• العبارة بالضبط

"قصة الخادمة".. "داعش" في ثيابه الغربية

يقال إن كل ما يستطيع عقل الإنسان تخيله هو في الحقيقة أمر وارد الحدوث في الواقع، ولعل أكثر ما يصدق عليه هذا القول هو المسلسل الأمريكي الذي أنتجته شركة "هولو" وعرض مؤخراً في موسمه الأول تحت عنوان "قصة الخادمة".

المسلسل الذي حقق انتشاراً واسعاً، وحظي بمتابعة واهتمام من قبل المشاهدين والنقاد على حد سواء، يروي حكاية وقوع مجتمع بأكمله تحت حكم ثيوقراطي تتحكم فيه طبقة من القادة السياسيين الدينيين بكل مفاصل الحياة، حيث يمتلكون البشر والحجر، ويفرضون على الناس نظاماً صارماً في الملبس والمأكل والسلوك، وتقود محاولة الخروج منه إلى تعريض صاحبها لصنوف من التعذيب إن لم يكن القتل.

المسلسل مأخوذ عن رواية تنتمي لما يسمى بأدب الديستوبيا أو المدينة الفاسدة، تحمل العنوان نفسه وصدرت في العام 1985 للكاتبة الكندية مارغريت آتوود. تدور أحداث الرواية والمسلسل في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يسيطر على البلاد تنظيم يستند في إدارة شؤونها إلى مجموعة أفكار ونصوص من الكتب المقدسة بتفسيرات ملتوية، أحياناً، ومجتزأة من سياقاتها في أحيان أخرى، بهدف إنقاذها من كوارث بيئية وصحية تنذر بزوال البشر.

وفي تجاهل متعمد وواضح لحركة تطور المجتمعات، ولحقوق الأفراد وإنسانيتهم، فإن كل ما يمت للحداثة والتطور في هذا المجتمع، المسمى "غيلياد"، هو في الحقيقة لا يتجاوز أدوات السيطرة عليه.

فالسيارات الحديثة متوفرة لنقل القادة و"السادة"، والأسلحة الفتاكة متوافرة أيضاً للسيطرة على جمهور العامة، ومجابهة أي عدوان خارجي. عدا ذلك فالأشخاص العاديون مسلوبو الإرادة، ممنوعون من القراءة، ممنوعون من الكلام والتعبير عن آرائهم بحرية، والمخبرون موجودون عند كل زاوية، والنساء مستعبدات، ومستباحات الكرامة.. وظيفتهن الأساسية والأهم هي الحمل والإنجاب للقادة، بعد أن خُطفن من أزواجهن وعائلاتهن وحرمن رؤية أطفالهن.

مجتمع كئيب، معتم وقاس، يعاقب فيه الخارجون عن نظامه، أو من يحاولون الهروب منه، بالرجم، وقطع الأطراف، والتعليق على المشانق.. مجتمع منافق يسعى فيه قادته، سراً، لتحصيل كل المتع التي حرموها على بقية الناس.

رواية آتوود "قصة الخادمة" ارتفعت مبيعاتها في أعقاب الانتخابات الأمريكية وفوز دونالد ترامب، بسبب مواقفه وتعليقاته المسيئة للنساء بشكل عام، وردة الفعل التي أثارتها هذه المواقف عند الحركة النسوية الأمريكية.

وفي أحد لقاءاتها بالجمهور قالت مارغريت آتوود، البالغة من العمر78 عاماً: "البعض اعتبر روايتي ضرباً من الخيال في وقت صدورها عام 1985، لكنني كنت متأكدة أنني لا أتحدث عن شيء لم يفعله البشر بالفعل في مكان ما وفي وقت ما.. ترون مؤشرات على ما تحتويه الآن، إن البعض لجأ إلى كندا منذ انتخاب ترامب، تماماً مثل بطلة الرواية التي تحاول الفرار إلى كندا".

لكنها أكدت أن دافعها الأساسي لكتابة الرواية كان صعود التيار اليميني الديني في الولايات المتحدة أوائل الثمانينيات، وتمريره وتبريره لسياسات رجعية شرسة باسم الدين والأخلاق.

أما نحن في هذا الجزء من العالم، فيمكننا القول إن جزءاً كبيراً من شعوب هذه المنطقة قد اختبروا عن قرب، وبشكل مؤلم، تفاصيل مطابقة للعيش في نظام "غيلياد"، تحت حكم "داعش".

يذكر أن رواية "قصة الخادمة" حازت جائزة آرثر سي كلارك في الأدب سنة 1987، كما حصلت آتوود على جائزة بوكر سنة 2000 بفضل رواية أخرى هي "القاتل الأعمى".

أما المسلسل الذي أعاد إحياء هذه الرواية، بشكل فني متميز، ونص تلفزيوني لافت، وأداء مؤثر من أبطاله، فهو في طريقه لحصد التكريمات في جوائز "إيمي" الأمريكية، أو ما يعرف بجوائز الأوسكار التلفزيونية، التي تُنظمها وسائل إعلام وشخصيات رائدة تنتمي لأكثر من خمسين بلداً و500 شركة من جميع القطاعات التلفزيونية حول العالم، حيث حصل المسلسل على 18 ترشيحاً في فئات الجوائز المختلفة، منها فئة أفضل ممثلة رئيسية لبطلة المسلسل إليزابيث موس، وفئة أفضل ممثلة مساعدة لكل من آن وود، وساميرا وايلي.

إليزابيث موس، النجمة السابقة لمسلسل "ماد مين"، أشارت في أحد لقاءاتها إلى أنها لا تعتبر محور "قصة الخادمة" قضية نسوية، وأنها نظرت إلى مجمل أحداثه باعتبارها تناقش وضعاً إنسانياً عاماً، يتعرض الجميع فيه للاضطهاد، ويعانون من أجل حريتهم، وحقهم في الاختيار.

وأشارت موس إلى أنها سعيدة لكون بطلة المسلسل لم تستسلم، وأن المشهد الأخير في الموسم الأول من المسلسل يفتح الباب على احتمالات أفضل.

"التغيير قادم" كما قالت في أحد مشاهد المسلسل لخادمة أخرى يائسة كانت تحاول الانتحار.