• العبارة بالضبط

إسطنبول والأقصى.. غضبة المآذن

اتخذت بلدية إسطنبول الكبرى من مآذن إسطنبول شعاراً وأيقونة لها، ولا غرابة أبداً؛ فكل من يكرمه الله بزيارة هذه المدينة الساحرة يشعر بشيء من الخدر الجميل الذي ينتابه من رؤية ما حباها الله تعالى من هبات ومزايا جعلتها إحدى جنان الدنيا؛ بجوها المعتدل صيفاً وشتاءً، وبحارها المتداخلة مع جبالها، وغطائها الأخضر الجميل، وزهورها التي تطرِّز ثوبها الزَّاهي طوال العام.

والأبهى والأجمل من ذلك كله تلك المآذن الرشيقة الشامخة المنتشرة على تلال المدينة وهضابها ووديانها كأنها حراب ممشوقة تحرس البلدة من كل متربص دخيل.

وإذا كان منظر المآذن موحياً ومؤثراً، فالأكثر روعة وتأثيراً هو ذلك النداء الآسِر الذي ينبعث منها بصوت يشوبه حزن لا يخفى. أذان إسطنبول ليس أذاناً عادياً، ففي ثناياه عبق للتاريخ يفوح، وأمجادٌ تليدة تلوح، فيه مسحة حزن تنبئ عن تاريخٍ أليمٍ عصف بتلك الديار التي تنسمت عبق التوحيد مع اقتحام سنابك خيل السلطان محمد الفاتح أسوار القسطنطينية وتردد الأذان في سمائها وفضائها من على مآذن أيا صوفيا..

تبكيك مقامات الأذان الإسطنبولي وتشجيك، فهي تحكي تفاصيل حقبة صعبة عسيرة تجرعها أولئك الذين عاشوا زماناً كانوا فيه سادة الدنيا وقادتها، لكونهم أبناء حاضرة الخلافة الإسلامية لقرون عديدة خلت، حتى إذا نكست أعلام الخلافة العلية العثمانية، وطمست الأحرف العربية واستبدلت بها اللاتينية، ورفع أذان ملفق باللغة التركية، في إطار "تتريك الدين الإسلامي" ليتحول إلى دين "وطني" لا إسلامي!! عندها غصت الحلوق بمأساة لم يسبق لها مثيل، ولا تذوق أحد من المسلمين جرعة ذل مسمومة مع التنكيل.

يومها صدرت قوانين صارمة بحبس كل من يؤذن باللغة العربية من ثلاثة أشهر إلى عشرة، مع غرامة مالية، وعقوبات أخرى نفسية وجسدية، وصلت إلى حد تهجير المؤذنين وضربهم، وإرسالهم إلى المستشفيات النفسية والعقلية، كما نقلت ذلك الكاتبة التركية "زهراء كرمان".

في وصفها للمشهد الأول بعد إعادة الرئيس عدنان مندريس في 16 حزيران عام 1950 الأذان إلى اللغة العربية.. كتبت تقول: "يومها بدأ المؤذنون يرفعون الأذان المحمدي وعيونهم تذرف الدموع، وأصواتهم يقطعها البكاء.. كان المشهد حينها روحانياً؛ فالأتراك جماعات جماعات يذهبون إلى المساجد ودموعهم تحضن بعضها بعضاً، وهم يهللون ويكبرون من شدة فرحهم. كان المؤذن يذهب إلى المسجد ويرفع الأذان ثلاث مرات أو أربعاً، ويختتم أذانه بدعاء الشكر.. ثم إنها ختمت مقالها بدعائها: "أسأل الله الكريم ألا يحرمنا من سماع الأذان المحمدي باللغة العربية في هذا الوطن".

ويشاء الله تعالى أن تبتلى بلادها وتمتحن في ليلة ليلاء، تحركت خلالها أفاعٍ خبيثةٌ سوداء، متلفعة بسواد قلبٍ وفحمة ليلٍ كي تُخرِس الأذان وتقتل الأمان، وتطمس آيات القرآن، وتنشر الخوف والرعب، وتمسخ بعهرها الإنسان..

كنت ممن شهدوا تلك الليلة الطويلة بتفاصيلها الدقيقة، خفق معها قلبي، وخشيت أن يتكرر سيناريو الانقلاب الدموي الذي كنت شاهداً عليه في مصر، وهو ما دفعني إلى استطلاع الأوضاع من كثب بعد خطاب الرئيس أردوغان الداعي للخروج إلى الشوارع، كان سهلاً جداً أن تلحظ الفرق بين الأيام العادية وذلك اليوم، فعهدي بالأتراك في محيط بيتنا أن يخلدوا إلى النوم مبكراً مباشرة بعد صلاة العشاء، خرجت وكنت أظن أني أول الخارجين، فإذ بالعشرات والمئات قد سبقوني إلى الطرقات يحملون الأعلام ويهتفون: "يا الله، بسم الله، الله أكبر"..

لحظات وسرى نداء ملأ الآفاق، اقشعرت له الجلود والأبدان.. إنها مآذن إسطنبول تصدح بالأذان والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنبرة امتزج فيها الغضب بالتجييش والتحذير والخوف على المصير، وكأني بها رجع الصدى لخطبة سعد بن أبي وقاص قبيل القادسية، أو خطبة أبي عبيدة قبيل اليرموك، تنذر القوم وتحرضهم على مواجهة الانقلابيين بكل ما آتاهم الله من عزم وقوة كي لا يعضوا أصابع الندم كما حصل مع أجدادهم.

خِلتُ المآذن حينها ملائكةً تنادي على المؤمنين أن اصبروا وصابروا وامضوا نحو نصر مبين، مؤيَّدين بملائكة مسومين. خلت نفسي أتهجد مع متهجدين قائمين قانتين في ليلة قدرٍ عظيمةٍ، تغشاها الرحمات وتتنزل فيها البركات، فالأذكار والتراتيل تملأ فضاءات إسطنبول، تبعثها المآذن غير آبهة بدبابات وطائرات ومدافع المتآمرين، تتعالى من حناجر شعبٍ وفيٍّ لرئيسٍ أولاهم ثقته، ولوطنٍ احتضنهم واستصرخهم أن ينقذوه. تتصاعد دعاءً عريضاً من جموع المهاجرين الذين أَوَوْا إلى من طبَّب جراحهم وأعطاهم الأمن والأمان على أنفسهم وأعراضهم بعد أن سُدَّت الدنيا في وجوههم.

كان موعدنا "سلام هي حتى مطلع الفجر"، وكان "موعدهم الصبح؛ أليس الصبح بقريب؟"، وما هو إلا أن طلع الفجر نديّاً زكيّاً، فاختلط أذانه بهتافات التكبير احتفاءً باندحار الظلام والظالمين، فكان الصبح موعداً لهم، والسلام والأمان موعداً لمن بذلوا وضحَّوا وتحركوا ولم يسكنوا أو يركنوا.

في ذكرى "ليلة القدر" تلك، وبعد مرور عامٍ كاملٍ على تنفسنا الصعداء، صدحت المآذن مجدداً بعد منتصف الليل لتذكرنا بيوم من أيام الله المجيدة، فأكثر من تسعين ألف مئذنة في جميع أنحاء تركيا شكلت جوقة واحدة احتفاءً بنصر الله وتمكينه، وكأنّي بشهداء الخامس عشر من تمّوز قد أطلُّوا يهلِّلون ويكبِّرون من على تلك المآذن؛ "يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون". أبشروا فقد زال الخوف والحزن عن تركيا بنعمة الله وفضله، "وأنَّ الله لا يضيع أجر المؤمنين".

في المقابل، وفي تلك الليلة ذاتها، عاشت مآذن المسجد الأقصى المبارك أحلك أيامها وأقساها، فقد عدا عليها غربان الحقد الأسود، فكمموها بطيالسة حُيي بن أخطب وأسمال ابن أبي الحقيق، وحالوا بينها وبين مؤذني الأقصى، ثلاثة أيام بلياليها والمسجد الأقصى يلفُّه صمتٌ مطبق، ما مرّ به منذ أربعة عقود مضت.

سكتت مآذن الأقصى، وعلت معها أصوات عاشقيه بالبكاء والنحيب، خاصة أولئك الذين يقطنون البلدة القديمة من القدس المحتلة، الذين تتشنَّف أرواحهم كلّ يومٍ بسماع أذانه الذي يبعث في نفوسهم الطمأنينة والسكينة بأنَّ أقصاهم الحبيب بخير وعافية، وأنّ ذلك الجار الغالي ما يزال يُصَبِّح عليهم ويُمَسِّي رغم الأغلال الصهيونيّة التي تكبّله والمعاول اليهوديّة التي تنهش قلبه وبواطنه.

فرك النتن ياهو يديه فرحاً وطرباً لتلك الفرصة السّانحة، وظنّ أنه قاب قوسين أو أدنى من تحقيق حلم بني صهيون، بوضع اليد على المسجد الأقصى المبارك الميمون، وانتزاعه بالكلية من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ومصادرته بالكامل. ظن أن الحالة التي تردت إليها أمتنا كفيلة بأن تجري مخططاته كما تشتهي سفنه المحملة بالقراصنة قطاع الطرق وشذاذ الآفاق الذين نقضوا العهد مع الله والميثاق.

ثلاثة أيام عصيبة مرَّت كدهرٍ طويلٍ، استفرد الجناة خلالها بالضحية، حتى إذا النقع انجلى والغبار انقشع، وأراد أهل القدس دخول مسجدهم الذين هم أصحابه وورثته والمؤتمنون عليه، إذ بالبوابات الإلكترونية تشرع في وجوههم كأنها مِقصلاتٍ نُصبت لفصلِ العزّة والكرامة عن أجسادهم، وقطع رؤوسهم المتطلعة إلى يوم تحرير الأقصى وخلاصه.

تلك الفعلة الشنعاء كانت كفيلة بإثارة عش الدبابير المقدسية لتتجمع من كل أنحاء القدس، بل ومن فلسطين المحتلة عام 1948حول بوابات الأقصى، وتشكل بذلك صداعاً مدوياً ودائماً للمتغطرس المغرور نتنياهو، وليتحول معها رفض العبور من خلال بواباته الإلكترونية إلى إجماع شعبي سرعان ما تطور بسرعة ليشكل حالة من الغضب الثوري المتمثل بالاعتصامات والاعتكافات، مع ترديد الهتافات وأداء الصلوات على أعتاب البوابات، والتنادي إلى إغلاق المساجد يوم الجمعة في القدس ومدن فلسطين المحتلة عام 1948، وشد الرحال- بدلاً من ذلك- لأداء صلاة الجمعة عند بوابات المسجد الأقصى، في سابقة فريدة لم تشهدها المدينة المقدسة من قبل، جعلت نتنياهو يبحث عن سلم ينزل به من أعلى الشجرة التي صعد إليها، وذلك من خلال تصريحات استجدى فيها مساعدةً من الدول العربية تسهم في تهدئة خواطر المقدسيين وإخوانهم في أنحاء فلسطين.

تتجمع الجموع وتحتشد الحشود حول بوابات الأقصى، تتأجج معها المشاعر وتثور، وتغلي في الصدور المراجل وتفور، وتتعلق بالأقصى الأنظار، فيتداعى لنصرته الأطهار، ويعقِد له بيعةَ العقبةِ الأنصار.. وتحت زيتوناته المباركة يبايعون بيعة الرضوان، يجهر بها أهل الإيمان بأن يسرجوا الأقصى بدمائهم الزكية، ويطهروا ساحاته العبقة بالأنفاس النبوية، ويعيدوا الأذان عالياً في مآذنه البهية لتصدح بتكبيرات النصر تملأ الآفاق، وترسل رسالة لكل عاشق مشتاق، أن هلمَّ إلى شد الرِّحال إلى الأقصى، ولتصدح مآذن إسطنبول بهذه البشرى.