هل كان عليَّ أن أفرح بهذا التحرير؟!

لِكُلّ واحد فينا أُمنياتٌ مدفونة إن جاز التعبير؛ فمنها ما خرج إلى النور وتحقق، ومنها ما ظل حبيس الصدر ينتظر دوره في الخروج!

ظلت زيارة "أُم الربيعين" إحدى الأمنيات المُعلقة في صدري، بعد أن شاءت الأقدار أن أُغادر بلدي كغيري من الكثيرين من أبنائه، وبعد أن حلمت كثيراً برؤية هذه المدينة العريقة الضاربة الجذور في التاريخ، بحدبائها وربيعيها!

لم يكن هناك أدنى شك في أن استئصال ذاك المرض "الخبيث" الذي أصاب جسدها المعافى، كان من أسمى الغايات وأشدها فرحاً لدى أبنائها والعراقيين كافة؛ لما شهدته المدينة من استباحة لدماء أهلها على أيدي "داعش" والإرهاب، بعد أن تفننوا في القتل والتنكيل والإجرام والأذى، وتكفير الناس وتشويه دين الله وشرعه في أرضه.

لكن رُغم ذاك "النصر والتحرير"، الذي كان أشدهم فرحاً به "المحرَّرون"، لم أشعر بطعمهِ؛ لأن "الخونة" الذي سلموا المدينة ما زالوا طلقاء أحراراً حتى هذه اللحظة!

تساءلت كثيراً كغيري: هل كان يجب أن تُحرق المدينة وتُطحن طحناً بأهلها وأرضها وحجرها؟ فما لم يستطع "داعش" تدميره، دمرته قوات التحالف والقوات الحكومية والمليشيات المساندة لها!

80 في المئة من الجانب الأيمن تم تدميره بالكامل بوحشية وحقد. دُمرت وأزيلت جميع المعالم الحضارية والأثرية والبنى التحتية من بيوت وطرق وجسور ومصانع ومعامل ومدارس وكليات ومستشفيات وأسواق ومحطات ماء وكهرباء. قصفٌ وقنابل لم تميز بين البشر والحجر ولا الأخضر واليابس!

ففي تقرير أعده بعض المراسلين، بعد أن سمح لهم أحد الجنود -مقابل "مبلغ من المال"- بالدخول إلى مناطق لم يصلها أي صحفي من قبلُ في الموصل القديمة، يقول ضابط في الجيش العراقي "فوجئ" بوصولنا إلى هذه المنطقة: "قصف الأمريكيون المنطقة بقنابل كبيرة؛ لإنهاء القتال بعد وصول (العبادي)، وتأجيل البيان الخاص بالتحرير لحين القضاء على جيوب (داعش) في هذه المنطقة".

ويضيف: "هذا القصف كانت تكلفته حياة عشرات المدنيين إن لم نقل المئات في أقل من 24 ساعه!".

معالم وآثار دينية، يعود بعضها إلى ما قبل ميلاد السيد المسيح وأخرى إلى صدر الإسلام والحقبتين الأموية والعباسية، وآخرها العثمانية، كلها سُوِّيت بالأرض!

يقول مراسل آخر: "كانت عشرات العائلات تخرج من مخابئها، بعضها التجأ إلى حُفر وبعضها الآخر إلى سراديب، وكانت القوات الحكومية تتخذ حيال هذه العائلات إجراءات مختلفة، فتُلزِم الرجال بخلع ملابسهم والبقاء بسراويلهم الداخلية، وتطلب من النساء مسح أجسادهن أمام الجيش؛ للتأكد من أن أياً منهُنّ ليست انتحارية!".

لعل البعض ذُهِل وصُعِق مثلي تماماً وهو يرى خروج تلك الأجساد المتهالكة التي نحتها الجوع وأضناها العطش، فكان أول مطالبها حين خرجت للنور "شُربة ماء"!

كثيراً ما قرأنا عن قصص الصبر والتحمل حتى رأيناها اليوم متجسدةً في نساء الموصل ورجالها.

منهم من دفن أبناءه بحديقة منزله، ومنهم مَن وضع "جثة" زوجته في "قارب صغير"، باحثاً لها عن مكاناً آمن؛ ليواري معه سنوات عمره بفرحها وحزنها وصبرها وتحمُّلها!

وأمٌ حملت وليدها ابن التسعة أشهر في حقيبة ظهرها، قائلة: "أُريده أن يحظى بقبرٍ مثل الآخرين، لن أتركه خلفي وأخرج، لستُ حيواناً، من تسبب لنا في هذا الدمار هو الحيوان".

يضيف مراسل آخر: "كانت روائح الجثث المتفسخة تنبعث من بين ركام المنازل التي دُمِّر أكثر من نصفها، في حين لا تزال هناك أجساد الأطفال والنساء مدفونة تحت أنقاض بيوتها؛ بسبب قصف القوات الأمريكية لـ(جيوب داعش)".

أما عن مصير الفارّين هرباً من تلك الأوضاع المأساوية في المدينة القديمة، فعليهم خوض صراع آخر من أجل الحصول على خيمة أو بعض الغذاء والماء والمساعدات الطبية.

ذاك هو حصاد التحرير، جوعٌ وقتلٌ وتشريد وتهجير وحرق ٌوتدميرٌ لحياة مدينة بأسرها.

فلِم كان عليّ أن أفرح به؟!