• العبارة بالضبط

رحلة البحث عن الذهب الأسود.. الأناضول تترقب طفرة اقتصادية جديدة

لم تكتف حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان بوضع تركيا ضمن أكبر 20 اقتصاداً في العالم في غضون سنوات، لكنها بدأت مؤخراً بتجسيد خطوات عملية يبدو أنها ستزاحم دولاً أخرى في تصدّر مشهد الطاقة العالمي، خلال السنوات القليلة المقبلة.

وقررت تركيا دخول عالم الاستكشاف والتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي قبل نهاية العام 2017، فماذا كان المانع من بدء الحكومات التركية المتعاقبة عمليات البحث عن الذهب الأسود محلياً ودولياً؟

وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، براءت ألبيرق، أكد في 28 يوليو 2017 خلال اجتماع، في مدينة إسطنبول، مع أكاديميين حول الموارد الطبيعية الوطنية، أن بلاده ستبدأ في الربع الأخير من العام الجاري بممارسة أنشطة التنقيب (النفط والغاز) بإمكاناتها المحلية الخاصة. مشيراً إلى دخول بلاده مرحلة جديدة ستشهد تغييرات واستثمارات وخطوات هامة في قطاع الطاقة.

والخطوات الهامة حول التنقيب عن الذهب الأسود في بلاد الأناضول تأتي في ظل استيراد تركيا أكثر من 90% من احتياجها النفطي من الخارج، من دول مثل روسيا وإيران وأذربيجان؛ ممَّا يضعها على رأس قائمة البلدان التي تستهلك أغلى أنواع الوقود على مستوى العالم، إذ يصل سعر لتر البنزين فيها إلى نحو 2.5 دولاراً.

وتكتسب تركيا إمكاناتها الاقتصادية والتنموية من كونها دولة محورية تجمع الشرق مع الغرب، وترتبط بثلاث قارات حول العالم، فضلاً عن دورها الهام في أمن إمدادات الطاقة. وتتمتع كذلك بوجود أكثر من 60% من إجمالي النفط والغاز الطبيعي العالمي في مناطق قريبة من تركيا، بحسب وزارة الطاقة التركية.

- مصادر الطاقة لـ100 عام

ومع مواصلة أنقرة أعمال التنقيب عن الغاز الطبيعي والنفط في البحرين المتوسط والأسود، بواسطة تقنيات المسح السيزمي ثنائي وثلاثي الأبعاد، أكد ألبيرق أن تركيا تواصل اتخاذ خطوات واثقة في تأمين متطلبات شعبها من الطاقة، لافتاً إلى أن التقارير الدولية تفيد بأن الغاز الطبيعي سيصبح أهم مصدر للطاقة في الأعوام الـ100 المقبلة، كما كان الفحم الحجري في القرن التاسع عشر والنفط في القرن العشرين.

وفي ظل هذه الأجواء، تضع تركيا في حسبانها، بحسب الوزير التركي، أهمية الغاز المسال مصدر طاقة هامة إلى جانب المصادر الأخرى. وأكد ألبيرق أن تركيا ستمتلك ثلاثة مفاعلات نووية بحلول 2030، مع تشغيل أولها (محطة أق قويو) في ولاية مرسين جنوبي البلاد عام 2023، بحسب اتفاق بين أنقرة وموسكو وُقِع العام 2010، بلغت قيمته 22 مليار دولار.

وفي مارس العام 2018، من المقرر أن تفتتح تركيا وروسيا خط نقل الغاز الروسي (السيل التركي) أو ما يعرف بـ"تركش ستريم"، لتزويد تركيا ولتحويلها إلى مركز للطاقة في المنطقة، بالإضافة إلى تلبية احتياجات أوروبا من الغاز الطبيعي.

اقرأ أيضاً :

اشتباكات عنيفة بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال بعد "جمعة حاشدة"

- خريطة عبد الحميد الثاني الاقتصادية

تشير الصحافة المحلية إلى أن الحكومة التركية ستبدأ بالتنقيب عن النفط في مواقع موجودة ضمن خريطة أعدّها مهندسون ألمان وأتراك في عام 1901، وفق تعليمات السلطان عبد الحميد الثاني الذي كان يتولى الخلافة الإسلامية في ذلك الوقت.

وتتضمن الخريطة القديمة منطقتي كركوك والموصل في العراق، حيث تُظهر الخريطة التي رسمها مهندس التعدين الألماني باول جروس كوف والمختص التركي حبيب نجيب أفندي، في عام 1901، وجود النفط في كلٍّ من "سيرت" و"شرناق" في تركيا، بالإضافة إلى كركوك والموصل في العراق.

وكانت شركات أمريكية وإنجليزية قد بدأت في التنقيب عن النفط في تلك المناطق في سبعينيات القرن الماضي، بعمق 500 متر في الآبار، وأظهرت نتائج إيجابية وكشفت وجود النفط عالي الجودة على عمق بين 2.371 و2.384 متراً، لكنها أغلقت الآبار بعد فترةٍ قصيرة، دون ذكر الأسباب، بحسب تصريحات لوالي مدينة "سيرت" التركية، أحمد آيدين.

- وثائق وتسريبات

تظهر بين الفينة والأخرى وثائق عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يتداولها نشطاء وسياسيون عرب، تتحدث عن قرب انتهاء "معاهدة لوزان"، التي وقعتها تركيا مع دول الحلفاء المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، عام 1923 بسويسرا، لتبدأ بفك القيود الاقتصادية المفروضة على تركيا منذ ذلك الحين.

وبحسب الوثائق، فإن تركيا بعد انتهاء المعاهدة ستبدأ بالتنقيب عن النفط، وتنضم إلى قائمة الدول المنتجة للنفط، إلى جانب تحصيل رسوم من السفن المارة عبر مضيق البوسفور، وحفر قناة جديدة تربط بين البحر الأسود وبحر مرمرة، كانت محظورة على تركيا من قبل.

وترجع "الوثائق المتداولة" سبب التوتر السياسي بين تركيا وبعض دول الاتحاد الأوروبي، إلى قرب انتهاء العمل بهذه المعاهدة، عام 2023، وذلك بعد مرور مئة عام على توقيعها، رغم عدم وجود نص صريح في معاهدة لوزان يمنع تركيا من التنقيب عن النفط.

وانتشرت مؤخراً العديد من التقارير والدراسات، تقول إن نصوص معاهدة لوزان المكونة من 143 مادة، موزعة على 17 وثيقة ما بين "اتفاقية" و"ميثاق" و"تصريح" و"ملحق"، لم تحوِ نصاً أو بنداً يحدد مدة انتهاء المعاهدة، ولا يوجد في نصوص المعاهدة ما يفيد بأنها منعت تركيا من التنقيب عن النفط أو تحصيل الرسوم من السفن المارة عبر مضيق البوسفور.

لكن الأكاديمي والأستاذ الجامعي في جامعة يلوا التركية، أوصمان سيّد، أشار في حديث مع "الخليج أونلاين"، إلى أن المعاهدات الدولية مثل لوزان عادة ما تُلحق بنقاط أو ملاحق أشبه بالوصايا أو العقوبات، التي تفرضها دول على دول أخرى، منها وصايا سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، وتكون غير قابلة للتداول إلا بشكل حصري أو سري بين الجهات الموقعة عليها.

ويضيف الأكاديمي، والمتخصص في قسم الدراسات الحضارية والتاريخية، أن معاهدة لوزان الموقعة بين الحلفاء وتركيا بعيد الحرب العالمية الأولى، قد يكون فيها مثل هذا النوع من الملاحق، إذ يؤكد المسؤولون الأتراك أن تركيا لن تكون في العام 2023 كما كانت في السابق، في إشارة إلى تصدرها في قطاع الطاقة عالمياً، ومرور أكثر من مئة عام على توقيع ملاحق المعاهدة آنذاك.