• العبارة بالضبط

خيار أمريكا في دير الزور يكسر "الهلال الفارسي" أو يكمله

في معركة الرقّة ملامح كثيرة مما سيكون بالمعركة التالية في دير الزور، وقد صُوّرت الأولى بأنها "أسهل" من الثانية بمقاييس كثيرة، أبرزها أن تنظيم داعش سيخوض في دير الزور معركته الأخيرة، من أجل هزيمته النهائية. لكن وقائع الرقّة لا تُظهر استعداداً داعشياً لانكفاءٍ وشيكٍ أو سريعٍ، فمَن يقاتلون الآن هم جميعاً محلّيون بعدما رحل الغرباء الذين تدبّروا فرارهم أو استسلامهم باكراً، ومَن تبقّى منهم هبطت طائرات نقل جند أمريكية في أحد المطارات؛ لسحبهم وفقاً لترتيب مسبق. وفي خلفية القتال، لا يزال الصراع دائراً حول مَن سيدير المنطقة بعد تحريرها؛ إذ إن تركيبة المجلس المحلي المقترح تثير خلافات بين الفصائل العربية، فضلاً عن حساسيات عربية-كردية بسبب "زرع" ثلاثة أكراد من أصل عشرة أعضاء، رغم عدم وجود سكان أكراد في المحافظة.

لا شك في أن هيمنة الأكراد على "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) تحتّم وجودهم في مجلس الرقّة خلال فترة "ما بعد التحرير"، تحديداً للضرورات الأمنية التي يريدها الجانب الأمريكي تحت السيطرة قبل أن تتبلور صيغة محلية موثوق بها عسكرياً وإدارياً. إلا أن الأطراف العربية تخشى انتقالاً مفاجئاً من هيمنة كردية ارتكبت انتهاكات ولا تزال إلى هيمنة مليشيات إيرانية متنكّرة بزيّ النظام المتعطّش إلى انتقامات.

ولعل الاتفاق الأمريكي - الروسي على خريطة توزّع القوى في الرقّة ومحيطها، يمهّد لتسليم المحافظة كاملةً، في مرحلةٍ ما، إلى النظام. لذلك طالَب الائتلاف السوري المعارض (بيان 28 يوليو 2017) بأن تكون إدارة الرقّة تحت إشراف "الحكومة السورية المؤقتة" التابعة له، وأشار إلى "ارتكاب قوات سوريا الديمقراطية جرائم حرب وعمليات قتل وتصفية، وتهجير لبلدات وقرى في ريف الرقّة». ولا فارق بين أكراد "قسد" وقوات نظام بشار الأسد بالنسبة إلى "الائتلاف"، فلديه الكثير من الوثائق التي تثبت تعاونهما منذ بداية الأزمة السورية.

ومن ذلك مثلاً، كتاب موقّع (رقم 37568/66) من وزير دفاع النظام، جاسم فهد الفريج، (8 يناير 2015)، يطلب فيه من القائد العسكري في المنطقة الشرقية "إمداد حزب العمال الديمقراطي الكردستاني بجميع احتياجاتهم من سلاح وذخيرة ومعلومات ميدانية خاصة بمناطق وجبهات القتال الساخنة ومشاركتهم العمليات العسكرية".

في كل حالات الانسحاب من مواقع القتال، سواء من جانب الأكراد أو "داعش"، كان الخيار التلقائي تسليمها إلى قوات النظام وإيران، وكانت النتيجة دائماً تهجيرَ مَن تبقّى من سكان. لم يحدث أن فضّل الأمريكيون تسليم أي منطقة إلى فصائل معارضة ولو معتدلة بحسب تصنيفهم. والواقع أن إضعاف المعارضة وعدم تمكينها وكبح اندفاعاتها تحوّلت منذ منتصف 2012 استراتيجية اتّبعتها إدارة باراك أوباما وتتابعها إدارة دونالد ترامب، متوافقتَين فيها مع روسيا وإيران والنظام، ضمنياً وعملياً، على هدف واحد: شرذمة "الجيش السوري الحرّ"، وقد أسهمت الدول الداعمة لهذا "الجيش"، بتنافساتها وتنافراتها، في تحقيق الهدف ذاته، أرادت أو لم تُرد. ولم يبقَ من هذا "الجيش" سوى فصائل صغيرة؛ إما محاصَرة وغير قادرة على التأثير في مجرى الأحداث، وإما ناشطة في الحرب على "داعش" وفقاً للشروط الأمريكية التي تحرّم عليها مقاتلة النظام.

حتى إن تركيا فرضت هذا الشرط على قوات "درع الفرات" (وهي من "الجيش الحرّ")، ليسمح لها الأمريكيون والروس بالقتال لطرد "داعش" من شريط جرابلس شرقي الفرات، من دون الوصول إلى مدينة الباب.

على الرغم من استمرار التواصل بين الخارجية الأمريكية والائتلاف السوري المعارض، خصوصاً للتنسيق في شأن التفاوض السياسي وبعض الملفات الإنسانية، فإن واشنطن لا تفكّر في تمكين المعارضة من إدارة أي منطقة، فهي أقامت فصلاً تاماً بين المعارضة والفصائل المرتبطة بها، ومجريات الحرب على الإرهاب التي يشرف عليها "البنتاغون". كانت هناك فرصةٌ مطلع عام 2015، عندما عرض الجنرال جون آلن على وفد للمعارضة (رئيس الائتلاف خالد خوجة، وسلفه هادي البحرة، ورئيس الحكومة أحمد طعمة، ووزير الدفاع سليم إدريس) أن تنضم الفصائل المقاتلة إلى برنامج تدريب وتجهيز وتطوير؛ لمحاربة "داعش" بمعزل عن الصراع الداخلي.

كان عرضاً أمريكياً يصعب قبوله؛ بسبب شرطه الأساسي، ويصعب رفضه بما ينطوي عليه من فرص، ولم يجرِ نقاش حرّ ومعمّق داخل الائتلاف؛ إذ كانت تركيا حسمت لجهة الرفض؛ لأن الأمريكيين لم يوافقوا على مشاركتها. وبناء عليه، اختار "البنتاغون" الاعتماد على الأكراد، ثم ضمّ إليهم ما أمكن جمعه من فصائل عربية.

كانت مقولة "مقاتلة (داعش) تعني مقاتلة النظام" تتردّد هنا وهناك، لكن أنقرة كانت تفكّر فقط في مقاتلة الأكراد، ولئلا تخسر أي دور -ولو صغيراً- في سوريا، اضطرّت لاحقاً إلى الموافقة على الشروط الأمريكية (والروسية). ولو أن أنقرة لم تمنع الائتلاف السوري من قبول العرض الأمريكي آنذاك، لربما اتخذت معركة الرقّة؛ بل بالأخص معركة دير الزور، مساراً آخر أكثر انسجاماً مع سعي حقيقي إلى حل سياسي للصراع الداخلي وأقلّ إثارةً للمنافسات الإقليمية.

فالمسار الحالي في الرقّة، يبدو واضحاً أنه يشحذ منطق الغلبة والانتقام لدى النظام وإيران في استعدادهما لتأجيج صراعات عربية-كردية واستغلالها. أما بالنسبة إلى دير الزور، وإن لم يتّضح بعد، فإن المقدمات الراهنة لا تشير إلى تصميم أمريكي على منع تواصل المليشيات الإيرانية عبر الحدود العراقية-السورية، ولا إلى اتفاق أمريكي-روسي محتمل على توزّع القوى في هذه المحافظة الشاسعة. فالاتفاق أكثر صعوبة؛ لأن الروس لا يملكون قوة برية تابعة لهم ولا يضمنون عدم الاختراق الإيراني لقوات النظام، ثم إن كل الأطراف تريد حصّة في دير الزور الغنية بالنفط والأراضي الزراعية.

لا يزال التركيز الأمريكي على الرقّة، ولم يحسم "البنتاغون" بعدُ تحضيراته الأولية لمعركة دير الزور التي غدت محط الأنظار ولا تبدو وشيكة، لكن يُتوقع أن يتسارع الإعداد لها بعد معركة تلعفر في العراق، وكذلك بعد الانتهاء من الرقة وترتيبات إدارتها. ويُنظَر إلى المواجهات الدائرة في مناطق البادية، الممتدة من قاعدتي التنف والزغب الأمريكيتين، وصولاً إلى البوكمال، بين قوات النظام وإيران وفصائل مدعومة أمريكياً، على أنها ذات علاقة مباشرة بمعركة دير الزور. وفي حين تأكَّد أن الأكراد لن يشاركوا فيها، لا تزال القوى المرشحة للقتال قيد الإعداد؛ إذ يحبِّذ الأمريكيون صيغة مشابهة لـ"قسد" مع دور محوري للعشائر. ومع أنهم لم يحدّدوا بعدُ الفصيل الذي سيقود المعركة برّاً، فإن قوات "مغاوير الثورة"، التي دُرّبت في الأردن ويقودها المقدم مهند الطلّاع، ستضطلع بدور رئيس.

أياً كانت سيناريوهات معركة دير الزور، يعتقد الخبراء أن الولايات المتحدة مصممة على الاحتفاظ بـ"الجزيرة الفراتية" (الجزء الشمالي الشرقي من المحافظة)؛ ولذلك سببان: ثرواتها، ومتاخمتها للمناطق الكردية. أما الجنوب الغربي أو "الشامية"، الذي يتقاسمه حالياً "داعش" مع النظام، فسيتأثّر بنتائج معارك البادية وبالتقدّم المستمر لقوات النظام وايران من ناحية الغرب مروراً بريف الرقّة الجنوبي. وثمة توقّعات في أوساط المعارضة بأن "داعش" قد يتخلّى مع اشتداد المعارك عن الأحياء التي يسيطر عليها في هذا الجزء لمصلحة النظام وإيران.

بعد سقوط حلب أوائل العام الماضي، كرر الضباط الروس في لقاءات مع ممثلي فصائل المعارضة، أن روسيا "ستأخذ أيضاً دير الزور"، وفي ذلك دلالة على وجود استراتيجية لا تزال مفتقدة عند الجانب الأمريكي أو أنها تقتصر في الشمال على تأمين الكيان الخاص بالأكراد. أما الهدف الاستراتيجي الآخر والمعلن عنه أمريكياً، أي الحدّ من النفوذ الإيراني، فلا يزال متذبذباً، لكن محكه الأساسي يقترب وسيكون تحديداً في دير الزور، وإذا لم تكن هناك ضوابط أمريكية-روسية لدور إيران في المعركة ولحركة مليشياتها عبر الحدود مع العراق، فإن "الانتصار الاستراتيجي" الذي هللت له طهران طوال الشهور الماضية، سيتحقق بامتداد متواصل لـ"الهلال الشيعي" أو "الفارسي" من طهران إلى بيروت، مروراً ببغداد ودمشق.

(الحياة)