• العبارة بالضبط

من خيمة نازح بالعيد

أن تكون نازحاً يعني أن يُلامس جسدك تُراباً لم يمتزج بِه يوماً. أن تتنفس رئتاك هواءً لم تعتد عليه. أن تحمل بيتك على ظهرك في الشمس كما في المطر. أن تعيش على مُفترقِ طُرُق بين حنين الماضي وغموض المستقبل.

أن تقف حائراً بأن تتقدم خطوة أم تتراجع خطوة. أن تعيش في بيتٍ مُشرع الأبواب، خيمة لا دفء فيها ولا سكينة كالتي ألفتها في بيتك. محطة تقف فيها منتظراً من يقلك إلى عالم جديد أو يعيدك أدراجك لوطنك المنكوب.

محطة يلفح بها الهواء من كل اتجاه. إن سطعت عليك الشمس أحرقتك وإن أمطرك الغيم أغرقك.

أن تكون نازحاً يعني أن تكبر سريعاً؛ لا بعدد السنين بل بعدد الصرخات التي صرختها داخل خيمتك.

وبقدر تلك المعاناة التي خضتها وأنت تجرف الماء المثلج بعيداً عن خيمتك شتاءً ثم تعود لتبحث عن شَربةٍ حارة تروي عطشك منه صيفاً.

يروي محمد تجربة نزوحه مع أسرته فيقول: لم يخطر ببالي أبداً أن أخوض هذه الرحلة الطويلة الشاقة والمنهكة. كنت أتوقع أنَّ أكبرَ مشكلة يمكن أن أواجهها في حياتي هي مسؤوليات الزواج والمصاريف المترتبة عليه. كنت آمناً في سكني مع أهلي غير مُبالٍ بما يحدث حولي. أتعاطف مع النازحين القادمين من بعض المناطق المنكوبة تعاطفاً كبيراً وأحاول تقديم المساعدة لهم بأي وسيلة.

لم يخطر ببالي حتى ولو فكرة خاطفة، أن أحمل لقب (نازح) يوماً ما، لم أكن أحس بمعاناتهم الحقيقة. كان تعاطفي معهم إنسانياً نعم، لكنه خالٍ من فكرة الإحساس بما يعنيه أن تفقد منزلاً وأهلاً وأمناً وجيراناً وذكريات طفولة تعيش معك. لم أُفكر باشتياقهم لحياتهم اليومية الرتيبة والتي ربما تضجروا منها ذات يوم. لم أكن أتخيل نفسي بغير البقعة التي أعيش فيها، كل مخططاتي المستقبلية كانت خالية من فكرة الفقد. فقد الحياة والكرامة والآمان والمنزل، بل وحتى الرتابة التي أصبحت أشتاق إليها أكثر من أيِّ شيء آخر.

اقرأ أيضاً :

أطفال الموصل.. جيل الحرب الضائع!

واليوم أصحو لأجد نفسي أنا وأهلي مزدحمين داخل خيمة صغيرة تشابه في تفاصيلها الكثير من خيم أخواتها في (سوريا) و(اليمن)، فهي ذاتها صناعة شيء واحد.

داخل هذه الخيم وفي جنباتها حكايات لعشرات الأُسر التي هربت عُقب المعارك التي طحنت المدينة العريقة بحجرها وشجرها بين مطرقة التنظيم وسندان الجيش ومنْ يدعمه.

أهلها ليسوا من الأحياء في مدينتهم ولا من الأموات؛ يفتك الموت بهم (جوعاً وعطشاً ومرضاً أو ربما حرقاً أو تسمماً)!

يقبل هذا العيد ضيفاً ثقيلاً على مخيمات النازحين على امتدادِ الوطن؛ فلن يجدوا في خيمهم التي تفتقر لأبسط مقومات الحياة شيئاً يدل على العيد؛ لا أهل ولا أقارب ولا أصحاب ولا أي مظهر من المظاهر التي اعتادوا عليها في مدينتهم، وهو ما يُفقدهم لذة العيد. تختلط لديهم فرحة العيد بلذة الذكريات وألم الحاضر وغموض المستقبل. وأقصى الأمنيات هي العودة للديار.

داخل هذه الخيم المُرقعة على جانبِ الطريق، يرسم الأطفال أشكالاً عديدة لعيدٍ يُخطئ دائماً الطريق إليهم مهما قربوا خيمهم من الطريق العام!