سلاحها "الخشخشة".. رقصة سودانية لطرد الجن وفك السحر

قبعات السعف على رؤوس الصبايا اليانعات، وخصورهن مربوطة بأطراف ثيابهن المزركشة ذات الألوان الحامية والصارخة، تشكل الاستعدادات الأساسية للقيام برقصة "الكلش" في السودان.

تحمل الفتيات أطباقاً مصنوعة من السعف ويقرعن على آلة القرع المجوفة والمحشوة بحصى وحبيبات رمل، وتعرف محلياً بـ(الكشوش) جمعها (كشاكيش) وتصدر أصواتاً كالخشخشة، يرقصن على إيقاعها وعلى أنغام (الوازا) وهي آلة نفخ موسيقية مؤلفة من عشر أبواق بأحجام وأطوال مختلفة، تصدر أنغاماً فريدة وساحرة. تسع منها مصنوعة من نبات القرع، أما البوق الأخير والأهم فهو مصنوع من قرون البقر.

-ضربة البداية

على إيقاع (كشاكيش) القرع وأصوات بوق الوازا المؤلف من عشر قطع هي "دوالا، لوقندو، أزالو، أوقندو، مشونق، أقمبور، ديل ديل، إناَ أنقاتيتيه، إنا أنشورو، وبلوم"، بحسب عبد القادر إبراهيم الباحث في الإيقاعات الشعبية السودانية، تمارس رقصة الكلش التراثية المنتشرة بين قبائل منطقة جنوب النيل الأزرق على الحدود السودانية الأثيوبية جنوب شرقي السودان.

- رقصة الليل والسحر

يصف الباحث إبراهيم المشهد الراقص لـ"الخليج أونلاين" بدقة متناهية، فيقول: "تصطف الصبايا في زيهن المميز، خلف الصِّبية مباشرة على هيئة قوسين، ثم يبدأ أحد الأبواق (العاشر من الوازا المعروف بـ(بلوم) وهو عبارة عن قرن ثور مجوف) في إصدار خمس نغمات رخيمة متتالية، تتداخل معها إيقاعات (كشاكيش) القرع، ثم يشير رجل يحمل عصاة صغيرة ويؤدي دور (المايسترو) إلى بقية المجموعة بالدخول، فترتفع أصوات الأبواق تدريجياً وبوتيرة متصاعدة حتى تبلغ ذروتها، ويشرع الجميع في الرقص فيتداخل قوس الصبايا مع قوس الصِّبية في حركات إيقاعية محسوبة ودقيقة".

وتابع: "تتحرك الفتيات نحو الشباب بتناغم ودقة، وهن يضربن الأرض بأرجلهن ويقرعن على (كشاكيش) القرع، حتى يتداخل القوسان، ويشكلان زوايا حادة، وأقواساً ودوائر سرعان ما تنداح فتؤول خطوطاً مستقيمة، ما تلبث أن تلتئم سيرتها الأولى بتغير الإيقاعات، أو انتقال صوت المغني إلى طبقة أخرى، وكأنهن يصعدن على حباله الصوتية، ثم يهبطن منها على إيقاعات الكشكوش وأنغام الوازا".

-مطاردة الجن

وفي السياق تفسر الباحثة النفسية والاجتماعية سامية الجاك، في حديثها لـ"الخليج أونلاين"، الاعتقاد الشعبي لرقصة الكلش من وجهة نظر علم النفس، قائلة: "الملاحظ أن الكلش رقصة لا تمارس نهاراً، إنها رقصة الليالي المقمرة في تلك الأصقاع الأفريقية النائية، إذ يعتقد السكان المحليون بأنها علاج للسحر، وأنغامها وإيقاعاتها تجعل الجن من ساكني أجساد البشر يهربون".

وتضيف: "الإيقاعات والأصوات الصادرة عن (الكشاكيش والوازا) ما هي إلا تعاويذ مُنغمة تقلق راحة الجن المتحصن في الأجساد الآدمية وتصيبه بالفزع فيهرب؛ لذلك فإن هز الجسد والتمايل به عبر رقصة الكلش تفتح له نوافذ ومسامات يهرب من خلالها إلى الخارج، تاركاً الأجساد خفيفة والأرواح نقية وشفافة، بحسب اعتقاد ممارسي الرقصة".

اقرأ أيضاً :

الحبشة و"التغلغل الصامت".. ماذا تعرف عن اللغة العربية في إريتريا؟

إلى ذلك، اعتبرت "الجاك" أن ثمة علاقة بين رقصة الكلش وطقوس "الزار" المنتشرة في مصر والسودان وأثيوبيا وإريتريا، خاصة فيما يلي طريقة الرقص والإيقاعات المستخدمة في كلتيهما، علاوة على الاعتقاد السائد في الحالتين بطرد العفاريت والجن.

لكنها عادت لتؤكد مجدداً أن الكلش رقصة شعبية تراثية أكثر من كونها طقساً روحانياً كما هو في الزار، لكن هذا لا ينفي بعض التقاطعات بينهما.

وأضافت: "هنالك شح وندرة في الدراسات المتعلقة بتاريخ رقصة الكلش، إلاّ أن الراجح أنها رقصة قديمة ذات صلة ببعض الطقوس الدينية ما قبل الإسلام، وقد استلهمها بعض رجال الطرق الصوفية (الدراويش) إبان حقبة السلطنة الزرقاء (مملكة الفونج)، مثل الشيخ سلمان الزغرات ورهطه ومريديه، لكنها ما لبثت أن انحسرت مع زوال تلك المملكة، وهي تمارس الآن في نطاق ضيق كتراث شعبي لقبائل جنوب النيل الأزرق مثل الفونج والأنقسنا والوطاويط والقمز وغيرهم".