خلية "العبدلي".. فصل جديد من النزاعات الكويتية الإيرانية

أزمة سياسية جديدة اندلعت بين الكويت وإيران، بعدما قررت الخارجية الكويتية، الخميس 20 يوليو 2017، خفض عدد دبلوماسيي السفارة الإيرانية وإغلاق مكاتبها الفنية، وتجميد نشاطات اللجان المشتركة بين البلدين؛ على خلفية تطورات قضية "خلية العبدلي" المتهمة بالقيام بأعمال "إرهابية" مرتبطة بإيران.

التصعيد الجديد جاء بعد أن كشفت صحيفة "السياسة" الكويتية، الاثنين 16 يوليو 2017، عن مصادر أمنية رفيعة المستوى، فرار 14 شخصاً إلى إيران بقوارب سريعة، عقب صدور حكم محكمة التمييز، في 18 يونيو الماضي، عليهم بالسجن فترات تصل إلى 10 سنوات.

نقطة التحول في العلاقات نسفت مبادرات كويتية بداية 2017، لإيجاد علاقة مستقرة بين طهران ودول الخليج، وذلك حين زار إيران وزير الخارجية الكويتي، محملاً برسالة من أمير الكويت، صباح الأحمد الصباح، إلى الرئيس الإيراني حسن روحاني، بشأن العلاقات الخليجية الإيرانية، ردها روحاني بزيارة الكويت، والتقى أميرها للرد على الرسالة، وبحث العلاقات الثنائية بين البلدين.

وتعود قضية "العبدلي" إلى 13 أغسطس 2015، حين أعلنت "الداخلية" الكويتية ضبط عدد من المتهمين مع كمية كبيرة من الأسلحة، عُثر عليها في مزرعة بمنطقة العبدلي قرب الحدود العراقية، وفي منازل مملوكة للمشتبه فيهم، وشملت المضبوطات 19 طناً من الذخيرة، و144 كيلوغراماً من المتفجرات، و68 سلاحاً متنوعاً، و204 قنابل يدوية، إضافة إلى صواعق كهربائية.

- صرامة كويتية

الخارجية الكويتية أكدت، الخميس (20 يوليو)، اتخاذ قرار بخفض عدد الدبلوماسيين الإيرانيين في البلاد، وإغلاق المكاتب الفنية للسفارة الإيرانية، وتجميد أنشطة اللجان المشتركة بين البلدين.

مصدر مسؤول في الوزارة أوضح لوكالة "كونا" الكويتية الرسمية، أنه تم إبلاغ السفير الإيراني لدى الكويت بالقرار، الذي جاء بعد تأكيد قرار قضائي صادر عام 2016، أن جهات إيرانية دعمت أفراد المجموعة الإجرامية (خلية العبدلي). وعبَّر المصدر عن الأسف للضرر الذي طرأ على علاقات البلدين في هذا الصدد.

واتخذت الكويت قبل ذلك "خطوات"، لم توضح طبيعتها، تجاه علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، وذلك بمراعاة القواعد الدبلوماسية وأحكام اتفاقيات فيينا، بحسب ما كشف وزير الإعلام الكويتي محمد العبد الله المبارك الصباح، بعد يوم من إعلان وزارة الداخلية الكويتية أن المتهمين في الانتماء إلى "خلية العبدلي"، تواروا عن الأنظار.

وفي وقت سابق الخميس (20 يوليو 2017)، نقل موقع "روسيا اليوم" عن وسائل إعلام إيرانية أن السلطات الكويتية أمهلت السفير الإيراني لديها 48 يوماً لمغادرة البلاد، بعد إعلامها رسمياً بخفض عدد دبلوماسيي السفارة الإيرانية.

الخارجية الإيرانية ردت على القرارات الكويتية باستدعاء القائم بأعمال السفارة الكويتية لدى طهران، في حين ذكرت وكالة "فارس" الإيرانية أن طهران لا تملك في الوقت الراهن ملحقاً ثقافياً في الكويت، ولا يوجد في مكتب الملحقية الثقافية سوى موظف محلي واحد.

اقرأ أيضاً:

الكويت تخفض عدد الدبلوماسيين الإيرانيين لديها

- علاقات متأرجحة

وتتأرجح العلاقات الإيرانية الكويتية بين الصعود والهبوط، وإن تميزت إجمالاً بنوع من التفاهم الجزئي، خاصة أن الجغرافيا السياسية كان لها دور ملموس في العلاقات بين البلدين؛ حيث تبعد الكويت عن إيران، وبالتحديد عن منطقة الأحواز، مسافة 200 كيلومتر.

ويجمع البلدين تبادل اقتصادي وتجاري كبير يحتم عليهما الحفاظ على العلاقات ومراعاة المصالح الوطنية، كما أن إيران تستقبل أكثر من 200 ألف زائر كويتي سنوياً، وهو ما يعني أن ثمة علاقة على المستوى الشعبي، وقواسم مشتركة تحتم على القيادتين تهدئة المواقف والسلام والتنسيق بين الطرفين.

بعد استقلال الكويت عام 1961، اعترفت إيران بهذا الاستقلال في السنة نفسها، وعندما طالب الرئيس العراقي، عبد الكريم قاسم، بالكويت باعتبارها جزءاً من بلاده، حدثت أزمة على الحدود بين البلدين؛ فأعلنت إيران وقوفها مع الكويت ضد الاعتداء العراقي، وهو الموقف نفسه الذي اتخذته حينما اجتاح صدام حسين الكويت في عام 1990.

وبعد الثورة الإيرانية عام 1979، كانت الكويت أول من اعترف بـ"الثورة الإسلامية"، إلا أن التوتر بين البلدين حصل أثناء الحرب الإيرانية – العراقية عام 1980، عندما وقفت الكويت على الحياد، كما أنها اضطلعت بدور الوساطة وتقريب وجهات النظر، وطلبت من الدولتين إنهاء الحرب.

في منتصف الثمانينيات، وتحديداً عام 1985، حدث شرخ كبير في علاقة الدولتين، وأعلنت الكويت دعمها المادي والسياسي للعراق؛ بعدما حاول منتسبون لإيران اغتيال أمير الكويت جابر الأحمد الصباح.

- ما بعد الربيع العربي

في العام 2011 توترت العلاقات بين البلدين؛ بعدما اكتشفت قوات الأمن الكويتية خلية تجسسية تتبع إيران في أراضيها.

وتسببت الاتهامات الكويتية لإيران بأزمة دبلوماسية وتراشق بالتصريحات، وكان من تداعيات هذا التصعيد وقوف بعض رجال الدين من الشيعة في الكويت مع إيران، والدفاع عن المتهمين بقضية التخابر مع إيران، والذين كانت بحوزتهم ترسانة من الأسلحة والمتفجرات.

عام 2012 شهد صعود مشكلة من ستينيات القرن الماضي، وهي مشكلة ترسيم الحدود البحرية الإيرانية الكويتية، والتي تعرف بـ"الجرف القاري" حول حقل "الذرة" الغني بالغاز والمعادن.

وفي عام 2014 حدثت نقلة نوعية في العلاقات بعد إنشاء رابطة الصداقة الإيرانية الكويتية، لتشمل برامج عمل تتضمن جميع أشكال التعاون والأنشطة والفعاليات الاجتماعية.

وحظيت الخطوة بتأييد ومباركة القيادة السياسية الكويتية؛ حيث كانت المبادرة من إيران، وفي عام 2015 وقعت إيران الاتفاقية التاريخية لمشروعها النووي مع مجموعة 5+1، وهي الدول الخمس دائمة العضوية وألمانيا، فأصبحت تبحث عن حلفاء لها لتأييدها، ولا سيما من الجيران الخليجيين، وفي مقدمتهم الكويت.

وقتئذ، بدأ وزير الخارجية، جواد ظريف، بزيارة الكويت لشرح أبعاد الاتفاق النووي بالتزامن مع زيادة التوتر بين البلدين، كما هنأ أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد الصباح، المرشد الأعلى والرئيس الإيراني، على إنجاز الاتفاق، قبل أن يشهد العام 2016 توتراً كبيراً في العلاقات الخليجية الإيرانية بعد اعتداء الأخيرة على سفارة السعودية في طهران وقنصليتها في مدينة مشهد.

- صراع لم يكتمل

وطفت على السطح في العام 2015، بوادر صراع كويتي إيراني جديد، لكنه لم يكتمل، وذلك عندما استدعت الخارجية الكويتية بأعمال السفارة الإيرانية لديها احتجاجاً على طرح إيران مشروعين لتطوير حقل الدرة النفطي، حسبما ذكرت الخارجية الكويتية.

وقالت الخارجية الكويتية، آنذاك، إنها سلمت مذكرة احتجاج بسبب تقارير أشارت إلى إصدار شركة النفط الوطنية الإيرانية نشرة بشأن الفرص الاستثمارية النفطية في إيران، متضمنة فرصاً للاستثمار في أجزاء من امتداد حقل الدرة، الواقع في المنطقة البحرية المتداخلة التي لم يتم ترسيمها بين الكويت وإيران.

ويعود النزاع حول هذا الحقل إلى الستينيات عندما منحت إيران حق التنقيب والاستغلال للشركة الإيرانية - البريطانية للنفط، في حين منحت الكويت الامتياز لشركة "رويال داتش شل"، وقد تداخل الامتيازان في الجزء الشمالي من حقل الدرة.

وفي العام 2016، قطعت السعودية العلاقات الدبلوماسية مع إيران، ولحقتها بعض الدول الخليجية، في حين اكتفت الكويت باستدعاء السفير الإيراني وتقديم مذكرة احتجاج شديد اللهجة.

- نقاط تلاقٍ

وبداية 2017، وفي خطوة لتهدئة الأوضاع، زار وزير الخارجية الكويتي محملاً برسالة من أمير الكويت، صباح الأحمد الصباح، إلى الرئيس الإيراني حسن روحاني، بشأن العلاقات الخليجية الإيرانية، في حين زار روحاني الكويت والتقى أميرها.

وثمة مجموعة من المحددات والمعطيات الجيوسياسية والديمغرافية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تحكم العلاقات بين الكويت وإيران، ومن بينها: الموقع الجغرافي؛ فالكويت متجاورة مع إيران، وقد أسهم هذا القرب الجغرافي في مناوشات ومشاكل على الحدود البحرية بين البلدين لاحتوائها على ثروات طبيعية لا سيما النفط والغاز.

هناك أيضاً الامتداد السكاني والاجتماعي؛ فنتيجة للتقارب الجغرافي أصبح هناك سهولة للتنقلات ووجود عائلات في الكويت من أصول إيرانية، وأصبحت هناك روابط ثقافية واجتماعية.

إضافة إلى الروابط التجارية والاقتصادية القوية جداً بين البلدين، التي بدأت مع توقيع الدولتين العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الاقتصادية، في سبعينيات القرن الماضي، ومنها اتفاقية الترانزيت والتجارة، وكذلك تشكل السياحة في إيران جانباً مهماً في الاقتصاد بين البلدين، بحيث تتجه أعداد كبيرة من الكويتيين إلى بعض المزارات في المدن المقدسة مثل مشهد وقم.

الروابط المذهبية تتمثل في الارتباط المعنوي بين أبناء الطائفة الشيعية في الكويت، وهم أقلية تمثل نحو 18.9 بالمئة، لكنهم موجودون في الإعلام والاقتصاد؛ وقد عززوا حضورهم السياسي في مجلس الأمة الكويتي بفوز 17 مواطناً شيعياً في انتخابات 2012، لكنهم تحولوا إلى موضع قلق كويتي بعد تعرض بعضهم لاستغلال إيراني ورطهم في أعمال وصفت بـ"الإرهابية".