الاستفتاء الكردي.. مقترح للخروج من مربع الأزمة الراهنة

قيل قديماً إن ثَمَّ منحة تكمن في داخل كل محنة، واليوم هناك في العراق فرصة للحل تلوح في أفق هذا الجو الملبد بغيوم الشك والتوجس من قبل جميع الأطراف، مع احتمالات انفجار الوضع في أي لحظة، والدخول في نفق مظلم من الصراعات العبثية العرقية والطائفية مجهولة النهايات، التي ما عاد أحد يتحمل المزيد منها.

بداية علينا أن نضع حقيقة مهمة، وتتمثل في أن الحكومات العراقية المتعاقبة بعد الاحتلال هي حكومات شيعية من حيث كون الشيعة أغلبية فيها، ومن حيث تفردهم عملياً بالقرار السياسي العراقي والتفافهم على كل محاولات ووثائق الإصلاح التي تم إبرامها، وآخرها وثيقة أربيل، وقد أسهمت هذه الحكومات، من خلال ممارساتها وسلوكياتها مع الأطياف الأخرى، إلى تسميم أجواء العملية السياسية التي ولدت خدجية بفعل المحتل الذي بناها على أسس عرقية وطائفية، وجاءت سلوكيات أحزاب البيت الشيعي الحاكم لتزيد الطين بلة، ولتجعل العراق نموذجاً طارداً للأقليات، في حين كانت هناك فرصة قائمة بعد الاحتلال لبناء نموذج جاذب في ظل أجواء الانفتاح السياسي والوفرة المالية التي أحدثها الارتفاع الهائل في أسعار النفط العالمية.

يتمثل هذا الحل في توافق القوى العراقية على تحويل العراق إلى دولة أقاليم يتكون من ثلاثة أقاليم إدارية بصلاحيات واسعة، والعمل على تسويق هذا الحل إقليمياً ودولياً بما يضمن الدعم السياسي والمالي، حيث يمثل استقرار العراق هاجساً ومصلحة للجميع في هذه اللحظة الفارقة والخطيرة.

هذا المقترح يأتي متوافقاً مع الدستور، وكذلك مع خيارات طُرحت من قبل بعض أطراف البيت الشيعي، تحديداً في السنة الثالثة من الاحتلال الأمريكي للعراق، عندما أعلن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية (غير اسمه لاحقاً إلى المجلس الأعلى الإسلامي العراقي) رسمياً، في أغسطس 2005، على لسان زعيمه عبد العزيز الحكيم، عن نيته تشكيل إقليم في إطار الفدرالية، يضم كلاً من المحافظات الجنوبية الثلاث (البصرة وميسان وذي قار)، ومحافظة واسط (جنوب شرق بغداد)، ومحافظات الفرات الأوسط (بابل والقادسية والمثنى وكربلاء والنجف). وذلك ما سبق أن دعا له أخوه محمد باقر الحكيم قبل الاحتلال بسنوات، عندما كان يرأس المجلس الأعلى ويتحدث باسم المعارضة الشيعية يومها، على هذا التقسيم يكون أول هذه الأقاليم هو الإقليم الجنوبي، ويشمل المحافظات التسع المشار إليها أعلاه.

ويشمل ثاني هذه الأقاليم، وهو الإقليم الشمالي، كل محافظات ما فوق بغداد شرقاً وغرباً صعوداً إلى الشمال، وهي (ديالى وصلاح الدين والأنبار والموصل وكركوك مع محافظات كردستان الثلاث؛ أربيل ودهوك والسليمانية). وثالث هذه الأقاليم ستكون بالتأكيد العاصمة بغداد، وتكون إقليماً مستقلاً ومركزاً إدارياً للدولة.

- مبررات هذا التقسيم ودواعيه

1- سيكون هذا التقسيم سبباً في معالجة إشكالية المناطق المتنازع عليها، ومن ضمنها مدينة كركوك، دون خسائر تذكر، وهذه الإشكالية تمثل قنبلة موقوتة حالياً ومستقبلياً في حال كان حلها وفق سياسة الاستقواء أو فرض الأمر الواقع من أي طرف.

2- هذا التقسيم يراعي الظروف القلقة في منطقة الشرق الأوسط، ويزيل الكثير من التوجسات الإقليمية التي نشأت مع فكرة انفصال كردستان عن العراق، وستلقى- بلا شك- قبولاً وترحيباً إقليمياً واسعاً قد تشذ عنه إيران التي ترى أن عراقاً ضعيفاً ومتنازعاً يصب في مصلحتها، ولكن هذا الموقف الإيراني- إن حصل- فلن يقوى على مواجهة الإرادتين الإقليمية والدولية معاً، وسيضطر لتدوير زوايا تحالفاته ولتحسين شروط التفاوض، بغية الوصول إلى أفضل النتائج الممكنة.

3- هذا التقسيم يبقي حالات الانفتاح الجغرافي لكل من الإقليمين الشمالي والجنوبي على المحيط الإقليمي بخيارات متعددة، ويحصل بالتأكيد على مزايا الدعم والانفتاح المادي الإقليمي، وفتح آفاق التعاون والإعمار والاستثمار، وهو الأمر الذي سينعكس إيجاباً على العاصمة بغداد، ويقلل من أعبائها والتزاماتها، خصوصاً عندما يأتي مثل هذا الدعم في ظرف تعاني فيه ميزانية المركز والإقليم كثيراً في الجانب المالي، في حين يزيد الانفصال من هذه الأعباء، بما يفاقم المشاكل الحالية في الوضع المالي، ويحول الدولة المنفصلة إلى دولة فاشلة (ولنا في تجربة جنوب السودان خير مثال).

وفي الوقت الذي من المتوقع لإقليم كردستان مثلاً، في حال اتخاذه خطوة الانفصال بلا تنسيق داخلي وإقليمي، أن تُعزَل دولته وتخنق داخل محيط إقليمي رافض ومعاد، بلا حدود برية أو منافذ بحرية مجاورة، فإن هذا التقسيم يضمن لها انفتاح جغرافيتها إلى حدود السعودية والإردن، بالإضافة لسورية وتركيا، وكذلك إيران، بعد قبول هذه الأخيرة بحلول الأمر الواقع.

4- مثل هذه الخطوة ستقلل من فرص بعض القوى المتربصة بالمنطقة في التدخل الذي سيضر بمستقبل دول المنطقة وشعوبها، حتى لو أبدت هذه القوى حرصاً كاذباً على تحقيق بعض الطموحات العرقية أو الفئوية لصالح بعض الشعوب على حساب أخرى في اللحظة الراهنة، لأن لغة المصالح لا تعرف صداقة دائمة. وقد علمتنا تجارب التأريخ أن عوامل القوة والضعف الذاتية والمكتسبة هي عوامل قابلة للتغيير، ومن ثم فإن الحلول التوافقية دون الاستقواء بالقوى الخارجية هي أفضل الحلول وأسلمها.

5- الحل المقترح للأزمة سيقلل من قبضة المركز على الأقاليم، ويشكل حالة من التوازن والتنافس بين الإقليمين الشمالي والجنوبي، ويقلل من مساحة التوجسات والتدخلات المفضية إلى صراعات لانهائية حالية أو مؤجلة.

6- التقسيم يراعي الاستفادة من موارد البلد الرئيسية (الماء والنفط والغاز)، كما يراعي استفادة كل إقليم من موارده الطبيعية، بما يحقق الرفاه والاستقرار للجميع.

7- فيما يخص العلاقة بين العرب والكرد السنة، وبالنظر لحالة السيولة وعدم الاستقرار، وانعدام حالة السيطرة والضبط التي يمر بها المجتمع العربي السني، ولتقليل حالة التوجسات التي قد تعتري قلوب نسبة كبيرة من أبناء كردستان التي تتميز باستقرار نسبي أمني واقتصادي أكبر، فإنني أقترح أن توضع تفاهمات ينص أحدها على أن يتولى السيد مسعود البارزاني، أو من يرشحه الناخبون الكرد، رئاسة الإقليم الشمالي لدورتين انتخابيتين متتاليتين، ثم يفتح باب الترشح للجميع بعد ذلك.

الكرة اليوم في ملعب الحكومة المركزية أكثر مما هي في يد حكومة كردستان، وعليها بدلاً من السعي إلى سياسات فرض الأمر الواقع، والاستقواء ببعض القوى الفاعلة ضمن أو خارج إطار الدول الإقليمية، أن تفتح الباب لحوار جاد وصادق، وأن تعدل سياساتها وسلوكياتها لتتحول من نموذج طارد إلى نموذج جاذب لكل المكونات خارج إطار البيت الشيعي، وبعكس ذلك فلا يُستبعد مضي كردستان في إجراءات الانفصال، وما سيحدثه زلزال كهذا من هزات ارتدادية قد تؤدي إلى تشظي العراق بأكمله، وقد يطول حتى داخل إطار ومحافظات البيت الشيعي الذي يشهد هذه الأيام انقسامات أفقية وعمودية واضحة.

في الختام لا يفوتنا تذكير جميع المعنيين بهذه الأزمة بمسؤولياتهم القانونية والأخلاقية تجاه مكوناتهم وشعوبهم، وواجب سعيهم لتحقيق الأمن والرخاء الاقتصادي والازدهار المجتمعي، والتركيز على تحقيق التنمية الشاملة وبناء الإنسان، في بلد أكلت الحروب والمغامرات السياسية حاضره ومقدراته، وما زالت تهدد مستقبله ومستقبل أجياله.