• العبارة بالضبط

حواء العراقية.. صبرٌ.. ألم وأمل

احترت كثيراً (قبل البدء في كتابة هذه التدوينة) من أيّ نقطة أبدأُ الحديث عن سيدات الصبر والتحمل والألم في بلدي، العراق.

فالمرأة العراقية عنوانٌ عريض، من الصعب إيجاد تعريف واحد لها، ولكنني سأختصرها هنا بأنها بداية الحياة ونهايتها، فكل المسميات الموجودة في هذا الوطن تنتمي إليها وإن الحياة من دونها لا تستقيم؛ لأنها وحدها من تحفظ التوازنات الطبيعية في ديمومة الحياة.

تجرعت المرأة العراقية كل يوم من أيامها، كؤوساً من المرارة والألم، بدءاً من سقوط النظام السابق واحتلال البلاد من قِبل الأمريكان، وصولاً إلى دخول التنظيمات الإرهابية وما صاحبها من صراع بين أطراف النزاع على الأراضي العراقية، مما خلف عشرات الآلاف من النساء من دون معيل وجعلتها عرضة للفقر والعوز في ظل ظروف اقتصادية صعبة، نتيجة توقف دورة الحياة الطبيعية وعدم وجود جبهات عمل وإنتاج في مجالات الحياة كافة.

إن المرأة وعبر كل العصور، كانت الحلقة الأضعف في سنوات الحرب، فهي من تتحمل نتائجها وتبعاتها في الحاضر والمستقبل، فقد تُضحِّي بزوجها أو أبيها أو أخيها أو ابنها في الدفاع عن الوطن، وقد يتهدم بيتها وتتشرد أو يتم الاعتداء عليها بأي صيغة من الصيغ، وربما تكون أسيرة حرب أو سبية من سبايا التنظيمات الإرهابية.

لقد تعرضت للقتل والاغتيال، كصحفية أو مراسلة أو طبيبة، واستُشهدت في أحيانٍ أُخرى كالرجال وهم يدافعون عن أرضهم وعرضهم.

وأضحت أُماً لشهيدين أو أكثر، أو أرملة وهي في ريعان الشباب، أو مهجَّرة من دون معيل، كما أنها عاشت في مخيمات النزوح ظروفاً قاسية أو فوق زورق تائه يحملها إلى غياهب المجهول.

"أم حسن"، نازحة من مدينة الموصل، ارتسمت على وجهها ملامح الألم والصبر والمعاناة، تروي قصتها فتقول: "في ليلة ظلماء لم يتبسّم فيها القمر، ما أصعبها من ليلة! وما أشد سوادها! خرجنا من ديارنا ولا نعلم إلى أين الرحيل.. طُرق وأزقَّة عشنا بها، ولكن ما الذي غيَّرها وجعلها وعرة فتشعرنا كأننا نمشي على مسامير أو على جمر ملتهب، فالبيت لم يعد يسعنا، والمدينة تخلت عنا، تُرى هل اقترفنا ذنباً أم ماذا حصل فتغير حالنا؟!

ترى، هل هذا حلم أم أنه كابوس؟ وهل سأصحو منه يوماً؟ يسألني أولادي مراراً وتكراراً: أين والدنا؟ وأنا من هول الموقف لا طاقة لي على النطق بأي حرف لأجيبهم.. صحوت ذات ليلة لم ولن أنساها في حياتي، على صراخ أوﻻدي، الذين شاهدوا أباهم يُنحرُ كالأضاحي أمام أعينهم، أدركت حينها أنه لم يكن حلماً ولا كابوساً، إنما هو حقيقة مؤلمة، صحوت مجدداً على صراخ أوﻻدي الأربعة وكنت أتمنى الموت على أن أواصل طريقاً لا أعرف نهايته.

مشيت والتعب يحيط بي، والحزن يحاصرني، أحدِّث نفسي ماذا حدث منذ قليل؟ عاد زوجي من العمل وتناولنا العشاء معاً، ونمنا في أمان بأحضان بيت دخلتُهُ عروساً بثوبٍ أبيض، بيت يحمل الكثير من الذكريات، بيت عشت داخله أيام العسر واليسر، أيام العيد والفرح والحزن والغبطة. حملت بولدي الأول وأنا فرِحة وهانئة بعيشي وسعيدة، وأنجبت الولد الرابع وكنت أسعد مما مضى، وأنا الآن حبلى ولكن لم أتخيل يوماً أن تكون النهاية هكذا.

لا أعرف؛ هل أنا أسير، أم هناك أحد يزجُّ بي إلى الأمام، أقدامي لم تعد تحملني؛ فأنا حامل في الشهر الخامس، وأحمل ولدي الصغير الذي يبلغ من العمر عامه الثاني، فخطاه الصغيرة المتعثرة وأقدامه الناعمة الخالية من الأحذية، اجتمعتا معاً لتمنعاه من المسير بسرعة، وستجعل من لا رحمة بقلبه يصرخ عليه، بيدي الأخرى أجُرُّ أولادي الثلاثة بشكل فزع وخائف.

اقرأ أيضاً:

نيويورك تايمز: سلاح أمريكي جديد لمواجهة "داعش"

لكن عيني تبحث عن والدهم، لا أستطيع أن أصدق أن الموت أخذه مني، وأني لن أراه مجدداً فهو لم يفارقني منذ عرفته. لكن ما يهوِّن عليّ مُصابي أنني استطعت أن أنجو بأولادي من الموت بأعجوبة.. سرت بهم في طرق عديدة من مجهول إلى مجهول، إلى أن وصلت إلى مكان آمن وإن كان (خيمة) على قارعة الطريق، لكنه بعيد عن رائحة الموت والخوف".

الأستاذة "سمية غانم"، مُعيدة في كلية العلوم السياسية بجامعة الموصل، وجهٌ آخر لصمود وتحدي المرأة الموصلية أولاً والعراقية ثانياً، تقول: "بعد أن اضطررت إلى الخروج من بيتي تحت جنح الظلام مع دخول التنظيمات الإرهابية لمدينتي، توجهت للإقامة في أربيل، لكن ظروف النزوح لم تمنعني من تقديم المساعدة بكل صورها إلى أهالي مدينتي. فكوّنت أنا ومجموعة من النسوة فريقاً تطوعياً بغية الخروج لمخيمات النازحين ورصد الحالات الإنسانية الصعبة هناك والوقوف على احتياجات النازحين.

ورغم العديد من العقبات والصعوبات التي واجهتنا في بداية الأمر، خاصةً عند محاولة الوصول إلى المخيمات البعيدة تحت تقلُّبات الجو القاسية في الشتاء، فإننا واصلنا عملنا، يدفعنا في ذلك، الشعورُ المستمرُ بضرورة مواساة تلك الأرواح المنهكة المتألمة، وذلك برسم ابتسامة أمل على وجوه الأطفال أو بجلسة سمر مع بعض الأمهات والزوجات الثكلى يخففن بها ما أثقل كواهلهن من أعباء العيش في تلك الخيام".

تواصل الأستاذة سمية حديثها قائلة: "ما زلت أذكر جيداً تلك العائلة المكلومة التي صادفتها ليلة العيد ونحن نوزع ما تيسر لنا من ملابس وهدايا على النازحين. في إحدى الخيم، أبٌ و8 أطفال، أكبرهم يبلغ من العمر 16 عاماً فقط. فقدوا أُمهم في معارك تحرير الجانب الأيمن من الموصل. لم تُفلِح كل محاولاتي في رسم ابتسامة -ولو باردة- على وجوه الصغار الذين ما زالت أرواحهم تئنُّ وجعاً لِفقد حنان وعطف أُمهم. ورغم ما بدأنا به من إمكانات محدودة، فإننا استطعنا، في نهاية الأمر وبعد توسيع عملنا وجهودنا، إنشاء مؤسسة (زهرة الحدباء) للتنمية والإغاثة، التي بدأت بتوعية الكوادر الشبابية بأهمية وضرورة العمل التطوعي في المجتمع".

من شاء أن يتعلم الصبر، فلينظر إلى تلك الأُم الثكلى بصغيرها ذي الأشهر السبعة أو الثمانية فقط، وهي تضعه في حقيبة على ظهرها وتخرج به من بين الركام، باحثةً له عن مكانٍ آمن يواري جسده الصغير المنهَك الذي لم ينعم يوماً في حياته بالأمان، أو لتلك التي تصوم يومها عن الطعام؛ لتقدمه بكل عطف ورضا لأطفالها الصغار.

صور الصبر والتحمل لحواء العراقية عديدة ومبهرة، تعجز أحرف اللغة العربية جمعاء عن وصفها وإيفاء حقها.