مدينة إدلب.. لماذا التفاؤل؟

لم تكن زيارتي الأخيرة لمحافظة إدلب من أجل لقاء المنظّرين والحوار فيما بينهم، فهذا ليس من اختصاصي، إضافة إلى أن لهذا الجانب متخصصين معروفين يتحاورون فيما بينهم بالأفكار والآراء لخدمة هذا الوطن وتجنيبه ويلات الدمار.

ولكن كانت زيارتي لخدمة الشعب الذي كلّ وملّ من كلام المنظرين، سواء من الداخل أو الخارج، فالذي ينظر لإدلب على أنها سوداء مظلمة يجعلُ كل من يعيش فيها في حالة من الرعب والسوادية والضبابية، والمتفائل الذي ينظر لحالة الشعب المنهك المتعب بعد سبع سنوات من الحرب والقتال والدمار، يجدها منطقة للعمل والإنتاج وإدخال البسمة على قلوب الأطفال والناس، بعد أن وصلوا إلى حالة من التعب المفرط.

- لماذا التفاؤل؟

شعب يريد الخلاص بأي طريقة ليعود إلى حياته وبيته وعمله.

شعب يفتح الجامعات في ظل الحرب والدمار لا يأس ولا قنوط.

شعب يفتح المدارس الخاصة ليتعلم.

شعب يفتح المستشفيات الخاصة ليتعالج.

شعب لا يقف أمامه أي عائق لتستمر الحياة.

فكما أن للماضي الدروس والعبر، فأمام شعبنا التحديات والمصاعب التي يواجهها الإنسان في الحياة، ولا بد أن ينتصر الأمل على اليأس، والتفاؤل على التشاؤم، والرجاء على القنوط.

فالمتفائل لا يقنط ولا يسمح للقنوط أن يصل إليه، ولا يسمح للمصائب أن تأخذه إلى اليأس؛ فمن "سراقب" إلى "الدانا" الحياة طبيعية لا وجود للحواجز إلا النادر القليل، وقد تم تبديل اللون الأسود باللون الأخضر المتفائل إلى الخير.

والتفاؤل لكي يصل بك إلى شاطئ النجاة، لا بد أن يقترن بالجدية والعمل، وهذا ما رأيته ممن كان معي في زيارتي يخططون لعام 2023، حيث مدن كاملة ستقام بأحدث المواصفات العالمية.

جامعات بأرقى التصاميم الهندسية، ومعامل، وورشات للتدريب المهني من أجل شبابنا ليكونوا بناة للمستقبل على أرض وطنهم، وكذا معاصر للزيتون يُصدّر إلى دول العالم التي كانت تفخر بالزيت السوري.

تعالوا لنتفاءل؛ فرغم قسوة الواقع هناك زهرة أمل، إذ إن هذه الحياة بنيت على التغيير؛ والتغيير سنة كونية لا بد منها، ولن يأتي من المدافع والبنادق بعد سبع سنوات، بل من أبواب المعرفة والعلم والفكر الصحيح.

نحن شعب يستطيع التغيير والتأقلم والعيش في أبشع الظروف، ولكن ارفعوا السلاح من بيننا لترتفع بسمة أطفالنا ولنعيش بسلام مع أفراد شعبنا، ولنحب بعضنا.

وصحيح أن الدم لا يُنسى، وأن الثأر عند البعض لا يموت، لكن لا بد لهذه الحياة أن تستمر، فنحن جئنا إليها لنعمل ونبني لا لنهدم ويقتل بعضنا بعضاً.

واجبنا كمثقفين أن نمنح الأمل للمريض، ونأخذ بيد شعبنا نحو العمل والإنتاج، وننهض لنكون الشعب الذي يضرب به المثل في التضحية والعطاء والبناء.

فكلما دخلت قرية أو مدينة وجدت عبارات كتبت على الجدران "يسقط الشرعيون"، "تسقط الحواجز الأمنية"، و"تسقط الفصائل"، إلى آخر ذلك من عبارات تدل على ملل أصاب الناس مما يحصل في الشمال السوري، ومع ذلك الناس تعيش وتصبر حتى يأتي الفرج.

ولأكون منصفاً في كلامي بين التفاؤل واليأس، نحن بحاجة لثورة في نفوس الشعب أيضاً قبل الثورة على الحكام الظالمين، نحن بحاجة إلى إصلاح النفوس والضمائر والقوانين، عبر حكماء لا فقهاء، ودعاة لا "شرعيين" (مصطلح متداول في سوريا يطلق على المسؤول عن القضايا الشرعية في الفصائل المسلحة).