• العبارة بالضبط

ما هي العقوبات الأمريكية التي أنهكت السودان طوال 20 عاماً؟

لم يكن يوم الجمعة 6 أكتوبر 2017، عادياً بالنسبة للحكومة السودانية، فقد انتهى خلاله أكبر كابوس عاشته خلال الأعوام العشرين الماضية، بإعلان وزارة الخارجية الأمريكية رسمياً رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على الخرطوم.

هذه اللحظة التاريخية قالت فيها الولايات المتحدة، إنها جاءت اعترافاً "بإجراءات إيجابية اتخذتها حكومة السودان للحفاظ على وقف الأعمال العدائية بمناطق النزاع على أراضيها، وتحسين وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع مناطق البلاد".

وسيترتب على القرار الأمريكي الذي طال انتظاره في أروقة القصر الجمهوري بالخرطوم، دخول الاقتصاد السوداني في مرحلة انتعاش تدريجي لم يشهدها منذ عام 1997، بعد أن يعود للمنظومة الاقتصادية العالمية.

- ماهيّة العقوبات

ولكن ما هذه العقوبات التي أنهكت الاقتصاد السوداني وأقحمته في عزلة دولية وأزمات متتالية، وزادت من معدلات الفقر والبطالة في البلاد الغنية بالموارد؟

العقوبات بدأت في 12 أغسطس 1993، عندما أدرجت الولايات المتحدة السودان على لائحة الدول الراعية للإرهاب، عقب استضافة الأخيرة لزعيم تنظيم "القاعدة"، أسامة بن لادن، الذي بقي فيها حتى عام 1996.

وهذا البند من العقوبات، الذي لم يشمله القرار الأمريكي الأخير، يعني حظر وصول المساعدات الأجنبية للحكومة السودانية، إضافة إلى منع بيع السلاح والمواد ذات الصلة به.

ورغم مغادرة أسامة بن لادن الأراضي السودانية عام 1996، إلا أن الولايات المتحدة واصلت عقوباتها، وفي العام ذاته، أعلنت عن قطع علاقتها الدبلوماسية مع السودان وأوقفت عمل سفارتها في الخرطوم.

وإن كان ما سبق من إجراءات يصنف في الإطار السياسي وكان بإمكان اقتصاد السودان تحمله نسبياً بشكل أو بآخر، فقد ضيقت واشنطن الخناق تماماً على الخرطوم عام 1997، ببدء فرض عقوبات اقتصادية.

إذ قرر الرئيس الأمريكي الأسبق، بيل كلينتون، تجميد الأصول المالية للسودان، ومنع تصدير التكنولجيا الأمريكية له، وحظر الاستثمار أو التعاون الاقتصادي مع البلاد.

وإن كان هذا القرار ظاهرياً يقتصر تنفيذه على الشركات والموطنين الأمريكيين؛ إلا أن معظم حلفاء الولايات المتحدة ومن يملكون مصالح معها وهم كثر، شملوا أنفسهم بالقرار لتدخل الخرطوم في حصار قطع حبل تواصلها بشكل شبه كامل مع المنظومة الاقتصادية العالمية، وشل عمل مصارفها، وقلّص الاستثمارات الأجنبية فيها بشكل مخيف.

اقرأ أيضاً :

بعد رفع أمريكا للعقوبات.. هل يصبح السودان قبلة للاستثمار الأجنبي؟

ولم يتوقف مسلسل العقوبات الأمريكية عند هذا الحد، بل تطور بشكل متسارع ليصل لمرحلة الهجوم المسلح، ففي أغسطس 1998 شنت الولايات المتحدة هجوماً صاروخياً على مصنع الشفاء للأدوية في السودان.

وزعمت الولايات المتحدة، آنذاك، أن المصنع يقوم بإنتاج المواد الكيميائية التي تدخل في صناعة أسلحة كيميائية.

وشهد العام 2006 تطوراً جديداً، حيث أصدر الكونغرس الأمريكي قانوناً يفرض بموجبه عقوبات ضد مسؤولين سودانيين بزعم مسؤوليتهم عن "الإبادة الجماعية وجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية" بإقليم دارفور، غربي السودان، الذي يشهد نزاعاً بين الحكومة السودانية وحركات متمردة، منذ العام 2003، أسفر عن سقوط آلاف القتلى والجرحى.

وفي العام نفسه اشتدت العقوبات الاقتصادية على الخرطوم، بعد أن أصدر الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش، قراراً بالحجز على أموال 133 شركة وشخصية سودانية، الأمر الذي كبد تلك الشركات خسائر فادحة وزاد من تراجع اقتصاد البلاد.

وبعد نحو 18 عاماً من بدء فرض العقوبات الاقتصادية اتخذت الولايات المتحدة مساراً عكسرياً بعلاقاتها مع السودان، لتسمح في العام 2015، للشركات الأمريكية بتصدير أجهزة اتصالات شخصية وبرمجيات تتيح الاتصال بالإنترنت.

كما أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، في يناير 2017، رفع العقوبات الاقتصادية جزئياً عن الخرطوم، ليتوج ذلك بقرارها الجديد برفع العقوبات كلياً ليتخلص اقتصاد السودان من قيد طالما قيد تقدمه.

ومن شأن القرار الأمريكي الجديد، السماح للمصارف الأمريكية والدولية باستئناف التعامل مع نظيرتها السودانية، بما يشمل إجراء التحويلات المالية، إضافة إلى السماح للشركات الأمريكية بالتصدير والاستيراد من السودان.

كما سيتم بموجب القرار رفع التجميد عن الأصول المالية السودانية والممتلكات، واستئناف التعاملات التجارية التي تشمل المنتجات النفطية والبتروكيماوية.

ومع بدء سريان القرار الأمريكي في 12 أكتوبر الجاري، فإن السودانيين يتلهفون لتحسن ظروفهم المعيشية؛ وتقليص معدلات الفقر والبطالة، وتعويض خسائر اقتصادية بالمليارات تكبدتها بلادهم خلال الأعوام الماضية.

وبحسب الأمم المتحدة، فإن 50% من السودانيين (15 مليون نسمة) يعيشون تحت خط الفقر، في حين يبلغ معدل البطالة في البلاد 20.6%، وفق تصريحات سابقة لوزير العمل والإصلاح الإداري، أحمد بابكر نهار.

كما أن التقديرات الأممية تشير إلى أن 70% من السودانيين يجدون صعوبة في الحصول على الماء والغذاء والتعليم والخدمات الصحية.

ووفق مصادر إعلامية وهيئات اقتصادية سودانية، فقد قدرت خسائر السودان المباشرة من جراء العقوبات الأمريكية بنحو 500 مليار دولار، إضافة إلى خسائر غير مباشرة تبلغ 4 مليارات دولار سنوياً.