غسل الأموال.. جريمة مستفحلة تنخر جسد الاقتصاد التونسي

تهريب الأموال وغسلها، والتهرب الضريبي والجمركي، والقرصنة المالية الإلكترونية؛ جرائم اقتصادية خطيرة لم تتوقف عن تهديد القطاعين المالي والاقتصادي في تونس وتكبيدهما خسائر فادحة، منذ الثورة التونسية سنة 2011.

وعلى الرغم من الجهود الحكومية التونسية لمحاربة تلك الجرائم، فإن تقريراً حكومياً، صدر نهاية الأسبوع الأول من الشهر الجاري، أظهر أن عمليات غسل الأموال وتهريبها وجرائم مالية أخرى، ما زالت تتصدر مستويات مرتفعة، وتشكّل تهديداً على القطاعين المالي والاقتصادي في البلاد.

هذا التقرير، الذي قدَّر أيضاً خسائر الاقتصاد التونسي إثر جرائم الأموال بأكثر من مليار دولار سنوياً، وصفه الخبير الاقتصادي صادق جبنون بأنه "خطوة إيجابية قدَّمت دراسة وافية عن الجرائم المالية التي انفلتت في البلاد منذ 2011".

وأرجع جبنون، في حديث لـ"الخليج أونلاين"، سبب "تصاعد عمليات غسل الأموال وتهريبها بعد 2011، إلى الترهل في أجهزة الرقابة، وتغوُّل دور الاقتصاد الموازي غير الشرعي وغير المنظم".

وقال إن ذلك أدى إلى تراكم كميات هائلة من الذهب ومبالغ طائلة من الأموال بالعملات الأجنبية الصعبة؛ لذلك كان لا بد من تهريبها أو تبييضها".

وأشار إلى أن الأحداث الأمنية في ليبيا جعلت كميات كبيرة من الأموال والذهب تمر بتونس قبل تهريبها إلى دول أخرى.

ورأى المختص المالي التونسي أنه رغم بقاء جرائم غسل الأموال وتهريبها عند مستويات مرتفعة، فإن عملية تشخيصها وكشفها باتت أكثر سهولة منذ نهاية 2014، وذلك بعودة التعافي إلى الأجهزة الأمنية التونسية، والتقرير الأخير أظهر قدرة الجهات المالية التونسية على تتبع هذه العمليات الخطيرة.

اقرأ أيضاً:

تونس تخلع رداء الثورة بانتخابات جدلية ومشروع عفو عن الفاسدين

- مكافحة

وعن سبل مكافحة هذه الجرائم بشكل نهائي، ذكر جبنون أن ذلك ممكن من خلال تفعيل آليات الرقابة المالية، مشيراً إلى اتفاقيات دولية وقّعتها تونس في إطار مكافحة غسل الأمول وتهريبها.

وإضافةً إلى تفعيل آليات الرقابة، فإن إطلاق الحريات الاقتصادية والادخار من العملات الأجنبية عامل مهم للقضاء على جريمة غسل الأموال ومثيلاتها.

وهنا يوضح الخبير الاقتصادي التونسي بالقول إن اللجوء إلى الاقتصاد الموازي وغسل الأموال وتهريبها والتهرب الضريبي والجمركي غير ضروري وغير مُجدٍ.

ويمثل الاقتصاد الموازي غير الشرعي نحو 50% من حجم الاقتصاد التونسي، وهو أحد أخطر وأهم الأسباب التي تؤدي إلى تفشي جرائم غسل الأموال في البلاد.

واحتلت تونس في 2016، المركز الـ129 بمؤشر "بازل" للحوكمة المتعلق بمكافحة غسل الأموال وتهريبها من بين 149 دولة شملها التصنيف.

من وجهة نظر غير بعيدة عن سابقتها، فإن المحلل المالي التونسي معاذ عبد الهادي رأى أن ارتفاع الجرائم المالية في تونس يرجع إلى عدم مواكبة الجهاز المصرفي في البلاد التطورات الحاصلة في هذا المجال على الصعيد العالمي.

وزاد الأسباب بالقول إن غياب البيانات الدقيقة المتعلقة بعمليات غسل الأموال وتأخُّر صدور أحكام قضائية ضد مرتكبي تلك الجرائم، يساعدان أيضاً على ارتفاع التجاوزات المالية.

اقرأ أيضاً:

"نيويورك تايمز": تونس على أعتاب ثورة ثانية بسبب بطالة الشباب

- انهيار محتمل

ويعتقد عبد الهادي، في حديث لـ"الخليج أونلاين"، أن من أسباب تفشي هذه الجرائم أيضاً؛ غياب جهة رقابية محددة معنيَّة بمراقبة منظومة مكافحة غسل الأموال.

وأضاف: "نقص الفهم لدى العاملين بمختلف القطاعات الاقتصادية التونسية لمخاطر تبييض الأموال، ومحدودية مستوى التنسيق بين الأطراف المعنيَّة في البلاد، كل ذلك يساعد على ارتفاع الجرائم المالية".

وعن التأثير المباشر لهذه الجرائم، فإنها -وفق عبد الهادي- تشكل مخاطر جسيمة على الاقتصاد التونسي، قد تؤدي في حال عدم مكافحتها إلى انهياره.

وقال: "فعلياً، يواجه اقتصاد تونس مخاطر عظيمة؛ بسبب غسل الأموال والتهرب الجمركي والضريبي".

واستطرد عبد الهادي بالقول: إن "عدم مكافحة هذه الظواهر سيتسبب حتماً في إضعاف الاقتصاد وتكبيده خسائر بمليارات الدولارات وصولاً إلى عجزه وانهياره".

ومنذ ثورة عام 2011، يعاني الاقتصاد التونسي حالة تراجع حادة، بدت واضحة من خلال تفاقم اختلال التوازنات المالية، التي تمثلت في ضعف العملة المحلية وتراجع نسبة النمو، وانخفاض الاستثمارات الأجنبية.

وغسل أو تبييض الأموال جريمة اقتصادية تهدف إلى إضفاء شرعية قانونية على أموال تم الحصول عليها من مصدر غير شرعي، لغرض حيازتها أو التصرف فيها أو إدارتها أو حفظها أو استبدالها أو إيداعها أو استثمارها أو تحويلها أو نقلها أو التلاعب في قيمتها إذا كانت متحصلة من جرائم.