• العبارة بالضبط

"حماس" والأسئلة الصعبة!

أعلنت حكومة الوفاق الوطني عزمها عقد اجتماعها المقبل، الاثنين القادم في غزة، عقب إعلان حركة "حماس" حل اللجنة الإدارية ودعوتها الحكومة في رام الله إلى الإسراع بتسلم مهامها كافة.

يَفْتَرِض المتفائلون في هذا السياق قيام حكومة الرئيس عباس بوقف إجراءاتها العقابية ضد المدنيين، ومن ثم عملها على توفير الكهرباء، والمياه، وإدخال الأدوية، والتنسيق مع الجانبين الإسرائيلي والمصري لتسهيل حركة المواطنين، والحركة التجارية من وإلى قطاع غزة، والإسراع في إعادة ترميم البنى التحتية والمرافق العامة، والمنشآت الخاصة التي دمرها الاحتلال خلال عدوانه على غزة 2014، و2012، و2008.

ذلك التفاؤل المرجو لا يعدو كونه فرضية لحد الآن، قائمة على أن الكرة أصبحت في ملعب السلطة الفلسطينية، بعد أن تخلّت حركة "حماس" عن شروطها كافة، وأعذرت نفسها أمام الشعب الفلسطيني.

لكن الواقعية تقتضي نظرة موضوعية لمواقف وأهداف الأطراف الفاعلة، وتحديداً واشنطن وتل أبيب، المؤثّرتين على مواقف القاهرة ورام الله، لإدراك مآلات المشهد الفلسطيني الراهن؛ فكُلّنا يُدرك أن استمرار الانقسام ارتبط برغبة أمريكية صهيونية تقاطعت مع رغبة مصرية، عبّرت عن نفسها بإفشال كل الجهود الإقليمية المبذولة لإنجاز المصالحة الفلسطينية في محطات عدّة؛ كاتفاق مكة، والدوحة، والشاطئ..، مع تشديد الخناق على غزة، وتكرار العدوان العسكري عليها بهدف تثوير الرأي العام الفلسطيني ضد حركة "حماس" والمقاومة..، ولكنها عندما فشلت في محاولاتها تلك، أصبح لزاماً عليها تغيير أسلوبها، بالانتقال من فكرة القضاء على حركة "حماس" والمقاومة بالقوة، إلى فكرة الاحتواء تحت سيف الحصار والأمل برفعه، مستثمرين لحظة الصدمة غير المتوقعة لحصار قطر الداعمة لغزة، ومستغلين جبروت الجغرافيا السياسية المصرية الخانِقة لقطاع غزة، والمحاصِرة لقيادة "حماس" الجديدة، ممثلة برئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية.

تلك اللحظة الفارقة جاءت مشفوعة برفع الفيتو الأمريكي عن المصالحة، كما جاء على لسان القيادي في حركة "حماس" موسى أبو مرزوق، ما يعني أن هناك شيئاً ما يُراد له أن يَنْشأ، فليس من باب الإنسانية أو الشعور بعذاب الضمير قامت واشنطن وتل أبيب برفع الفيتو عن المصالحة وإنهاء الانقسام الذي صبّ بشكل ما في مصلحة الاحتلال الإسرائيلي..، وهو الأمر الذي عبّر عنه غرينبلات، مبعوث الرئيس الأمريكي ترامب إلى الشرق الأوسط، عندما طالب بـ"إعادة سيطرة السلطة الفلسطينية على غزة، لأنه حان الوقت لتغيير الوضع فيها"، وذلك تميهداً لما بات يُعرف بصفقة القرن، أو مشروع التسوية السياسية، المتوقع الإعلان عنه مع نهاية هذا العام حسب العديد من المصادر.

المطلوب إذن في الأشهر المعدودة القادمة شراء صمت حركة "حماس" بانحنائها أمام رياح التسوية السياسية القادمة، مقابل إخراجها من عنق زجاجة الحصار الذي باتت عاجزة عن تحمل آثاره مادياً أمام الشعب الفلسطيني، وذلك بعد إسناد الفضل لسلطة الرئيس محمود عباس المرشّح مجدداً لخوض ماراثون العملية السياسية بقيادة الرئيس ترامب.

الأسوأ من الصمت أو الانحناء أمام عاصفة التسوية، قد يقع إذا تَمكّنت حكومة الرئيس عباس من بسط سيطرتها على جميع القطاعات المدنية والأمنية والشُّرَطية في قطاع غزة، لأنه سيكون لزاماً عليها أن تعالج وجود سلاح المقاومة خارج مؤسسة السلطة الفلسطينية، كما فعلت في الضفة الغربية، كاستحقاق مسبق أو متزامن مع العملية التسوية، وهو ما عبّر عنه الناطق باسم الأجهزة الأمنية في رام الله، اللواء عدنان الضميري، في تغريدة له عبر موقع فيسبوك، بعد حل "حماس" لجنتها الإدارية، بقوله: "القيادة الفلسطينية كما لم تقبل بالضفة الغربية سلاحاً آخر موازياً لسلاح الشرعية الحاكمة، فهي لن تقبله في قطاع غزة، حتى لو استظل بظل المقاومة".

وفي هذا السياق، المتعلق تحديداً بسلاح المقاومة وأنشطتها العسكرية في غزة، يتبادر للذهن العديد من الأسئلة المفتوحة، ومنها على سبيل المثال: ما موقف حركة "حماس" إذا تسلمت السلطة الفلسطينية أمن الحدود، ومنعت كتائب القسام والمقاومة من الرباط، ومن مراقبة تحركات جيش الاحتلال الإسرائيلي وقطاعاته العسكرية على حدود غزة؟

ما موقف حركة "حماس" إذا قامت السلطة بمصادرة معسكرات التدريب الميداني التابعة لكتائب القسام وفصائل المقاومة الأخرى؟

ما موقف حركة "حماس" إذا قامت الأجهزة الأمنية بمنع أو التضييق على عمليات التصنيع العسكري التابعة لكتائب القسام أو الجهاد الإسلامي..؟

ما موقف حركة "حماس" إذا علمت أن أجهزة أمن السلطة الفلسطينية كشفت أو تعاونت مع الاحتلال الإسرائيلي لكشف مكان جنود الاحتلال الصهاينة الأسرى لدى كتائب القسام؟

ما موقف حركة "حماس" إذا اعتقلت حكومة الرئيس عباس النشطاء والخطباء، أو أوقفت بث فضائية الأقصى بذريعة التحريض على "الإرهاب" (المقاومة)؟

ما موقف حركة "حماس" إذا طلب الرئيس عباس تسليم سلاح المقاومة للسلطة، أو بضم كتائب القسام، وفق معايير خاصة، إلى جهاز الأمن الوطني الفلسطيني بحجة توحيد الصف والموقف الفلسطيني، وسحب الذرائع أمام واشنطن وتل أبيب، الرافضتين لازدواجية السلطة والمقاومة؟

هذا الحديث الاستباقي المُفترض يقتصر على الملف الأمني، دون التطرق لمصير الموظفين الـ 45 ألفاً الذين وظّفتهم حكومة حركة "حماس" المنتخبة، ودون الحديث عن الانتخابات (الرئاسية، والتشريعية، والمجلس الوطني) وشروطها الموضوعية..

نأمل أن يتمكن الطرفان (فتح وحماس) من التفاهم والاتفاق على آليات تحفظ الحد الأدنى من القواسم المشتركة، حماية لوحدة الشعب الفلسطيني، وحفاظاً على قوّته عبر المزاوجة بين الدبلوماسية والمقاومة التي تشكل رافعة مفترضة للعمل السياسي. ولكن التجربة، واختلاف المواقف، وتعارض البرامج السياسية..، يدفعنا لمناقشة الهواجس والتخوفات التي قد تعيدنا إلى المربع الأول.