ناجي العلي في أفريقيا.. "حنظلة" على سيقان السودانيات وسواعدهن

عاش الشهيد الفلسطيني الفنان ناجي العلي، طفولته وصباه في مخيم "عين الحلوة" بجنوبي لبنان، وقد انخرط في النضال والمقاومة باكراً، فاعتقلته سلطات الاحتلال الإسرائيلية وكذلك الجيش اللبناني وهو ما يزال صبياً، فقضى أغلب وقته داخل الزنازين التي تعلّم الرسم على جدرانها.

وقد وُلد العلي في قرية "الشجرة"، الواقعة بين الناصرة وطبريّا (شمالي القدس المحتلة)، قبل أن يهاجر رفقة أسرته بُعيد الاحتلال الإسرائيلي لقريته، إلى مخيم عين الحلوة وهو في العاشرة من عمره.

عندما تطالع سيرة الشهيد الفلسطيني الفنان ناجي العلي، المنشورة على مواقع إلكترونية عديدة، تجد أن هذا الفنان الذي عاش ومات من أجل قضية بلاده، ليس له تاريخ ميلاد محدد، غير أن العلي نفسه يُرجِح أنه من مواليد 29 أغسطس 1937.

- رمز وعمق أفريقي

العلي، الذي كان واحداً من أبرز مستخدمي الرمزية في الفن، ابتكر شخصية كاريكاتورية بسيطة لصبي في العاشرة من عمره، ربما كان يقصد بها نفسه، وقد أطلق عليها اسم "حنظلة". ولاحقاً، صار هذا الصبي بمثابة توقيع مُعتاد لـ"العلي"، على رسوماته كافة.

على ساعدها (1)

اقرأ أيضاً:

فلسطين في الإعلام.. هل أخطأنا في رواية القضية؟

ودائماً يظهر وهو يدير وجهه عن الجميع ويعقد يديه خلف ظهره. لم ير أحد وجه حنظلة قط، ورغم ذلك فقد أحبه الجميع؛ بل وأصبح رمزاً للمقاومة الفلسطينية، خاصة بعد اغتيال صاحبه في الـ29 من أغسطس 1987.

ما لم يُقرأ في سيرة ناجي العلي، هو تأثيره المُمتد في العمق الأفريقي أو (الهامش العربي)، وهو تأثير بلغ ذروته في اختيار بعض النساء السودانيات المثقفات، وهن موظفات في الغالب، شخصية حنظلة ليتجمّلن بها، ويرسمنها بالحناء على سيقانهن وسواعدهن وأكفهن باطناً وظاهراً. فأي تأثير هذا؟ وأي أثر تركه ناجي العلي حتى في تلك الأماكن القصيّة من الجغرافيا والجسد؟ تساؤلات تطرح.

علا السنوسي، واحدة من اللاتي رسمن حنظلة على أجسادهن، تقول إنها أحبت حنظلة مذ طفولتها الباكرة ولا تزال مغمورة بهذا الحب؛ لكونها تعبر عن الهمّ الفلسطيني من جهة، وترمز للنضال والكفاح اليومي للشعب الفلسطيني الأعزل وتدين مواقف الحكومات العربية من هذه القضية المركزية من جهة أخرى.

على ساقها

- احتفاء

وتضيف السنوسي، وهي موظفة في منظمة دولية وناشطة اجتماعية ونسوية: "أنا وبعض الزميلات قررنا في 29 أغسطس 2016، أن نحتفي بذكرى اغتيال ناجي العلي، بأن ننقش (حنظلة) بالحناء على سيقاننا وسواعدنا، فنفذنا الفكرة على الفور".

واغتيل العلي، صاحب الأربعين ألف رسم، على يد مجهول في أحد شوارع العاصمة البريطانية، لندن، 1987.

وتتابع السنوسي حديثها لـ"الخليج أونلاين": "سرعان ما انتشر (النقش) بين صديقاتنا وزميلات العمل؛ وذلك لما يتمتع به (حنظلة) من كاريزما لا نظير لها، ولما يتسم به من شخصية فذّة ومؤثرة، الأمر الذي يجعلنا نستسلم لطغيانها".

أما معلّمة اللغة الإنجليزية نهى عبد الرحيم ضرار، فتقول لـ"الخليج أونلاين"، إنها دأبت ومنذ سنوات، وقبل أن ينتشر نقش حنظلة بين المناضلات السودانيات، على نقشه بالحناء على ساقها اليسرى وظاهر يدها اليمنى؛ إحياءً لذكرى استشهاد ناجي العلي.

وفي السياق، اعتبرت الصحفية خالدة مدني، أن نقش حنظلة على ساقيها بالحناء، "يشعرها بأنها امرأة قوية ومصادمة ومُثقفة".

وأضافت مدني لـ"الخليج أونلاين": "لست وحدي من يفعل ذلك، فهناك دوماً أخريات، إلا أنني أستطيع أن أقول إنني كنت من أوائل النساء اللاتي دشنّ هذه الفكرة بشكل عملي".

كلما وضعت حناء حنظلة، تضيف الصحفية السودانية، أردد في سري قصيدة الشاعر أحمد مطر: "لقـد نجوتَ بقدرةٍ مـن عارنا وعلَوتَ للعلياءِ، اصعدْ، فموطنـك السّمـاءُ، وخلِّنا فـي الأرضِ، إن الأرضَ للجبنـاءِ".

وُلدت أيقونة "حنظلة" في 5 يونيو 1967، وهو يوم الهزيمة العربية العسكرية أمام الاحتلال الإسرائيلي، المعروفة بـ"النكسة". ويقول ناجي العلي إن حنظلة "بمثابة الأيقونة التي تمثل الانهزام والضعف في الأنظمة العربية".

ظهر حنظلة في جريدة "السياسة" الكويتية عام 1969، ثم عقد يديه خلف ظهره، وأدار ظهره للعالم في السنوات التي تلت 1973، ليصبح التعبير الأكثر شهرة على الفلسطيني الذي يجابه الآلام بما فيه من قوة وضعف.