ملأ الخليل بـ"فن المقاومة".. جداريات "كتلو" تقاتل المحتل

الفن المقاوم، أو المقاومة بالفن، وغيرها من المصطلحات الأخرى، أثبت الفلسطينيون أنها مقاومة حقيقية لا تقلّ شأناً عن القتال بالبندقية؛ فالرسم على الجدران والنحت على الحجر فنون لطالما ألهبت الحماس في صدور المقاومين، وأشعلت الغيظ في صدور المحتلين.

الفنانون الفلسطينيون تأكدوا أن رسوماتهم ومنحوتاتهم تملك من التأثير ما تملكه الأسلحة، فكان أن حوّلوا الفضاءات والساحات والجدران العامة إلى أسلحة تقاتل المحتل، وتريح صدور أصحاب الأرض المغتصبة.

يوسف كتلو، واحد من هؤلاء الفنانين المبدعين، إذ ترجم مشاعر شعبه وهمومهم ومظلوميتهم إلى جداريات تُنَشّط الروح الوطنية، وتزيد من تمسّكهم بأرضهم وقضيّتهم حين يشاهدها الفلسطينيون، وهي بذلك تكون إحدى أهم الوسائل التي تبقي جذوة النضال ملتهبة داخل صدور الثائرين.

اقرأ أيضاً :

هل يُشعل بناء الجدار الإسرائيلي حول غزة الحرب الرابعة؟

كتلو حوّل مدينة الخليل الفلسطينية إلى مدينة زاخرة بالجداريات التي تحكي قصص عشق الأرض والوطن، وقصة المحتل الذي حاول منذ عقود طويلة طمس الحقيقة التي يقاوم الفلسطينيون على إبقائها ساطعة كالشمس.

س6

فهنا جدارية عن المعتقلات وما يجري بداخلها من انتهاك لحرية أبناء الوطن، وتلك لشهداء قضوا نحبهم وهم يدافعون عن قدسية أرضهم، وهذه جدارية تخلّد المرأة الفلسطينية التي وقفت شامخة وهي تقدم أولادها قرابين للأرض، تطهر دماؤهم ما دنّسه المحتل منها.

وهنا وهناك جداريات لرموز المقاومة، ليس من حملة السلاح فحسب، بل في الفن والثقافة والأدب، إذ كان للفلسطينيين سبق في أدب المقاومة، وأنجبت فلسطين أدباء كثيرين، أثروا المكتبة العربية والعالمية بقصص وروايات ودواوين شعرية ومقالات أسهمت كثيراً في إيصال صوت وطنهم إلى مختلف أصقاع الأرض.

س5

كتلو يسير على ذات الدرب الذي سار عليه أسلافه من الفنانين والأدباء في ترجمة المقاومة إلى أدب وفن، متحمّلاً ما تكبّده من سار على ذات الطريق من مخاطر الدرب، التي قد تنتهي إلى القتل؛ فالمحتل الإسرائيلي دائماً ما يُسكت الأقلام المناضلة والأنامل الفنية بالقتل، وفي أحسن الأحوال يكون المعتقل هو المصير.

وكتلو ذاق مرارة الاعتقال، الذي زاده إصراراً على المقاومة، فزنازين المعتقلات أثبتت أنها زاد الفلسطينيين الذي يزيدهم قوة وصلابة، مهما طال وقت مكوثهم في تلك الزنازين المظلمة المخيفة.

س4

- من هو يوسف كتلو؟

فنان تشكيلي فلسطيني تعرّضت عائلته للتهجير القسري إبان النكبة عام 1948. تحفل أعماله الفنية بعبق كل ما هو فلسطيني، وأمضى في سجون الاحتلال الإسرائيلي أكثر من ست سنوات.

- ولادته

ولد يوسف حسن محمد عمايرة (المعروف بيوسف كتلو) يوم 19 أكتوبر 1965، في مدينة دورا بمحافظة الخليل جنوبي الضفة الغربية.

س3

درس المرحلة الأساسية في مدرسة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في بلدة دورا قضاء الخليل، ثم انتقل إلى مدينة الخليل لإكمال الدراسة الثانوية في مدرسة خاصة تتبع رابطة الجامعيين.

س2

وبسبب منعه من السفر، التحق بجامعة لاهاي بهولندا للدراسة عن بعد، وحصل عام 2008 على درجة البكالوريوس في الفنون الجميلة.

- فنان منذ طفولته

بدأ كتلو ممارسة هوايته الفنية في الرسم منذ سن الطفولة، وعزّزها بعد التحاقه بالمدرسة في عامه السادس.

بعد أكثر من عقدين من العمل المنزلي أنشأ عام 2008 معرضاً دائماً لأهم لوحاته، استقبل فيه عشرات الشخصيات والهواة من أنحاء العالم، خاصة أوروبا وأمريكا.

س1

ضجّت لوحاته بالحنين إلى الوطن المحتلّ وسواحله الجذابة في يافا وحيفا، فهو يكثر من استخدام رموز الفلاحة؛ كالقدوم والفأس والمنجل، ورموز العودة كالمفتاح، فضلاً عن البيوت العتيقة والشوارع الضيقة وألوان الحزن والأمل المتصارعة.

ولم يترك كتلو لوحاته حبيسة المنزل أو المعرض، فقد عَبَرَ كثيرٌ منها قاراتِ العالم، في حين أقام داخل الوطن وخارجه مجموعة معارض للوحاته الفنية؛ مثل: "الأرض.. باقون هنا"، و"نحن الجدار الأبقى"، و"صباح الخير يا يافا"، الذي أُقيم في عدة مدن فلسطينية ودولية، و"القدس كالسماء أو أقرب"، وغيرها.

س7

وقد برع كتلو في رسم الجداريات، وهي عبارة عن رسومات ضخمة محفورة بالصخور ومثبّتة على الجدران، أبزرها جدارية الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وهي بعرض ثلاثة أمتار وطول 10 أمتار، أُقيمت في حديقة درويش في بلدة دورا.

ومن الجداريات أيضاً جدارية "عيون سارة" عام 2011، وهي عمل نحتي بعرض أربعة أمتار وطول 10 أمتار، وتقع في أهم شارع في مدينة الخليل، إضافة إلى جدارية الشهيد ماجد أبو شرار عام 2013، وجدارية الشهيد غسان كنفاني، وجدارية الدكتور جورج حبش، وجميعهم مناضلون عرفتهم الثورة الفلسطينية.

س8

كتلو حوّل مدينته الخليل إلى مدينة تعجّ بالجداريات الضخمة، وبمساعدة ودعم المحافظة والمؤسسات والأهالي في الخليل.

وتغنّت تلك الجداريات بالعديد من الرموز الفلسطينية، وأصبحت هذه الجداريات التي تقف شامخة في أكثر الأماكن حيوية بالمدينة شاهدة على تاريخ النضال الفلسطيني، ومعلنة التحدّي للاحتلال، الذي يراها عبر مواقع المراقبة وكذلك طائرات الاستطلاع وغيرها من وسائل الحرب التي تستخدم ضد الشعب الأعزل، سواء من الجنود أو جحافل المغتصبين.