تمثال "عين الفوّارة" بالجزائر.. ألهم الشعراء وأغضب الإسلاميين

وسط مدينة سطيف، عروس الشرق الجزائري، تتربع "عين الفوّارة" المنبع المائي الذي حظي بشهرة منقطعة النظير، والسرّ في ذلك أن المنبع يعلوه تمثال لامرأة عارية تستعرض مفاتنها، بشكل يوصف بـ"الفاضح" لزوارها، وقاصديها في مجتمع محافظ.

ورغم أن مدينة سطيف (300 كم شرقي الجزائر العاصمة) تزخر بالعشرات من المعالم التاريخية والآثار الرومانية، فإن منحوتة الفرنكو الإيطالي فرنسيس سان فيدال كسبت الزوار، وباتت مقصداً من كل ولايات الجزائر، وخارجها.

وقديماً قيل إن من زار ولاية سطيف وشرب من ماء الفوّارة التي باتت رمزاً للمدينة، فإن قلبه سيتعلق بالمدينة حتماً، وسيكرر زيارتها مرات ومرات، ولن ينقطع عنها أبداً.

ويذكر المختص في التاريخ، العمري عقون، لـ"الخليج أونلاين"، أن قصة هذه المنحوتة التي نُحتت من الحجر الأبيض والمرمر تعود جذورها إلى يوليو من عام 1898 خلال إقامة المعرض العالمي للمنحوتات بمتحف اللوفر الفرنسي، حيث عرضها النحات فرنسيس سان فيدال في متحف اللوفر بمناسبة مرور 100 عام على بناء برج إيفل، حيث شاهدها الحاكم العسكري لمدينة سطيف وأُعجب بها، وطلب من صاحبها أن يتكرم بها على سكان ولاية سطيف فكان له ما أراد.

- رمز للمدينة

وبعد مسيرة 12 يوماً كاملة، حلّ التمثال بعاصمة الهضاب سطيف ونُصب المَعلم في قلب المدينة وسط ثلاثة معالم دينية كانت موجودةً آنذاك في الباحة المعروفة بــ"الساحة الوطنية"؛ وهي: المعبد اليهودي، والكنيسة، والمسجد العتيق الذي ما يزال قائماً بالاسم نفسه إلى غاية اليوم.

ومن بين القصص المتواترة خلال العقود الأخيرة، أن الحاكم الفرنسي جلب التمثال إلى وسط المدينة؛ من أجل منع المصلين آنذاك من الوضوء باكراً عن صلاة الفجر في المنبع المائي، وهو الأمر الذي قيل إنه أزعجه ورفضه؛ لذلك اهتدى إلى جلب تمثال المرأة العارية لخدش الحياء العام، وتنفير الجزائريين المحافظين ومنعهم من الوضوء هناك وأداء الصلاة في المسجد المجاور لها وهو المسجد العتيق.

اقرأ أيضاً:

دمى ترافق الأطفال عند موتهم.. تعرف على آخر اكتشاف أثري

بيد أن هذه الروايات برأي الكاتب والإعلامي السعدي ناصر الدين، روَّجها الإسلاميون فقط، وأن هذا الكلام -بحسب ما ذكر لــ"الخليج أونلاين"- لم يكن موجوداً قبل انتشار الحلقات والخرافات، وأن هذا الكلام لم يُسمع به في سطيف، وهو الذي عاش بها عقوداً من الزمن.

لكنه أوضح أن "الناس ربما انزعجوا تلقائياً؛ لأن التمثال شيء جديد خاصةً بتلك الطريقة، وبذاك الوضع غير المألوف"، مع أنه لا يُتصور أن "تكون ثمة نية لمنع الناس من الصلاة".

- خادش للحياء

حملات البعض ضد التمثال استمرت خلال العقود الأخيرة، وبلغت ذروتها في أبريل 1997 حينما أقدمت مجموعة على تفجير التمثال، وهي العملية التي أثارت غضباً عارماً بالمدينة، ودفع الأمر السلطات المحلية إلى ترميمه في أقل من 24 ساعة فقط.

ورغم ذلك، فإن حملات الاستعداء لم تتوقف، حيث دعا الشيخ شمس الدين بوروبي، وهو أحد الدعاة المعروفين في البلاد، إلى تغطية التمثال العاري، في حين أفتى إمام مسجد أبي ذر الغفاري بولاية قسنطينة، في أغسطس 2015، بعدم جواز شرب الماء من هذه العين؛ بحجة أن الشارب من هذه العين يتطلب منه السجود للتمثال الذي وصفه بـ"الصنم"، واعتبر ذلك "شركاً وكفراً بالله".

وقبل ذلك، طالب زعيم "جبهة الصحوة" السلفية، عبد الفتاح حمداش، السلطات الجزائرية بإزالة التمثال؛ لأنه "صنم وشرك بالله".

وبعيداً عن ذلك، فإن عين الفوّارة ألهمت العديد من الشعراء والفنانين الذين تغزَّلوا بجمالها ومفاتنها، على غرار الشاعر العراقي محمود رزاق الحكيم، والشاعر الجزائري الصادق غربي، والفنان سمير سطايفي، وعبد الكريم بلخير، وغيرهم كثير.

- مقصد للتبرك

وللنساء نصيب من قصة "عين الفوارة"، فــ"عمريات سطيف"، مثلما تقول إحداهن التي التقاها مراسل "الخليج أونلاين" أمام العين، "يقصدنها للتبرك بمائها المتدفق، ويعتبرنها رمزاً للحياة، فهي لم تنضب ولم تتوقف عن إرواء عطش الناس رغم مرور أكثر من قرن وما تزال".

ويبادر بعضهن بطقوس خاصة، مثل الطواف حول الينبوع وإشعال البخور ونثر العطور، ومن الفتيات من يقصدنها أملاً في الحصول على شريك الحياة بوضع الحناء المخلوطة بالسكر داخل المنابع الأربعة التي تتكون منها العين حتى يذوب الخليط ويذهب مع الماء، بحسب السيدة.