• العبارة بالضبط

إدلب بين مطرقة الجولاني وسندان حملة عسكرية دولية.. أين تقف تركيا؟

مع بسط هيئة تحرير الشام سيطرتها على معظم محافظة إدلب نهاية شهر يوليو الماضي، بدأ المجتمع الدولي والدول الإقليمية تنظر إلى المدينة على أنها معقل خطير لتنظيم القاعدة في المنطقة.

وسيطرت "هيئة تحرير الشام" على مفاصل محافظة إدلب الاقتصادية والعسكرية، بعد اقتتالٍ مع حركة "أحرار الشام الإسلامية"، انتهى بسيطرة "الهيئة" على معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا وعددٍ من المناطق.

وفتح ذلك سيناريوهات تدخُّل دولي في إدلب، باعتبار "الهيئة" مصنَّفة على قوائم الإرهاب في تركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

الحكومة التركية سارعت بتقديم مقترح إلى المعارضة السورية؛ لتجنيب إدلب، التي تضم أكثر من مليوني نازح فروا من نظام الأسد، عملية عسكرية دولية وشيكة.

صحيفة "يني شفق" التركية المقربة من الحكومة كشفت، في عددها الصادر الثلاثاء 22 أغسطس، أن المقترح التركي يتمثل في ثلاث نقاط أساسية؛ وهي: تشكيل هيئة إدارة محلية مدنية للمدينة، تتكفل بإدارة شؤونها الإنسانية والحياتية، مع تحييد التنظيمات المسلحة عن إدارتها، وإخلاء المدينة من جميع المظاهر المسلحة، وحل "هيئة تحرير الشام" بشكل كامل.

وأوضحت الصحيفة أن تركيا تجري حالياً اتصالات مع المعارضة السورية، والتنظيمات الفاعلة في المدينة؛ من أجل التوصل إلى حل يلغي أسباب القيام بعملية عسكرية على إدلب.

وبحسب الصحيفة، يتصدر العمليةَ المحتملةَ الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا، ويجري الإعداد لها وتسريع خطواتها قبل نهاية 2017، وذلك تحت مبرر "الحرب على الإرهاب" المتمثل في تنظيم القاعدة وعناصر "النصرة" المنضوين حالياً تحت اسم "هيئة تحرير الشام".

وأشارت "يني شفق" إلى أن "تركيا تخشى أن تؤدي هذه العملية إلى تقوية النظام السوري، من خلال إنهاء أكبر معقل للمعارضة السورية المسلحة، بالإضافة إلى الخشية من وقوع كارثة إنسانية على حدودها".

- دعوة مفاجئة

وتتزامن هذه الأحداث الجدية مع مبادرة للحوار، أطلقها أبو محمد الجولاني، زعيم "هيئة تحرير الشام"، للحوار مع شخصيات "معارضة".

لكن أنقرة وجهت رسالة تحذير إلى المعارضة السورية، شددت فيها على أن المجتمع الدولي مصمم على إنهاء الجولاني، وأن الحوار أو التعاون مع "هيئة تحرير الشام" بمنزلة "انتحار".

وفي هذا السياق، ذكر حسن الدغيم، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، وأحد الشخصيات المعارضة التي تلقت دعوة الجولاني، أن الدعوة كانت "مفاجئة"، خاصة أنه كان يرفض الحوار مع المعارضة منذ ما يزيد على 4 سنوات.

وكشف الدغيم، في حديث لـ"الخليج أونلاين"، أن الهدف من الدعوى هو تشكيل "إدارة مدنية"، إلا أنه أوضح أن المناخ الذي تفرضه "هيئة تحرير الشام" على المدينة لا يسمح بالحوار، واصفاً إياه بـ"العدواني".

وأضاف أن الأطراف المدعوَّة اشترطت لقبول الحوار مع الجولاني، وقف الملاحقات الأمنية، وإخلاء سبيل الموقوفين السياسيين دون مساومة، وإنهاء مظاهر العداء المسلح في المدينة.

اقرأ أيضاً:

دراسة: منتسبو "داعش" غُرّروا بالمال ولا يفقهون أساسيات الإسلام

وعبّر الدغيم عن خشيته من أي عملية عسكرية على إدلب؛ بسبب الكثافة المدنية فيها، وأيضاً أن تؤدي هذه العملية إلى دفع سكان المدينة للاصطفاف مع "تحرير الشام"، لافتاً إلى أن الخيار الأفضل لإنقاذ إدلب هو أن تمد تركيا سيطرتها العسكرية عن طريق دعم الجيش السوري الحر، والشرطة الحرة، وتفكيك "هيئة تحرير الشام"؛ لخلق مناخ آمن يؤدي إلى إنهاء أي ذريعة لروسيا أو غيرها بضرب المدينة.

- ممارسات الجولاني

مصادر مطلعة كشفت لـ "رويترز"، الثلاثاء 22 أغسطس، أن واشنطن ترصد وجود نحو 10 آلاف قيادي وعنصر من تنظيم القاعدة في محافظة إدلب، كاشفة أن موسكو طلبت من الأمريكيين، مطلع السنة، وقف غاراتهم على قياديي هذا التنظيم في شمال غربي سوريا.

وأوضحت المصادر أن واشنطن لم تقبل بتغيير "جبهة النصرة" اسمها إلى "جبهة فتح الشام" وانضمامها لاحقاً إلى "هيئة تحرير الشام"، عادّةً ذلك مناورة من فرع "القاعدة" السوري المدرج إرهابياً في قرارات مجلس الأمن.

وبالتزامن مع ذلك، بدأت دول مانحة مراجعة قضية استمرارها في تقديم مساعدات إلى مؤسسات وجمعيات مدنية وتنموية عاملة بإدلب، في حين قررت وكالة التنمية الألمانية تجميد هذه المساعدات، وهو ما سينعكس سلباً على نحو مليوني مدني يقطنون إدلب؛ بينهم نازحون من مناطق أخرى.

وفي هذا السياق، اتهم مجلس مدينة إدلب "الإدارةَ المدنية للخدمات" التابعة لـ"الهيئة"، بمحاولة إخضاعه لتبعيتها، من خلال قرارات وصفها بـ"المتسارعة".

وعبّر البيان، الصادر الثلاثاء 22 أغسطس، عن خشية المجلس على مصير سكان البلدة، مبيناً أن "الإدارة اتخذت قرارات وخطوات متسارعة ومتتالية، وخاصة فيما يخص الدوائر التي تتبع للمجلس، محاوِلةً إخضاعها لتبعيتها، فكانت قرارات أحادية، من شأنها فرض سطوتها على محافظة إدلب".

وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي كفاح الناصر، أن ممارسات الجولاني تدل على أنه يريد أن يأخذ إدلب معه إلى النهاية دون أن يأبه بسكانها الأبرياء.

وأضاف في حديث لـ"الخليج أونلاين": "الجولاني ليس بصدد العمل على إنقاذ إدلب؛ بل إغراقها معه، وهناك ضغط عام على الجولاني لتجنيب إدلب المصير العسكري المتوقع، والجميع يترقب ما الذي سوف يحصل".

وأشار الناصر إلى أن "الجولاني سيمانع أي محاولة لإخراج إدلب من تحت هيمنته، وهناك حراك مدني واسع لإخراجه من المدينة؛ حتى لا يورط أهالي المنطقة في مصير مرعب".

وأوضح المحلل السياسي أن هدف الجولاني من "الحوار الذي دعا له هو إضفاء شرعية على وجوده في إدلب"، ودعا المدعوين إلى رفضها "والتركيز على دعم الحملات المدنية لطرده وإنقاذ إدلب".

وحول المقترح التركي لتجنيب إدلب أي سيناريو عسكري، لفت الناصر إلى "أن تركيا تخشى أن تصل المليشيات الانفصالية الكردية إلى إدلب بدعم أمريكي"، مشيراً إلى أن "هذه الخطوة إن وقعت فسوف تصعّد من التعصب القومي، وهذا أمر لا تحمد عقباه".

ولفت إلى أن "المخاوف التركية مفهومة جداً، وهناك مساعٍ جدية لحل الأمر قبل اتخاذ واشنطن أي خطوات عسكرية".