أسرار المصالحة الفلسطينية.. هل بدأت تسوية القضية بـ"صفقة القرن"؟

عشر سنوات وأربعة أشهر هي عمر الانقسام الفلسطيني، الذي جاء نتيجة اقتتال داخلي انتهى بسيطرة حركة حماس، منتصف يونيو 2007، على قطاع غزة، وطرد عناصر "فتح" والسلطة خارجه، وفشلت خلال تلك السنوات جميع الوساطات المحلية والعربية والدولية في تحقيق الوحدة بين الحركتين طرفي النزاع.

وبصورة مفاجئة، وخلال 72 ساعة فقط من الحوار في العاصمة المصرية القاهرة، بين وفدين من "فتح" و"حماس"، تم الإعلان عن مصالحة داخلية، بدأ تنفيذ أول بنودها على الأرض بسرعة غير مسبوقة وبالتزام من الحركتين، الأمر الذي فاجأ الجميع، وفتح باب التساؤل لدى الشارع الفلسطيني حول ما جرى بـ"الغرف المغلقة" في القاهرة والتلميع "المبالغ فيه" للدور المصري، والأهم: لماذا الآن؟ وهل المصالحة مرتبطة بتسوية قادمة للقضية الفلسطينية بشروط دولية جديدة بعد سقوط الفيتو الأمريكي والإسرائيلي؟

ووسط صمت مسؤولي "فتح" و"حماس" حول المرحلة المقبلة بعد المصالحة، وضع مبعوث الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط، جيسون غرينبلات، أسساً لها، وقال: "أيُّ اتفاق على حكومة فلسطينية تشارك فيه (حماس) لن يمر دون تبنّي الحركة الشروط المسبقة للرباعية الدولية؛ وهي الاعتراف بـإسرائيل واحترام الاتفاقيات ونبذ الإرهاب".

اقرأ أيضاً:

هنية يلتقي رئيس مخابرات مصر ووزراء "الوفاق" يباشرون في غزة

- مَن المستفيد؟

كما حدد رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، ثلاثة شروط لقبول المصالحة الفلسطينية، مرتبطة بالاعتراف بدولة الاحتلال ويهوديتها وحلّ الجناح العسكري لحركة حماس، فضلاً عن قطع الأخيرة علاقتها مع إيران، الأمر الذي اعتبرته صحيفة "هآرتس" العبرية "مخالفاً لواقع ما يدور داخل إسرائيل".

فكشفت الصحيفة العبرية بعض "المستور" في هذا الملف، وقالت: "إنه وعلى الرغم من مهاجمة رئيس حكومة الاحتلال المصالحة الفلسطينية، فإن الموقف الإسرائيلي العام يدعم المصالحة كمخرج لما آلت إليه الأمور بقطاع غزة".

وذكرت الصحيفة أن نتنياهو وليبرمان سمحا بمرور قافلة الحكومة الفلسطينية من رام الله إلى غزة والتي تضم عشرات المركبات ذات اللوحات الفلسطينية دون إعاقة، ما يعني وجود مصلحة إسرائيلية في تحسين الأوضاع الإنسانية بالقطاع، وصولاً لحل سياسي شامل.

تركيا كان لها موقف مغاير عن بيانات الترحيب التي صدرت عن الكثير من الدول العربية والأوروبية، فحذر وزير خارجيتها، مولود جاويش أوغلو، مما قال إنها "مكائد" تُحاك تجاه فلسطين، لافتاً إلى أن بعض دول المنطقة تعمل على تغيير السلطة الفلسطينية، وتنصيب "دُمى" تابعة لها على رأسها.

وقال أوغلو، في تصريحات نُشرت له على وكالة "الأناضول" التركية الرسمية: إن بلاده "ترى كل تلك التهديدات"، وإن "السلطة الفلسطينية أيضاً تدرك المخاطر المحدقة بها".

أحمد مجدلاني، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أكد لـ"الخليج أونلاين"، أن المصالحة الفلسطينية الداخلية، جزء من التحرك العربي والدولي الكبير لإحياء عملية السلام في المنطقة، بعد توقفها سنوات طويلة.

- المصالحة و"المناخ السياسي العام"

وقال: "لا يمكن فصل التطورات التي جرت بالمصالحة بين حركتي فتح وحماس عن المناخ السياسي العام، والتحركات التي تجري من قِبل بعض الدول الهامة لتحريك ملف المفاوضات السياسية بين السلطة الفلسطينية والجانب الإسرائيلي".

وأوضح مجدلاني أن السلطة الفلسطينية متمسكة بتحقيق المصالحة الداخلية وإعلان الوحدة، لتكون مدخلاً لحوار سياسي شامل، يقودنا في النهاية إلى استعادة الحقوق الفلسطينية من خلال مفاوضات جادة وواضحة برعاية أمريكية ودولية وعربية.

اقرأ أيضاً :

سلاح المقاومة بغزة.. لغم قد يفجر المصالحة الفلسطينية

من جانبه، عبَّر نايف الرجوب، القيادي البارز في حركة حماس بالضفة الغربية المحتلة، عن تخوفه مما يجري خلف كواليس تحركات المصالحة الجديدة، محذراً من أن "تكون المصالحة الداخلية باباً لتمرير سياسات خطيرة تجاه القضية والمشروع الوطني، بهدف تصفيته لصالح إسرائيل".

وأكد الرجوب لـ"الخليج أونلاين"، أن الموقفين الأمريكي والإسرائيلي من المصالحة يضعان علامات استفهام كبيرة، حول ما يُطبخ للقضية بعد ذلك، مشيراً إلى أن توقيت المصالحة في ظل الحديث عن "صفقة القرن"، من قِبل الإدارة الأمريكية ومبادرات سياسية لإحياء مشروع التسوية بعد موته طوال السنوات الماضية، يثير الكثير من الشك والتخوف.

ودعا القيادي في حركة حماس، المسؤولين الفلسطينيين لعدم الوقوع بالفخ من جديد، والتركيز على إنجاز مصالحة حقيقية دون تقديم أي تنازلات أو الدخول بصفقات يكون المتضرر منها الفلسطينيين والمستفيد هو المحتل الإسرائيلي.

ومصر التي ترعى الآن اتفاق المصالحة الفلسطينية، تسعى خلال نهاية العام الجاري، لعقد مؤتمر سلام في مدينة شرم الشيخ، يجمع السيسي ونتنياهو، والملك الأردني عبد الله الثاني، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، لإحياء مشروع "التسوية" في منطقة الشرق الأوسط.

الرئيس المصري طالبَ، في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ72، والتي انطلقت في (19 سبتمبر 2017)، بمعالجة القضية الفلسطينية، داعياً الشعب الفلسطيني إلى "الاتحاد خلف هذا الهدف، والاستعداد لقبول التعايش مع الإسرائيليين في أمان".

كما دعا السيسي "الشعب الإسرائيلي" إلى "التمعّن في تجربة السلام مع مصر"، متحدثاً عن أن "أمن وسلامة المواطن الإسرائيلي جنباً إلى جنب مع أمن وسلامة نظيره الفلسطيني يعدّ هدفاً لخطوة السلام الجديدة"، التي طالب جميعَ الدول بدعمها.

وتوقفت المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية في أبريل 2014؛ بعد رفض سلطات الاحتلال وقف الاستيطان والإفراج عن أسرى قدامى، وقبول حل الدولتين على أساس دولة فلسطينية على حدود 1967 عاصمتها القدس الشرقية.

اقرأ أيضاً:

حكومة الحمد الله تنهي اجتماعها في غزة دون الإعلان عن رفع العقوبات

- طبخة خطيرة

الكاتب والمحلل السياسي شرحبيل الغريب، رأى أن هناك "طبخة سياسية خطيرة" يجري الإعداد لها من قِبل مصر وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية؛ لتفعيل "التسوية" من جديد بعد فشل استمر أكثر من 22 عاماً، وقد تكون المصالحة الفلسطينية البداية.

وأضاف الغريب لـ"الخليج أونلاين"، أن "رفع الولايات المتحدة الأمريكية الفيتو والحظر عن المصالحة، والتحدث عن شروط (غير جديدة)، يؤكدان أن هناك ضوءاً أخضر لإتمامها تمهيداً لشيء أكبر من ذلك، متعلق بصفقة سياسية كبيرة ستُطرح قريباً على المنطقة ويكون الطرف الفلسطيني الأساسي فيها".

وكان موسى أبو مرزوق، عضو المكتب السياسي لحركة حماس، صرّح بأن الولايات المتحدة الأمريكية قد رفعت الحظر الذي كانت تفرضه سابقاً على إتمام المصالحة.

وأضاف: "وصلت لنا معلومات من مصادر خاصة بهم، وأخرى من دبلوماسيين غربيين، تؤكد أن الولايات المتحدة رفعت الفيتو عن المصالحة الفلسطينية، وهذا ما أشارت إليه تقارير صحفية أمريكية؛ بأن هنالك تغييراً في سياسة الإدارة الأمريكية".

"تطورات المصالحة باتت مرتبطة فعلياً بالتحركات السياسية في المنطقة وهي جزء منها، والولايات المتحدة الأمريكية تعلم تماماً أنه من دون مصالحة بين (فتح) و(حماس) لن تتحقق أيَّ تقدُّم في النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي، وكل الوساطات والتدخلات للملف تمت بمشاورة إسرائيل"، يضيف المحلل السياسي "الغريب".

ويتابع حديثه: "الولايات المتحدة، من خلال دعمها المصالحة، تريد إزالة العقبات أمام السلطة الفلسطينية للمشاركة في الحلول السياسية المقبلة للقضية الفلسطينية، والتعامل معها بشكل إيجابي، بما يتماشى مع التحرك والتوجه الجديد".

- ليس قرار "فتح" و"حماس"

في حين قال المحلل السياسي إبراهيم أبراش: إن "التحرك الغريب والجديد بملف المصالحة، يؤكد أنه ليس قراراً من قِبل (فتح) و(حماس)؛ بل خيار إسرائيل في إطار المعادلة الإقليمية والدولية. والسقوط المفاجئ للفيتو الأمريكي والإسرائيلي والأوروبي عن هذا الملف، يؤكد أن المصالحة باتت جزءاً من معادلة جديدة للشرق الأوسط تندرج فيما يسمى (الصفقة التاريخية)".

وأضاف أن "التحول السريع والمفاجئ يطرح تساؤلات كبيرة، وبات أصحاب القرار السياسي حذرين وملمّين بحقل الألغام الذي يحيط بالجهود الوطنية الصادقة لإنجاز المصالحة، وخصوصاً من جهة تداخل ملفي المصالحة والتسوية السياسية المرتقبة، وسيتم توظيف تحريك ملف المصالحة لصالح المعادلة الدولية الجديدة".

وكان وزراء حكومة الوفاق الفلسطينية قد تسلَّموا، الثلاثاء الماضي، مقار وزارات في قطاع غزة، عقب عقد أول اجتماع وزاري في القطاع منذ عام 2014، بموجب تفاهمات المصالحة التي رعتها مصر مؤخراً.

وأوفد الرئيس المصري، رئيسَ المخابرات العامة خالد فوزي، لحضور اجتماع مع الرئيس الفلسطيني عباس في مدينة رام الله بالضفة الغربية، ورئيس الحكومة الفلسطينية رامي الحمد الله، ولقاء إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في غزة.