تعويم الدرهم المغربي.. تردد حكومي ومخاوف من "مغامرة اقتصادية"

بمجرد إعلان الحكومة المغربية والبنك المركزي نيتهما الدخول في نظام صرف جديد للعملة المحلية من خلال تعويمها، شهد مخزون البلاد من العملة الصعبة تراجعاً ملحوظاً.

لكن الحكومة قررت مؤخراً العدول عن قرارها، مرجعة السبب في ذلك إلى ضرورة إجراء دراسات جديدة يمكن الاستفادة من نتائجها بما يحقق مصلحة للاقتصاد المغربي.

في حين أرجع مُحللون خطوة تراجع الحكومة عن القرار، إلى ما سموه "النقص الحاد الذي شهده الاحتياطي الوطني من العملة الصعبة (العالمية)"، في الوقت الذي رأى آخرون أن ثمة تهديداً يلاحق اقتصاد البلاد من جراء ما وصفوه بـ"المغامرة غير محمودة العواقب".

وأرجع مصطفى الخلفي، الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، والمتحدث باسم الحكومة، تأجيل تطبيق نظام الصرف المرن للعملة الوطنية إلى ما سمّاه "حاجة ضرورية للقيام بدراسات جديدة".

وفي تصريح لـ"الخليج أونلاين"، قال الخلفي: إن "الحكومة ستُدخل هذا النظام حيز التطبيق في الوقت الذي تراه مناسباً"، مؤكداً أنها لم تتراجع عنه.

وأضاف الخلفي أن "هذا الإصلاح (نظام صرف العملة المرن) لا يزال قائماً، وتأجيل العمل به مؤقت"، لافتاً إلى أن تخوفات المواطنين من تطبيقه "مشروعة ومتفهمة".

ونفى وجود مشاكل في قرار الانتقال التدريجي للنظام الجديد، موضحاً أن الأمر يتعلق بطلب من وزير الاقتصاد والمالية بإرجاء تقديم عرضه التقني أمام أنظار المجلس الحُكومي قبل دخوله حيز التنفيذ.

وأكد الوزير أن المغرب اتخذ الاحتياطات اللازمة للدخول في النظام المالي الجديد، مشيراً إلى أن الحكومة ستعمل على تطبيقه تدريجياً.

واستطرد بالقول: "سيتم خلال المرحلة الأولى تحديد سقفين؛ أعلى وأدنى، للدرهم المغربي، تمهيداً لتحرير الصرف تدريجياً".

اقرأ أيضاً :

خطاب ملك المغرب يعري الأحزاب ويثير التكهنات بتغيير سياسي حاسم

- مغامرة..

بدوره، رحب المحلل الاقتصادي عمر الكتاني، بقرار التراجع المؤقت عن تعويم الدرهم، معتبراً أن القرار الجديد يحمل "سلبيات كثيرة تفوق الإيجابيات".

ويصف الكتاني، في حديث لـ"الخليج أونلاين"، الخطوة بـ"المغامرة غير محمودة العواقب"، مرجّحاً أن تتغاضى الحكومة عن الخطوة؛ "لأن الاقتصاد لا يتحمل صدمات السوق الدولية".

ويشدد الكتاني على ضرورة الحفاظ على ارتباط العملة المغربية بالعملات العالمية القوية كاليورو والدولار، "بدعوى أن الدرهم المغربي سيخضع لمنطق السوق في حالة تحرير سعر صرفه".

وزاد بالقول: "ذلك سيؤثر سلباً على القيمة الصرفية للدرهم، ومن ثم على الاقتصاد المغربي الذي هو ضعيف بالأصل".

- تأقلم النظام النقدي

وعن الأسباب المفترضة لتأجيل العمل بهذا النظام، يقول الأستاذ الجامعي عادل لخصاصي: إن "التأجيل مرتبط بمدى جاهزية النظام النقدي المغربي لاستيعابه والتأقلم معه، خاصة فيما يتعلق بمخزون الدولة من العملة الصعبة".

ورأى لخصاصي في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن ذلك يتطلب "مجموعة إجراءات من قبل البنك المركزي"، مشدداً على ضرورة تقوية الاقتصاد المغربي لمواجهة تداعيات التطبيق المستقبلي لهذا النظام، من خلال تقوية مكانة المغرب على مستوى المبادلات التجارية والتعاملات المالية العالمية.

ونصح أيضاً بضرورة "تخفيف الضغوطات على المخزون الوطني من العملة الصعبة"، ما سيجعل للدرهم المغربي قوة وصموداً أمام التغيرات النقدية الدولية، على حد وصفه.

اقرأ أيضاً :

الحراك المغربي.. دعوة للإصلاح أم إحياء لحلم "جمهورية الريف"؟

- الحكومة تبرر

ويبرر بنك المغرب (البنك المركزي) تشبثه بالخطوة على اعتبار أن الاقتصاد المغربي "متين"، مشيراً إلى أن الظروف الاقتصادية التي تعيشها البلاد "مواتية للمرور إلى هذا النظام".

وفي تصريحات صحفية لوالي بنك المغرب، يرى أن حجم الاحتياطي من العملة الصعبة "مريح جداً"، فضلاً عن ضمانات يقدمها صندوق النقد الدولي.

ويؤيد صندوق النقد الدولي الخُطوة المغربية، إذ قال رئيس بعثة صندوق النقد، نيكولا بلونشي، في زيارة سابقة للمغرب، إن وضع الاقتصاد المغربي تسمح بالمرور إلى هذا النظام الجديد؛ خصوصاً أن هناك توازنات اقتصادية مناسبة، وتوقعات بنمو في حدود 4.8%، وتضخماً بنحو 0.9%، خلال العام الجاري.

ولفت إلى أن الاقتصاد المغربي تحسن خلال الآونة الأخيرة، مشيراً إلى أن ذلك سيكون مفيداً لاقتصاد البلاد، وذلك لتزامنها مع الانفتاح على الخارج، كما سياعد على الحد من الصدمات الخارجية؛ كارتفاع أسعار البترول.

لكن التقديرات والتقارير الاقتصادية الصادرة عن الحكومة والبنك المغربي، تثبت عكس ذلك؛ إذ انخفضت نسبة صافي الاحتياطات الدولية بـ15.4% في 21 يوليو 2017، بحسب التقرير السنوي الذي جرى عرضه أمام العاهل المغربي، الملك محمد السادس.

وربط محللون هذا التراجع بالحاجة القوية للاقتصاد المغربي إلى الاستيراد من الخارج، إضافة إلى عمل المضاربين والمتاجرين في السوق السوداء على تكديس مخزون من العملة الصعبة توقعاً لارتفاع قيمتها.

وفي هذا الصدد، يعلّق الأستاذ في المعهد الوطني للاقتصاد بالرباط، المهدي لحلو، بالقول إن العملة المغربية في الخارج قليلة، موضحاً أن المغرب يضطر إلى استعمال العملة الأجنبية (اليورو والدولار) للاستيراد، ما يؤثر على مخزونه من هذه العملات.

ويشير لحلو لـ"الخليج أونلاين"، إلى ارتفاع وتيرة الاستيراد من طرف التجار، منذ إعلان الحكومة نيتها الدخول في نظام الصرف الجديد؛ وذلك تحسباً لأي تراجع في قيمة الدرهم، وطمعاً في هامش أكبر للربح.

ويتابع: "المضاربون في السوق السوداء للعملة ساهموا في استنزاف مخزون البلاد منها، من خلال إقدامهم على شرائها بكثرة، وادخارها للاستفادة من أي هامش قد يتيحه نظام الصرف الحر".

وفكرة تحرير صرف العملة الوطنية ليست جديدة، ففي الفترة ما بين 2010 و2015، أجرى بنك المغرب دراسات مقارنة مع مجموعة من التجارب الأخرى بنفس الشأن، كما أعد خطة لإصلاح نظام سعر الصرف مستفيداً من مساعدة تقنية من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومؤسسات أخرى.