• العبارة بالضبط

"الأزهر" في زمن العسكر.. مهادنة لا تخلو من مواجهات

منذ أنشأه جوهر الصقلي، قبل أكثر من عشرة قرون ونصف قرن، كان الجامع الأزهر منارة للنضال وتقدّم الصفوف في وقت الجد، وإن كان الرؤساء المصريون ما بعد إعلان الجمهورية في خمسينيات القرن الماضي، قد نجحوا في تقليم أظافره، وإن لم يفلحوا في نزعها تماماً.

فالجامع، الذي بناه الفاطميون سنة 972 ميلادية، تحوّل لاحقاً إلى جامعة، وخاض غمار المعارك في وجه الاحتلال حيناً، وفي وجه الحكام من أبناء البلد أحياناً، وحمل جذوة النضال الفكري والسياسي، وتقدّم الصفوف في كثير من أوقات الحرب والمقاومة والنزاعات الفكرية، ونافح عن الأمة كلها في كثير من المواقف.

ومن مواجهة الاحتلال الفرنسي إلى تنصيب الوالي محمد علي حاكماً للبلاد، مروراً بدعم الضباط الأحرار والاختلاف معهم، وانتهاء بدعم الثورة على حسني مبارك، ثم تأييد انقلاب العسكر على محمد مرسي، أول رئيس مصري مدني منتخب، قطع الأزهر مسيرة طويلة اتسمت بالمواجهة حيناً وبالمهادنة أحياناً، لكنها أكدت فرضية امتلاكه قدرة ربما فعلت الكثير لو رافقتها إرادة صلبة، لسان حال بعض خريجي الأزهر.

ازهر

- تحجيم

ومنذ أسقط الضباط الأحرار نظام الملكية عام 1952، وحتى الآن، اتخذ الأزهر، عموماً، جانب الدولة، بعدما فقد كثيراً من سلطاته عقب قانون 1961 الذي نظّم شؤونه، وفصل بين الجامع والجامعة، ونزع عنه الكثير من تأثيره واستقلاليته، حتى بات أشبه بوزارة حكومية تعمل داخل دولاب الدولة.

وعقب انقلاب يوليو 2013، الذي أيده الأزهر، غلبت على المؤسسة نزعة التواري وراء جدر الصمت، لكنه استطاع، مطلع العام الجاري، أن يثبت في مواجهة عبد الفتاح السيسي، مؤكداً أنه ليس جثّة هامدة، ولا مريضاً في غرفة الإنعاش، كما يُعتقد.

وقد استخدمت الدولة الأزهر، بعد تحجيمه، ذراعاً لحروبها مع الجماعات الدينية مثل الإخوان المسلمين، والحركة الوهابية بالمملكة العربية السعودية. وقد اتسمت سياسة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بالسعي الدؤوب لتقليص دور الأزهر، كما ينظر إلى ذلك بعض المؤرخين.

وبعد توليه الحكم في 1970، حاول أنور السادات منح الأزهر مساحة من الاستقلالية، ولكن سرعان ما انهزمت هذه الرغبة أمام الضغوط الدولية، فبدأ الحد من الدور الرسمي للأزهر، مع الحفاظ على الاحترام والتقدير له.

محمود

وعندما زاد التوتر بين الأطراف الرسمية والشعبية على خلفية معاهدة السلام مع الاحتلال الإسرائيلي سنة 1978، اتخذت الدولة من الأزهر ذراعاً في الدفاع عن اتجاهها السياسي، وخرجت الفتاوى من كبار علمائه بجواز الصلح مع "إسرائيل"، رغم وجود فتاوى سابقة تحرم التعامل معهم واعتبارهم عدواً يجب جهاده.

أما بدايات حكم حسني مبارك فشهدت منح بعض الصلاحيات للأزهر الشريف، لكنها كانت صغيرة، وبعد وفاة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، الذي سعى لاستعادة الاستقلال المسلوب، سعت الدولة لاحتواء الأزهر على نحو أكبر، عبر اختيار شخصية تتماشى مع سياستها العامة.

وقد حصل هذا التناغم مع شيخ الأزهر السابق الدكتور محمد سيد طنطاوي، الذي حصلت تغييرات جذرية في عهده، حتى أضحى الأزهر تحت إدارة رئيس مجلس الوزراء بعدما كان شيخ الأزهر لا يعلوه في البلد إلا رئيس الجمهورية، وأصبحت ميزانية الأزهر تابعة لمجلس الوزراء، وكثيراً ما كان يصرّح (طنطاوي) أنه موظف في الدولة.

طنطاوي

وفي 19 مارس 2010، اختير الدكتور أحمد الطيب، الذي كان عضواً في لجنة سياسات الحزب الوطني المنحل، شيخاً للأزهر، خلفاً لطنطاوي. وقد حثّ (الطيب) الخُطا نحو لمّ شمل المؤسسات الدينية تحت قيادة مشيخة الأزهر.

لكن ذلك لم يمنع الأزهر من الانصياع لمقتضيات الدولة العسكرية أو العلمانية كما يسميها البعض، فدعمها، وهي التي طالما قلّصت دوره وقلمت أظافره، وأضحى تعيين الأئمة والخطباء وكل موظفي الأزهر بموافقة من أمن الدولة.

الطيب

ويمكن القول أيضاً إن الأزهر العريق صاحب التاريخ والجدران الشامخة في قلب منطقة مصر الفاطمية، تمرّد على تبعية الدولة مراراً، لكنه كثيراً ما عاود الاحتماء بالصمت، وسلك طريق الموظفين في التعاطي مع الأحداث التي تحتاج مناضلين لطالما خرجوا من بين أروقته.

وقد أفتى الأزهر بأن المظاهرات التي تخرج بعزل الحكام ذوي الخلفية العلمانية حرام شرعاً، في حين أنهم أباحوا ذلك في عهد الرئيس ذي الخلفية الإسلامية، محمد مرسي، والذي سعى لاستقلال الأزهر، والذي شهد عام حكمه انتخاب مفتي الجمهورية لأول مرة في تاريخ البلاد.

ورغم تأييده للانقلاب، أملاً في البقاء على ما يبدو، فقد شنّت أذرع السيسي على الأزهر حرباً دفعت شيخه للاحتماء بهيئة كبار العلماء، مصدراً باسمها بيانات وتصريحات وفتاوى تصادم اتجاه الدولة بل وتصادم تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي مباشرة.

وقد مثّل رفض الهيئة مطالبة السيسي الصريحة بعدم وقوع الطلاق الشفهي، ثم بيانها حول انتقاد مناهج الأزهر ووصمها بأنها "أسّ التطرّف ومفرخة الدواعش"، ذروة الخلاف بين الطرفين، وشهدت الشهور الأولى من العام الجاري تصعيداً لم يكن متوقعاً من المؤسسة التي أكدت أن أظافرها وإن كانت مقلّمة فإنها باقية.

الازهر 1

ورغم موقفه الأميل للمهادنة من عبد الفتاح السيسي، والذي يناقض مناهضته العلنية لمحمد مرسي، فقد أثبت الأزهر، مطلع 2017، أنه لم يدخل في موت سريري، وأنه قادر على مجابهة عاصفة السيسي، وأذرعه، حتى النهاية؛ عندما طالب هؤلاء جميعاً بالابتعاد عنه وتجنّب جرّه لحرب هو قادر على خوضها، ليثير بذلك تساؤلات عمّا دفعه ويدفعه للتخلّي عن الاستمرار في مثل هذه المواقف.

مرسي

والظاهر أن تلويح الأزهر بعصا المواجهة قد أعاد خصومه إلى صوابهم، وأشعرهم بقوة كامنة تحت طبقات كثيفة من الصمت، بعدما ظنّوا أن حملة إعلامية هنا، أو مقالة صحفية هناك، ستجبره على الانضمام إلى كورال السلطة التي يبدو غير عازم على الانخراط فيها، حتى اللحظة، وهو موقف يتسم بمراوحة بين المواجهة والانسحاب والتحرّك والسكون، ويثير هو الآخر تساؤلات حول ما يحتفظ به الأزهر من قدرة وما يملكه من إرادة.

وطوال السنوات التي أعقبت عزل مرسي، حاول شيخ الأزهر النأي به عن تجاذبات السياسة، وجعله مستقلاً، لكنه فشل، كما يقول الكاتب الإسلامي مسعود صبري؛ بسبب بعض أخطاء الإسلاميين الذين خوّفوا إدارته الحالية من الإطاحة بها، كما أن السلطة الحاكمة حالياً لم تترك لشيخ الأزهر سوى خيار التبعية لها، آملاً في الحفاظ على المؤسسة.

وفي مقال بموقع "إسلام أونلاين"، في مايو 2017، يضيف صبري: "يبدو أن الأحداث غيّرت من وجهة نظر الأزهر، فرأى أن السلطة الحالية لا تحارب الإسلاميين وحدهم، بل إنها تتجه لتغيير خريطة الأزهر السياسية، حتى تكون أكثر طوعاً للدولة".

اقرأ أيضاً:

48 شيخاً للأزهر.. تاريخ علم وسياسة من "الخرشي" إلى "الطيب"

- الثورة والانقلاب

عقب ثورة يناير 2011، قال شيخ الأزهر في حوار مع قناة "العربية": "إن الأنظمة العسكرية التي أعقبت النظام الملكي عملت على تدجين الأزهر"، واصفاً مرحلة حكم عبد الناصر بأنها "أول مراحل ضعضعة المؤسسة".

وفي 31 يناير 2011، أصدر الطيب، وعدد من المثقفين والمفكرين، وثيقة "الربيع العربي" الداعمة لإرادة الشعوب العربية في تحقيق الديمقراطية، والتي وجهوا فيها الدعوة إلى الحكام والرؤساء بضرورة الاستجابة لمطالب شعوبهم.

وأكدت الوثيقة مناصرة علماء الأزهر وقادة الفكر والثقافة لإرادة الشعوب العربية في التجديد والإصلاح، التي انتصرت في مصر وتونس وليبيا، ولا تزال محتدمة في سوريا واليمن.

- قوة صامتة

عندما أطاح الجيش بمحمد مرسي كان شيخ الأزهر حاضراً في قلب المشهد، منصتاً إلى بيان العزل الذي ألقاه السيسي في 3 يوليو 2013، عندما كان وزيراً للدفاع، حتى ظنّ البعض أن الأزهر قد دخل عصر التدجين بامتياز.

لكن (الطيب) سارع، بعد مذبحة الحرس الجمهوري في 8 يوليو، للمطالبة بإخلاء المعتقلين، وتشكيل لجنة للمصالحة الوطنية، ليعتكف بعدها ببيته، قبل أن يتبرَّأ من مذبحة فض اعتصام ميداني رابعة العدوية والنهضة في 14 أغسطس، مؤكداً عدم علمه المسبق بإجراءات الفضّ.

عزل

وبرز الخلاف الخفي بين الأزهر والسلطة الحالية، عندما أفصح السيسي عن ضيق صدره بعدم انصياع الأزهر الرسمي لرغباته المتعلقة بـ"تجديد الخطاب الديني"، مخاطباً إياه، في 24 يناير 2017، بقوله: "تعبتني يا مولانا"، وذلك رداً على موقف الطيب الرافض للطلاق الشفهي.

حديث السيسي هذا لم يكن تملّقاً بقدر ما كان تهديداً، وعلى الفور التقطت أذرع السيسي الإشارة وشنّت الهجوم على المؤسسة التي ظنّوا، وظنّ غيرهم، أنها باتت جدراناً يسكنها الإقرار بالأمر الواقع، لينزع الأزهر عن نفسه دثار الصمت، مصدراً بياناً كان الأعلى في وجه السيسي.

وبعدما ظنّ مؤيدو السيسي، ومناهضوه أيضاً، أن نَفَس المؤسسة التاريخية قد انقطع، وأنها ركنت إلى الخوف بحثاً عن الأمن، عاد أحمد الطيب ليؤكد أن صمت الأزهر ليس خوفاً ولا هرباً، بقدر ما هو نأي بالنفس عن خلافات السياسة، ومعلناً قدرته على خوض حرب أشد ضراوة وأكثر تقحّماً من تلك التي شُنّت عليه.

الطيب والسيي

وقد شنّ شيخ الأزهر هجوماً ضمنياً حاداً على السيسي؛ فتحدّث عن تردي أوضاع حقوق الإنسان وحال البلاد والعباد، مشيراً إلى آلاف القابعين في السجون بلا ذنب.

وتساءل الطيب: "هل حقوق الإنسان الأوروبي هي النموذج الذي يجب أن يعمم على العالم؟ وهل يجب على المسلمين جميعاً أن يبيحوا الشذوذ الجنسي والإجهاض، أو هي حقوق الإنسان الشرقي المتدين بدينٍ له حقوق تختلف عمّا يدعيه أنصار حقوق الإنسان في الغرب، الذي أدار ظهره للدين منذ قرون؟".

السيسي

ولتأكيده ثبات مؤسسته، قال الطيب: "إن أحداً لا يمكنه النيل من الأزهر؛ لأنه من صنع التاريخ، فلم تبنِه قناة ولا برنامج ولا أموال مدفوعة"، مضيفاً: "ما بناه التاريخ لا يُهَدُّ أبداً".

ورغم قبوله، لاحقاً، بالهدنة مقابل كفّ الألسن، فقد أثبت الأزهر، بموقفه هذا، أنه قادر على التصدي، وأنه لم يصل بعد إلى مرحلة الموت السريري، كما يُقال.

وإجمالاً يمكن القول إن الأزهر لوّح بعصا المواجهة ثم أعادها وراء ظهره، بعدما كفّت الألسن وهدأت العاصفة، الأمر الذي يؤكد حقيقة أنه يملك من القدرة والإرادة ما لا يعرفه لا هو ولا السلطة الحاكمة.