• العبارة بالضبط

خطاب العرش ينصف أهل الريف

"إن برامج التنمية البشرية والترابية، التي لها تأثير مباشر على تحسين ظروف عيش المواطنين، لا تشرفنا، وتبقى دون طموحنا".

العبارة أعلاه كانت من أقوى العبارات التي قالها ملك المغرب، مساء يوم 29 يوليو 2017، في خطاب الذكرى الثامنة عشرة لعيد العرش، في وجه المفسدين من المسؤولين المقصّرين في أداء مهامهم المنوطة بهم، والتي من أجلها فوّضهم الشعب للقيام بها، وانتقد في خطابه النخبة والمنتخبين والأحزاب السياسية في البلاد، معتبراً أن "التطور السياسي والتنموي الذي يعرفه المغرب لم ينعكس بالإيجاب على تعامل الأحزاب والمسؤولين السياسيين والإداريين مع التطلعات والانشغالات الحقيقية للمغاربة".

العاهل المغربي، ومن خلال هذا الخطاب، أعطى كذلك الأمر بالتحقيق في أسباب تأخر مشروع "الحسيمة منارة المتوسط"، وهو النقطة التي أفاضت الكأس وكشفت الغطاء عن واقع سياسي واقتصادي واجتماعي وإداري متعفّن ومقيت يتجرّعه المغاربة في كل يوم، يعطّل مصالحهم، وينهك قدراتهم، ويسيء إلى سمعة البلاد والعباد في الداخل والخارج.

وعلى الرغم من مرور الخطاب على أحداث حراك الريف مروراً عابراً، معتبراً حدوثه في أي منطقة من مناطق المملكة كان نتيجة للتقصير وسوء التدبير، فإن ما نص عليه بلاغ وزارة العدل والحريات من إطلاق لسراح "سيليا"، أحد أبرز الوجوه النسائية المناضلة والناشطة في الحراك، وخمسين معها؛ لأسباب إنسانية وصحية، كانت المبادرة الملكية التي شفت الجراح النازفة، وأثلجت الصدور، وأفرحت قلوب الريفيين.

وشخّص العاهل المغربي مسببات هذا التقصير والشطط وسوء التدبير في قوله: "عندما تكون النتائج إيجابية تتسابق الأحزاب والطبقة السياسية والمسؤولون إلى الواجهة للاستفادة سياسياً وإعلامياً من المكاسب المحققة، أما عندما لا تسير الأمور كما ينبغي يتم الاختباء وراء القصر الملكي، وإرجاع كل الأمور إليه (..) وهو ما يجعل المواطنين يشتكون لملك البلاد من الإدارات والمسؤولين الذين يماطلون في الرد على مطالبهم ومعالجة ملفّاتهم، ويلتمسون منه التدخل لقضاء أغراضهم".

لقد أبى ملك المغرب إلا أن تكون أحداث الريف في صلب خطاب العرش؛ بقوله: إن "القوات العمومية وجدت نفسها وجهاً لوجه مع الساكنة، فتحملت مسؤوليتها بكل شجاعة وصبر، وضبط للنفس، والتزام بالقانون في الحفاظ على الأمن والاستقرار، وهنا أقصد الحسيمة، رغم أن ما وقع يمكن أن ينطبق على أي منطقة أخرى، وذلك على عكس ما يدعيه البعض من لجوء إلى ما يسمونه بالمقاربة الأمنية، وكأن المغرب فوق بركان، وأن كل بيت وكل مواطن له شرطي يراقبه".

وقبل هذا الخطاب كانت أحزاب الأغلبية المشكّلة للحكومة قد أصدرت بياناً اتهمت فيه المتظاهرين والناشطين في صفوف حراك الريف بأنهم يشتغلون على أجندة أجنبية تعادي الوحدة الترابية للمغرب، وبأنهم مرتزقة، عملاء وخونة وانفصاليون، وهو ما شكّل حينها صدمة سياسية وحقوقية ليس فقط لسكان الريف ولكن أيضاً لعموم الشعب المغربي، ليتبين فيما بعد أن هؤلاء مواطنون خرجوا للشارع من أجل مطالب ذات طابع اجتماعي صرف (بناء مستشفى، مدارس، طرق، توفير فرص للشغل، إصلاح وتقريب الإدارة...)، وهي كلها مطالب كان من المفروض أن تنجز لو تم تفعيل مشروع "الحسيمة منارة المتوسط"، الذي أعطى انطلاقته العاهل المغربي في أكتوبر من سنة 2015، إلا أن ذلك لم يكن منه للأسف شيء.

إن المعنيّ بكل هذه التفاصيل هو حكومتان؛ الأولى انتهت ولايتها دون أن تنال رضى كل مكونات الدولة المغربية بعد أن فشلت فشلاً ذريعاً في تسيير وتدبير الشأن العام، والثانية تنظر وتترقب وتسير بحذر شديد بعد أن وجدت نفسها غارقة في جملة من الملفات الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية، التي ظلت عالقة منذ فترة حكومة بنكيران، ومنها ملف "الحسيمة منارة المتوسط".

لقد كان حرياً بحكومتين يقودهما حزب يستمدّ مرجعيته من المرجعية الإسلامية أن يكون في منأى عن هذه الانتقادات، ويضرب موعداً مع سلسلة من الإصلاحات في مجالات الإدارة والتشغيل والصحة والتعليم، وغيرها من المجالات التي تهم بشكل مباشر مواطن الأحياء الشعبية، الذي يصوّت له في الانتخابات، والذي يحتل مساحة عريضة من قاعدته الحزبية والحركية، لكنه فضّل عدم الاكتراث والانسياق وراء نزواته، ما وسع من دائرة الذين في قلوبهم مرض، من الذين بدلوا مواقفهم بمواقع متقدمة في سلم الارتقاء الاجتماعي، مرجحين خلاصهم الفردي والعائلي على خلاص التمسك بما اتفق عليه من أسس مبدئية وعقدية.