بعد "داعش".. طقوس طائفية تفرض نفسها على الموصل وتُغضب السكان

لأول مرة في تاريخها، يتم نصب خيمة عزاء مع مكبرات صوت تذيع الأناشيد الحسينية واللطميات وبعضها باللغة الفارسية، مع قدور كبيرة للطبخ، هذا يحدث أمام البوابة الرئيسية لجامعة الموصل شمالي العراق، وهو جزء من مشاهد مماثلة انتشرت في مناطق أخرى من المدينة ذات الغالبية السنية والمسيحية، وأثارت غضب الأهالي.

هذه المظاهر تجري برعاية بعض المليشيات والقوى المرتبطة بالحكومة وكذلك حزب الدعوة، الذين أقاموا ما تسمى بالمواكب الحسينية، إحياءً لذكرى عاشوراء في مناطق مختلفة من مدينة الموصل، ورفعوا رايات حسينية ووضعوا مكبرات صوت، ولم يكتفوا بذلك بل فرضوا تعليمات على الأهالي بضرورة الإلتزام بإظهار مشاعر الحزن، وعدم إظهار أي مظهر من الفرح وحتى الأعراس.

58_o

المواطن مؤمن عبد الله (32 عاماً) يقول: "تم إبلاغ أصحاب مكاتب بيع أشرطة الأغاني بعدم إذاعة أي أغان، واستبدالها بالأناشيد الحسينية أو ما تسمى اللطميات، وتم إبلاغ أصحاب المطاعم والكازينوهات (المقاهي الشبابية العامة) ومدن الألعاب بعدم تشغيل الأغاني، وهناك تعليمات غير مباشرة بعدم إقامة مناسبات الزفاف والأعراس".

وأضاف: "من يقوم بنشر هذه التعليمات الحشود الشعبية وبعض الحشود العشائرية، وبالطبع لا يمكن مناقشة هذه الفصائل المسلحة أو الاعتراض عليها؛ لأنها تمتلك صلاحيات واسعة حتى إنها تعمل فوق الأجهزة الأمنية، وأي اعتراض اليوم من موصلي على أي قرار حكومي أو أمني يتم إلصاق تهمة الانتماء لتنظيم داعش به، لذلك يلتزم غالبية الأهالي السكوت لأن هذه التهمة تقود صاحبها للإخفاء القسري وربما الإعدام".

- مظاهر شيعية دون وجود شيعي

وبعد تحرير مدينة الموصل من تنظيم "داعش" انتشرت العديد من المكاتب المرتبطة بأحزاب حاكمة شيعية في بغداد، مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى ومنظمة بدر، وتقوم عناصر عسكرية ومدنية تحمل أعلام الحشد الشعبي أو باجاته، سواء على ملابسها أو السيارات التي تقودها، بمهام أمنية منها الانتشار بالمناطق أو إقامة نقاط تفتيش.

ومن تلك المظاهر التي لا تنتمي لسكان المدينة، نظمت تظاهرة قبل عشرة أيام ضد استفتاء إقليم كردستان من قبل مليشيات منظمة بدر، ومليشيات بابليون المسيحية التي يقودها ريان الكلداني، المرتبط بمكتب نائب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء السابق (سيئ الصيت) نوري المالكي، ورفعت في التظاهرة رايات حسينية ورايات الحشد، وجيء بنحو ألف شخص من مناطق الشيعة الشبك والتركمان للوقوف بالتظاهرة.

ولم يكن رفع الرايات الحسينية مقتصراً على العجلات العسكرية بل تعداها إلى الكثير من المباني؛ الأمر الذي أثار حفظية الكثير من أهالي الموصل خصوصاً التي رفعت على بوابة الجامعة.

2221

اقرأ أيضاً :

500 طفل فرنسي يقبعون بمناطق "داعش" في سوريا والعراق

يقول المواطن مصطفى ياسر (47 عاماً): "كانت جامعة الموصل مؤسسة علمية بحتة، بالرغم من محاولات الكثير من الأحزاب والقوى السياسية والدينية التدخل بشؤونها بعد عام 2003، لكن ما يجري اليوم من وضع رايات حسينية على بوابتها الرئيسية وعلى جدرانها أمر يجب تداركه".

وأضاف: "لسنا ضد الراية الحسينية فهي لإخواننا الشيعة، لكن الجامعة ليست لمكون أو طائفة معينة، كما أن الموصل مدينة مدنية فلماذا إقحامها بأمور تثير حفيظة عدد من أهلها الذين لا يقبلون بأي راية ترفع غير العلم العراقي؟".

وبحسب أهالي الموصل، فإن عدداً من المسلحين الذين يرتدون الزي المدني ويستقلون عجلات مدنية، قاموا منذ دخول شهر محرم برفع رايات حسينية على غالبية المباني الحكومية، بما فيها المستشفيات والجامعة، إضافة إلى الرايات التي رفعتها القوات الأمنية عند نقاط التفتيش أو على مقارها أو عند مداخل مقارها.

واستهجن ناشطون عبر منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي هذه الظاهرة لكونها أمراً مستحدثاً على الموصل، ولأنها لا تمثل ثقافة المدينة ولم تكن ترفع بالسابق.

يقول أحمد الملاح، الناشط والكاتب من أهالي الموصل في منشور على صفحته على موقع الفيسبوك، بعنوان "بوابة جامعة الموصل": إن "الجامعة مكان للعلم يفترض أن يبقى بعيداً عن المظاهر الدينية بكل أشكالها، وثانياً الكل يعلم أن الموصل مدينة سنية فلماذا هذا الاستفزاز لأهلها؟ الحسين للجميع ولكن لكل منا طريقه الخاص في الاقتداء، فلماذا تزعجني بوضع راية دينية على مدخل مؤسسة علمية؟".

وأضاف: "لمن يبحث عن عدم الطائفية والعراق الموحد ويعيب علينا الانزعاج من الرايات الطائفية، تفضل ضع راية عليها اسم عمر أو عائشة في النجف أو كربلاء ثم ضع ما تريد في الموصل. وأكثر من يحزنني هم دعاة المدنية والعلمانية والليبرالية، لماذا يخرسون عندما تكون التجاوزات "الدينية" من طرف معه سلاح؟".

وأوضح الملاح: "جهودنا في إرسال رسائل السلام، ودماء الشهداء التي لم تجف بعد، لا تضيعوها بتصرفات أقل ما يقال عنها صبياني".