الردود المفحمة!

تقول العرب في الرجل الذي يرد على خصمه رداً يزلزل أوصاله ويُفقِدُهُ القدرة على بلوغ مأربه: "لقد ألقمه الحجر، ورماه بحجره، ورماه بثالثة الأثافي"، وغيرها من المعاني التي تحمل من الدلالات ما يدل على فهم الرجل لما قصدَه المتكلِّم مع حضور البديهة للرد عليه وإسكاته أو إحراجه وفق ما يقتضيه الموقف.

والتاريخ العربي زاخِرٌ بهذه القصص التي يتعيّن علينا النظر إليها بعين الاعتبار، وألَّا يكون تعامُلنا معها تعامُل الفكاهة أو الاستمتاع اللحظي فحسب، وقد جمعت من هذه القصص الشيء اليسير لعلَّه يُنعِشُ قدرتنا على التعامل مع الأمور من حولنا.

الردود المفحمة هي التي نعرّفها اليوم بـ "قصف الجبهة" في حواراتنا اليومية، وهي مهارة تعتمد على الثقافة الواسعة أو الخبرة الطويلة بأمور الحياة وتقلّبات الحدثان، ما يجعل قراءة هذا المقال متعة مقرونة بتعلُّم بعض فنون الردود المفحمة.

لقد كانت أمة العرب تمتلك من حضور الذهن وجودة الخاطر وسرعة البديهة ما يستعصي على الحصر، وقد ذكر الأصمعي أن: "دهاة العرب في الإسلام أربعة: معاوية بن أبي سفيان للرّوية، وعمرو بن العاص للبديهة، والمغيرة بن شعبة للمعضلة، وزياد بن أبيه لكل صغيرة وكبيرة"، وحين أرسل الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمرو بن العاص إلى ملك الروم قال: "رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب"، والأرطبون هو الرجل الثاقب الذهن الحاد الذكاء، كما أن الفاروق قد أمر أبا موسى الأشعري بعزل زياد؛ فقدِم زياد على الفاروق وقال: أعن عجزٍ وخيانةٍ يا أمير المؤمنين؟! فقال الفاروق: لا عن واحدةٍ منهما، ولكني خشيت أن أحمل على الناس فضلَ عقلِك.

هذا ينقلنا إلى مشاهد متتابعة من الحياة اليومية نتعرّض فيها لبعض المواقف التي نحتاج فيها لسرعة البديهة وقوة الإجابة في ذات الوقت، ولأن العلم بالتعلُّم فإنه يمكن لكلِّ شخصٍ أن يمتلك هذه المهارة بشروطٍ هي:

أولاً أن يقرأ كثيراً عن هذه الملكة، وأن يسجل هذه الملاحظات في ورقة تلازمه، وكلما مرَّ عليه موقفٌ مشابه أخرج ورقته وقرأ الموقف. بهذا سيتمكن ليس فقط من حفظ الموقف، بل سيجد الكلمات تجري على لسانه بصورةٍ مدهشة، وقد لا يتكلم الكلمات نفسها ولكنه سيتكلم بالطريقة الفذة التي تقرُّ بها عينه.

ثانياً: يحتاج المرء للتعامل مع أشخاصٍ في محيطه يمتلكون هذه الموهبة أو يتعاملون بهذه المهارة؛ فهذا يجعله أمام نموذج يمكنه الاستفادة منه فيما يدور حوله، فأول الإبداع محاكاةُ المبدعين.

ثالثاً: أن يجتهد الإنسان في قدح ذهنه بجمع أكبر عدد ممكن من هذه الردود ووضعها في حيز التنفيذ، وقد تواجهه صعوبة في المرات الأولى، لذلك عليه أن يواصل وألا يستسلم إذا ما أخطأ، بل عليه أن يعود إلى أوراقه ويراجعها ويعاود استعمال هذه المهارة مهما كان الأمر شاقاً في البداية، ببساطة لأن الأمر يستحق هذه المعاناة.

رابعاً: التكرار سلاح من لا سلاح له في تنمية مهارة الردود القوية والمناسبة للمواقف المختلفة، فكرر واستمر دون كلل.

خامساً: وقد أُرجئت هذه النقطة لأهميتها القصوى؛ وهي ضرورة فهم الموقف جيداً، فمن المعلوم أنه من أساء سمعاً أساء إجابةً، فافهم ما المراد قبل أن تنطق بالجواب.

ولأنه بالمثال يتضح المقال فإنني أقدّم لك صديقي القارئ مجموعة من المواقف التي قد تساعدك في تنمية مهارة الردود المناسبة على المواقف المختلفة، فاحفظها واستعملها حين تستدعي الحاجة ذلك لتقف على جانب مهم من جوانب قوة الشخصية؛ ألا وهي الرد المناسب في الوقت المناسب وبنفس القوة.

لعلّك تقابل الكثيرين من المتطفّلين الذين يحشرون ليس أنوفهم فقط، بل أجسامهم بأكملها إذا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وقد تتحرَّج من الرد عليهم، فانظر كيف كان ردُّ الأحنف بن قيس على أحد هؤلاء وقد سأله: يا أبا بحر! بِمَ سُدتَ قومَك وما أنتَ بأصبحِهِم وجهاً ولا بأشرفِهِم مكانةً؟! فقال الأحنف: بخلافِ ما فيك يا ابن أخي، فقال الرجل: وما ذاك؟! قال الأحنف: بتركي من أمرك ما لم يعنني كما عناك من أمري ما لم تتركه. هنا كان لغير الأحنف أن ينفعل ويصرخ في وجه الرجل، أو أن يبتلع ريقه طويلاً ولا يجد ما يقول، لكن الأحنف كان يمتلك مهارة إسكات هؤلاء، فماذا عنك يا صديقي؟!

لم يكن الأحنف وحده الذي طالته ألسنة المتطفّلين، فها هو المهلّبُ بن أبي صُفرة يسأله أحدهم: كيف بلغت ما بلغت يا أبا يزيد؟! فقال المهلّب: بالعلم. لم يجد الرجل في هذه الإجابة ما يشفي صدره، فقال: ففي الناس من هو أعلمُ منك!! فقال المهلّب: هذا علمٌ استُعْمِل، وذلك علمٌ تُرِكْ. فلم يجد الرجل إلا أن يلوذ بالصمت، ولو كان ردُّ المهلب ركيكاً لكان الرجل سيطيلُ الحديث ويطول الجدل؛ إلا أن براعة الجواب قطعت عليه حبل تطفُّلِه.

قيل لبهلول يوماً: عُدَّ لنا المجانين، فقال هذا أمرٌ يطول، ولكني أعدُّ العقلاء. هنا أراد أحدهم أن يسخر من بهلول، الذي يشاع عنه أنه كان مجنوناً، في حين يرى بعض المؤرخين أنه كان يتماجن ويدّعي الجنون ليظل في مأمنٍ من الشُّرط، فكان رد بهلول قوياً. وقد مرَّ عليه أحدُهم يوماً فخاطبه مستخِفاً به: يا بهلول! إن أمير المؤمنين قد أمر لكل مجنونٍ بدرهمين، فأجابه بهلول على الفور: أفأخذتَ درهميك؟!

الردود المفحمة كانت تجري على ألسن الصِّبية، أراك وقد ارتسمت على وجهك ملامح الدهشة، ولكن هذه حقيقة، فقد كان الصبية يمتلكون قدراً مذهلاً من الردود المفحمة، ومن هؤلاء يحيى بن أكثم، الذي ولي قضاء البصرة وهو ابن عشرين ربيعاً، أو نحو ذلك، فاستصغره أهل البصرة، حتى قال له أحدهم: كم سِنُّ القاضي؟! ففهم يحيى أن الرجل استصغره فقال: أنا أكبر من عتاب بن أسيد يومَ وجّه النبي صلى الله عليه وسلم به قاضياً على أهلِ مكةَ يومَ الفتح، وأنا أكبر من معاذ بن جبل يوم وجّه به النبي صلى الله عليه وسلم قاضياً على أهل اليمن، وأنا أكبر من كعب بن سُور يوم وجّه به الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه قاضياً على البصرة، فلم يحر الرجل جواباً، وقام يقبِّلُ رأس يحيى.

قيل لبشار بن برد: إن فلاناً يزعُمُ أنه لا يبالي بلقاءِ واحِدٍ أو ألف! فقال بشار: صدق؛ فإنه يفِرُّ من الواحِدِ كما يفرُّ من الألف. وقد مرَّ عامر الشعبي الفقيه الإمام المحدِّث على إبلٍ قد فشا فيها الجرب، فقال لصاحبها: أما تُداوي إبِلَك؟! فقال الرجل: إنَّ لنا عجوزاً نتّكِلُ على دعائها، فقال الشعبي: اجعل مع دعائِها شيئاً من القطران.

النساء لهن من الردود المفحمة ما يطيش له العقل، ومن ذلك أنّ عزة دخلت على عبد الملك بن مروان فقال لها: والله ما أجد فيكِ مما كان يقول جميل شيئاً؟! فقالت: يا أمير المؤمنين! إنه كان ينظُرُ إليّ بعينين ليستا في رأسك.

الردود المفحمة عجيبة ورائعة عند قراءتها، إلا أنّ جمال استخدامها أفضل كثيراً، فبادر صديقي القارئ بقدح ذهنك، واستخدم مهارة الردود المناسبة، لتجد سعادةً في التعامل والتواصل مع كلِّ من حولك.