خلاف الحوثي وصالح يكشف عن أموال يمنية سرقها الانقلابيون

بدأ الأمر وكأنه تقاسم أدوار بين مليشيا الحوثي والمخلوع صالح، يحرص كل طرف على استمالة الجماهير، وتبرئة نفسه من الفشل الذي مُني به تحالف الانقلاب؛ بل ويلقي اللوم على الطرف الآخر، حتى وصل إلى حد التهديد والوعيد في بيانات سبقت موعد احتفال حزب المخلوع بذكرى تأسيسه، نهاية أغسطس الماضي.

لكن المواجهات الكلامية تجاوزت حدود الدبلوماسية والذكاء السياسي، وتحولت إلى حرب إعلامية تكشف فساداً مالياً وأرقاماً مهولة، كان الانقلابيون قد أخفوها عن المواطن والإعلام.

ومن بين تلك الأرقام ما كشفه أنصار المخلوع ووزراؤه في حكومة الانقلاب، حول توريد 98 مليار ريال من وزارة الاتصالات فقط خلال أقل من تسعة أشهر، وقد ضلت طريقها نحو المواطن، في حين يتهم الحوثيون وزراء صالح بفساد في وزارة النفط وبعض المؤسسات المحسوبة عليه، ويطالبون بالتحقيق في عدم تسليم الإيرادات إلى الخزينة العامة.

اقرأ أيضاً:

كيف يحمي الرؤساء والمسؤولون أنفسهم من الرصاص؟

هذه فقط عينة من أرقام عدة عكسها التوتر بين طرفي الانقلاب في بيانات وتصريحات ومقالات، إلى جانب الملايين في الجمارك وموانئ الحديدة والضرائب ونثريات طائلة تصرفها حكومة الانقلاب على أنشطة بلا فائدة، وتستغل المواطن في حربها ضد الدولة، في الوقت الذي يعاني فيه ملايين اليمنيين الفقر والجوع وانتشار الأمراض والأوبئة القاتلة.

الكاتب والمحلل الاقتصادي ياسين التميمي، رجح تضرُّر الحوثيين مما أثير حول ملفات الفساد أكثر من شريكهم المخلوع صالح، الذي اتسم عهده بالعديد من ملفات الفساد.

التميمي، اعتقد في تصريح خاص لـ"الخليج أونلاين"، أن الخلاف بين شريكي الانقلاب في صنعاء تحركه النوازع السياسية، ورغبة كل طرف في الاستئثار بالنفوذ والقرار، فالجانب المالي على أهميته يُستخدم اليوم في هدم مصداقية الانقلابيين، والمتضرر الأكبر هم الحوثيون، الذين أسقطوا صنعاء بذريعة مكافحة الفساد، عكس صالح الذي عُرف عن نظامه الفساد.

وكان الحوثيون اقتحموا صنعاء بتسهيلات من قوات محسوبة على صالح في 21 سبتمبر 2014، بعد رفعهم شعارات تؤكد دعم المواطن والعمل لصالحه.

وكان أبرز هذه الشعارات إلغاء جرعة في أسعار الوقود أقرها الرئيس هادي آنذاك بمبلغ 500 ريال (2.32 دولار وفق أسعار الصرف حينها).

لكن الحوثيين، فور اجتياحهم صنعاء وتمددهم إلى محافظات عدة، أظهروا ما كان مبيَّتاً في الاستيلاء على الدولة ومؤسساتها؛ بل وأصدروا قرار تعويم النفط، وتبنَّوا إقامة سوق سوداء رفعت أسعار المشتقات إلى أرقام خيالية.

التميمي، يرى أن "حرب الأرقام" موضوع له حساسيته، بعد أن وصلت الأمور إلى حد العجز عن صرف المرتبات؛ الأمر الذي يهدد بتآكل البيئة الحاضنة للانقلابيين، التي تعودت التعايش مع الفساد، مع توافر الحد الأدنى من سبل العيش.

وعلى صعيد العلاقة بين شريكي الانقلاب، يرى التميمي أن توظيف دعاوى الفساد المالي سوف يؤثر في حركة الاستقطاب المتصلة بصراعهما؛ لذا يجري توظيف هذه المسألة التي تكاد تصبح حرب أموال بحقٍّ بينهما.

ويعتقد التميمي أن إيران شريكة في مهمة السطو المسلح على الدولة والمالية العامة، ويهمها أن يضع حلفاؤها يدهم على الأموال؛ لدعم سلطتهم بالنسبة لمستوى علاقة تحالف الانقلاب بالخارج وتأثير الكشف عن ملفات الفساد داخل هذا التحالف.

وبلغ عدد موظفي القطاعين العام، المدني والعسكري، في اليمن، 1.2 مليون نهاية 2013، موزَّعين على 1450 دائرة ومؤسسة حكومية، في ظل اتهامات بوجود كشوفات وهمية، خصوصاً في بعض التشكيلات العسكرية والأمنية وقوائم قبلية، يتقاضون رواتب توازي 75 مليار ريال شهرياً.

وبهذا، فإن إيرادات وزارة الاتصالات في حكومة الانقلاب فقط، يمكن أن تغطي ما نسبته 13% من رواتب جميع موظفي الدولة، رغم تعثُّر الكثير من مشاريعها والفساد المالي الذي يحدّ من إيراداتها، فضلاً عن مليارات أخرى تُنهب من قِبل الانقلابيين، الذين يتعذرون بعدم وجود إيرادات لتسليم رواتب الموظفين، حسبما يذكر مراقبون.

الكاتب والصحفي محمد الشاكري، أشار إلى أن "هشاشة" التحالف بين مليشيا الحوثي والمخلوع صالح لم تكن قادرة على أن تحميه من الانكشاف بحقيقته أمام الرأي العام المحلي والخارجي.

واعتبر الشاكري، في حديث لـ"الخليج أونلاين"، أن التراشقات التي تبنَّاها طرفا الانقلاب مؤخراً، كشفت فقط جزءاً يسيراً من حجم الفساد الذي حرص الانقلابيون على تغطيته أكثر من عامين، وترك الشعب يتضور جوعاً ويموت بالوباء إن لم يمت بالسلاح.

وبحسب الشاكري، فإن "تلك المكاشفة التي فضحت فساداً بالمليارات تديره مليشيا الانقلاب في وزارات النفط والاتصالات والإدارة المحلية والتعليم العالي والداخلية والدفاع والأوقاف، ومؤسسات إيرادية أخرى- تعد دليلاً آخر على زيف شعارات الانقلابيين، وهي بالدرجة الأولى موجَّهة لمن لا يزال يظن أن من جاء بالسلاح ورفض النظام والقانون والشرعية بإمكانه تقديم شيء للوطن والمواطن".

وتوقع الشاكري أن تلعب ملفات الفساد -التي أصبحت أمام الرأي العام- "دوراً بارزاً في تخلخل تحالف الانقلاب من الداخل وانهياره، حيث سيفقد الطرفان الكثير من المناصرين -وهم السواد الأعظم من الشعب- الذين حُرموا من أبسط حقوق الحياة مقابل تُخمة عاشها الانقلابيون".

يشار، ووفقاً لمختصين، إلى أن الأموال التي كشفتها فضائح فساد الانقلابيين، كانت كفيلة بأن تحدَّ من تآكل منظومة الصحة، وتحافظ بالمستوى الأدنى على قدرة المواطن في العيش والصحة والتعليم والخدمات الدنيا.