلى أنهم "يركزون عوضاً عن الأسد بشكل مباشر، على إضعاف النفوذ الإيراني وابتزاز دول الخليج من خلال ذلك".

موقف عمر الحاج إبراهيم لم يختلف كثيراً عن موقف الحاج، حيث أوضح أن أولوية واشنطن في سوريا ليس الأسد، وإنما داعش وإيران، لكنه أشار في نفس الوقت إلى أن "الأسد ورقة تفاوضية بيد واشنطن وموسكو أيضاً، وليست شرطاً مستحيلاً وإن أظهرت موسكو خلاف ذلك".

وتوقع السياسي السوري أن "تحترق ورقة الأسد بمجرد التوصل إلى اتفاق تقاسم نفوذ مرضٍ، بين واشنطن وموسكو، خاصة أن الأخيرة تدرك أن بشار الأسد عبء عليها، وتعلم أن رحيله أمرٌ ملحٌّ للحصول على مساعدة المجتمع الدولي في إعادة إعمار سوريا".