"حماس" في القاهرة .. تقلُّب "المزاج" المصري سيد الموقف السياسي

عادت عجلة المصالحة الفلسطينية للدوران من جديد، بعد توقف استمر أكثر من ثمانية أشهر؛ بسبب الخلافات القائمة بين حركتي "فتح" و"حماس"، ورفْع جمهورية مصر العربية، الراعي الحصري لملف المصالحة، يدها عن الملف ورفضها استقبال الوفود الفلسطينية على أراضيها.

المياه الراكدة لملف المصالحة بدأت تتحرك على نحو مفاجئ تزامناً مع الزيارة الأولى للرئيس الجديد للمكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنية للقاهرة، ولقائه رئيس جهاز المخابرات المصرية اللواء خالد فوزي، وما ترتب عليه من إعلان الحركة نيتها حل اللجنة الإدارية التي شكلتها في غزة، وتمكين الحكومة من العمل.

التصريحات التي صدرت عن حركة "حماس" في القاهرة، أعطت أملاً جديداً للفلسطينيين بإمكانية تحقيق الوحدة التي غابت أكثر من 10 سنوات، لكن بحسب معلومات خاصة حصل عليها مراسل "الخليج أونلاين"، فهناك الكثير من الملفات لا تزال عالقة وتضع مصر شروطاً "تعجيزية" مقابل فتحها للنقاش والحوار الثنائي.

-72 ساعة حاسمة

وأكدت مصادر مصرية خاصة أن اللقاءين اللذين عقدهما هنية مع رئيس جهاز المخابرات المصرية فُتحت خلالهما ملفات هامة وحساسة، تتعلق بسبل تخفيف الحصار المفروض على قطاع غزة، وإعادة تفعيل مصر دورها في رعاية ملف المصالحة الداخلية.

وكشفت لـ"الخليج أونلاين"، أن الجانب المصري عارض فتح بعض الملفات، لكنه -وبصورة مفاجئة- وافق على إعادة تفعيل لقاءات المصالحة، ومحاولة عقد لقاءات في القاهرة، وتقريب وجهات النظر بين حركتي "فتح" و"حماس"، والسعي لحل اللجنة الإدارية التي شكَّلتها "حماس" في غزة، والضغط على الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، للتراجع عن كل خطواته التصعيديه التي اتخذها ضد قطاع غزة قبل أشهر.

وتحدثت المصادر أن الجانب المصري رفض في الوقت الراهن، فتح ملف الفلسطينيين الأربعة الذين اختُطفوا بعد اجتيازهم معبر رفح ويقبعون الآن داخل السجون المصرية، مؤكداً أن هذا الملف يحتاج إلى "خطوات ثقة" أكثر من حركة "حماس" مقابل فتح ملفهم والإفراج عنهم.

وذكرت المصادر المصرية أن مسؤول المخابرات المصرية أبلغ هنية كذلك، أن بلاده غير قادرة الآن على رعاية ملف صفقة تبادل الأسرى مع الجانب الإسرائيلي، وأنه سيدعم وجود أي وسيط جديد لرعاية هذا الملف، وأن بلاده تريد أن تعلق كل الوعود التي أطلقتها في السابق حول فتح معبر رفح وإقامة المنطقة التجارية الحرة، وأنها تريد أن تتريث في تنفيذ ذلك؛ بسبب أجندات خاصة تتعلق بمصر، لافتاً إلى أن الـ72 ساعة القادمة ستكون حاسمة ويحدَّد من خلالها التوجه الجديد للمصالحة الفلسطينية الداخلية أولاً.

يشار إلى أن وفداً من حركة "حماس"، برئاسة إسماعيل هنية، غادر قطاع غزة، السبت، إلى القاهرة؛ للقاء مسؤولين مصريين، لاستكمال التفاهمات التي أجراها مسؤول الحركة في قطاع غزة يحيى السنوار، والتفاهم مع عدد من أعضاء المكتب السياسي في الخارج، وعلى رأسهم موسى أبو مرزوق.

ويُذكر أنه الانقسام السياسي والجغرافي يسود أراضي السلطة الفلسطينية، منذ منتصف يونيو 2007، وجرت بين "حماس" و"فتح" اتفاقات عدة لإنهاء الانقسام؛ أبرزها: اتفاق القاهرة 2011، واتفاق الدوحة 2012، واتفاق الشاطئ 2014، إلا أن خلافات كبيرة منعت إنفاذ ما اتُّفق عليه بين الطرفين في قضايا مهمة؛ أهمها: عدم تسليم "حماس" إدارة معابر غزة للسلطة، وعدم صرف حكومة التوافق رواتب موظّفي غزة، وأخيراً تشكيل "حماس"، في 23 مارس من عام 2017، لجنةً إداريةً في غزّة بديلة عن حكومة التوافق الوطني.

- ثقة متبادلة

حركة "حماس" ورغم التراجع المصري المفاجئ عن وعود تخفيف الحصار عن غزة، فإنها فضَّلت أن تتمسك بنقاط الإيجاب التي جرت خلال زيارة هنية للقاهرة، فأكد حازم قاسم، الناطق الرسمي باسم الحركة، في تصريح خاص لـ"الخليج أونلاين"، أن لقاءات هنية بالمسؤولين المصريين كانت إيجابية وهامة.

وأوضح أن حركة "حماس" تحاول فتح صفحة علاقات متبادلة وقوية مع مصر، بما يسهم في تخفيف الحصار المفروض على قطاع غزة وسكانه، ومحاولة إعادة تفعيل الدور المصري في رعاية الملفات الفلسطينية العالقة، أبرزها المصالحة.

وأشار قاسم إلى أن حركته أبدت تفهُّماً كبيراً للموقف المصري من الملفات الفلسطينية، وأن حركته تتطلع إلى دور مصري جديد وفعال في رعاية ملف المصالحة الداخلية، مؤكداً أن زيارة وفد الحركة للقاهرة حقق إنجازات هامة سيعلَن عنها قريباً بشكل رسمي.

وعلِم "الخليج أونلاين" أن جهاز المخابرات المصري قاد جهوداً كبيرة وأجرى اتصالات مكثفة خلال اليومين الماضيين، مع اللواء ماجد فرج، رئيس جهاز المخابرات الفلسطينية العامة؛ لإقناع "فتح" بتشكيل وفد من الحركة لزيارة القاهرة نهاية الأسبوع الجاري.

وفي ضوء تلك التطورات، كشف عزام الأحمد، عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح"، ورئيس وفد الحركة للمصالحة، أنه سيتوجه -برفقة وفد من حركة "فتح"- إلى العاصمة المصرية (القاهرة)؛ لبحث ملفات داخلية هامة.

اقرأ أيضاً:

"نيويورك تايمز": ترامب رتّب لاتصال أمير قطر بولي عهد السعودية

وأكد الأحمد، لـ"الخليج أونلاين"، أنه تلقى دعوة من الجانب المصري لزيارة القاهرة، وسيتوجه خلال الأيام القليلة المقبلة، للتباحث في ملفات هامة؛ أبرزها: المصالحة الداخلية، ونتائج جولة هنية ولقاءاته مع جهاز المخابرات المصري.

ورحب بالدور المصري في رعاية ملف المصالحة من جديد، معتبراً حديث "حماس" عن الاستعداد لحل اللجنة الإدارية خطوة هامة، ولكنها غير كافية وتحتاج إلى تنفيذ على أرض الواقع، والجلوس على طاولة الحوار دون شروط مسبقة والبدء بتنفيذ ما اتُّفق عليه في السابق.

بدوره، رأى المحلل السياسي تيسير محيسن، أنه من المبكر جداً تقييم زيارة قيادة حركة "حماس" للقاهرة، وإمكانية اعتبارها نقطة تحوُّل في العلاقة ما بين الطرفين، إلا بعد انتهائها فعلياً، مشدداً على أن المخرجات أو النتائج النهائية للزيارة هي التي ستكتب وتقيِّم العلاقة بوضوح.

وأشار محيسن إلى أن عوامل متعددة دفعت كلاً من حركة "حماس" ومصر للالتقاء مرات عدة، ومحاولة تذويب كل الشوائب التي جرت على طول الفترات الماضية، مؤكداً في السياق ذاته أهمية الزيارة وضرورتها، لا سيما في هذا التوقيت الذي مضى فيه عدة أشهر على التفاهمات المصرية بشأن قطاع غزة مع الحركة والقيادي في حركة فتح محمد دحلان.

ورجح أن تضع الزيارة "النقاط على الحروف" بما جرى من تفاهمات سابقة، التزمت فيها "حماس"، وقامت باجتهادات واضحة فيما يخص الحفاظ على الأمن على طرف الحدود المصرية-الفلسطينية، في حين لم يلمس الشارع الغزي أي تغيير من الجانب المصري، وبشكل خاص فيما يتعلق بعمل معبر رفح.

والاثنين الماضي، أعربت حركة "حماس" عن استعدادها لتمكين حكومة الوفاق الوطني من ممارسة مهامها في قطاع غزة، وحلّ اللجنة الإدارية التي شكَّلتها في مارس الماضي، لإدارة القطاع.

جاء ذلك خلال لقاء هنية، وعدد من قيادات الحركة، رئيس جهاز المخابرات المصرية العامة، خالد فوزي، في القاهرة. وبحسب بيان أصدرته "حماس"، فإن وفدها أكد خلال اللقاء استعدادها لحل اللجنة الإدارية في قطاع غزة، وتمكين حكومة الوفاق من ممارسة مهامها بالقطاع، وإجراء انتخابات بالأراضي الفلسطينية، على أن يعقب ذلك عقد مؤتمر موسع للفصائل الفلسطينية بالقاهرة؛ لتشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة.

ويشار إلى أن "حماس" شكَّلت، في مارس الماضي، لجنة إدارية لإدارة الشؤون الحكومية في غزة، وهو ما قوبل باستنكار الحكومة الفلسطينية، وبررت الحركة خطوتها بـ"تخلي الحكومة عن القيام بمسؤولياتها في القطاع".

وفي عدة مناسبات، طالب الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، "حماس" بحل اللجنة الإدارية، وتمكين حكومة الوفاق من ممارسة عملها في القطاع، والذهاب إلى انتخابات عامة؛ لإنهاء إجراءات عقابية اتخذها، مؤخراً، ضد غزة، ومن هذه الإجراءات تقليص رواتب الموظفين، وإحالة بعضهم إلى التقاعد المبكر، وتخفيض إمدادات الكهرباء.