• العبارة بالضبط

تركيا وأمريكا.. أزمة جديدة تضع العلاقات على شفير الهاوية

استبشر قسم من الأتراك خيراً بمجيء الرئيس دونالد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، الحليف الأبرز والأكبر لتركيا، بعد أعوام من خذلان إدارة الرئيس السابق باراك أوباما لأنقرة، خاصة في ما يتعلق بالأوضاع في سوريا.

لكن هذا الاستبشار سرعان ما اصطدم بموقف الرئيس ترامب بالسير على خطا سلفه أوباما، والاستمرار في دعم القوات الكردية الانفصالية في سوريا، بالإضافة إلى رفض تسليم فتح الله غولن المتهم بتدبير محاولة انقلاب الـ15 من يوليو 2016 الفاشلة في تركيا.

هذه التصرفات دفعت أنقرة إلى التقرب من موسكو، إلى حد وصلت فيه العلاقات بينهما لدرجة تبني سياسة واحدة في سوريا بعد سنوات من الاختلاف، بالإضافة إلى تزويد روسيا لتركيا، وللمرة الأولى منذ انضمامها إلى حلف الناتو في خمسينيات القرن الماضي، بأنظمة دفاعية، الأمر الذي اعتبر خروجاً عن سرب الحلف الذي يرى في روسيا تهديداً له.

لكن ما لم يكن في الحسبان وعلى الرغم ممَّا حدث أن تصل العلاقات بينهما إلى مرحلة مشوبة بالتوتر، لم تشهد مثيلاً منذ عقود، حين أعلنت الولايات المتحدة، الاثنين، 9 أكتوبر 2017، تعليق جميع خدمات التأشيرات في مقر السفارة الأمريكية بأنقرة وجميع القنصليات الأمريكية في تركيا، باستثناء المهاجرين، الأمر الذي ردت عليه أنقرة بالمثل، لتصبح العلاقات بينهما في مرحلة "حرجة".

وبدأت الأزمة بين البلدين عقب صدور حكم قضائي بحق موظف في قنصلية الولايات المتحدة بإسطنبول، بتهم التعاون مع "الكيان الموازي" التابع لغولن و"التجسس"، في وقت أعلن فيه وزير الخارجية التركي، مولود شاويش أوغلو، عن وجود أدلة خطيرة ضد موظف القنصلية.

-خلافات عميقة

في السادس من مايو الماضي قرر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تسليح مليشيا وحدات حماية الشعب الكردية الانفصالية، في حين أعلنت تركيا مراراً رفضها الدعم الأمريكي لهم، ووصل الحد إلى أن هاجمت الطائرات التركية قواعدها في شمالي شرقي سوريا وقتلت 70 مقاتلاً منهم.

اقرأ أيضاً :

إدلب بين مطرقة الجولاني وسندان حملة عسكرية دولية.. أين تقف تركيا؟

وتنظر أمريكا إلى وحدات حماية الشعب بوصفها شريكاً في الحرب على "داعش"، في سوريا، في حين تعدهم تركيا جماعة إرهابية لا تختلف عن "داعش".

وتقول الحكومة التركية إن لديها الكثير من الأدلة على أن الأسلحة التي قدمها الأمريكيون إلى وحدات حماية الشعب، قد استخدمها حزب العمال الكردستاني ضد القوات التركية ورجال الشرطة.

وخلافاً لنظرائهم في أنقرة، ما يزال المسؤولون في واشنطن يؤكدون أن المجموعتين منفصلتان.

سعيد الحاج، محلل الشؤون التركية، أوضح في حديث لـ"الخليج أونلاين"، أن الأزمة ليست مستقلة بذاتها، بل هي محطة من محطات التأزم في العلاقات بين الجانبين.

وأضاف الحاج: إن "هناك ملفين حساسين يؤثران على العلاقة؛ الأول دعم الفصائل الكردية الانفصالية في سوريا؛ ففي وقت تراها أنقرة إرهابية، تعتمد عليها واشنطن في الحرب على داعش في الرقة".

أما الملف القانوني بحسب الحاج، فهو "قضية تسليم فتح الله غولن الذي تطالب به تركيا مراراً الولايات المتحدة، لكن الأخيرة تبطئ في الموضوع وتباطئ فيه".

كما لفت إلى أن "العلاقات والمصالح المشتركة في قضايا المنطقة تفترق فيها واشنطن وأنقرة، إذ لم تعد الأخيرة تأتمر بأمر أمريكا، كما لم تعد الجبهة المتقدمة لحلف الناتو في مواجهة الاتحاد السوفيتي السابق، ومن ثم بات لها رؤية مستقلة واضحة في سوريا والعراق عن الولايات المتحدة".

-مآل العلاقات

وكانت صحيفة "حرييت" التركية اليومية ذكرت الاثنين 9 أكتوبر 2017، أن شخصاً تتعقبه النيابة العامة التركية مختبئ داخل القنصلية الأمريكية في إسطنبول، كما يشتبه أن زوجة الموظف استثمرت أموالاً في بنك آسيا، الذي كان مملوكاً لمؤيدي غولن. ويخضع البنك حالياً لإدارة حكومية.

وفي مارس الفائت، أوقفت السلطات التركية موظفاً تركياً في القنصلية الأمريكية في أضنة، بتهمة دعم حزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا.

لكن الولايات المتحدة ورغم الأزمة بحاجة إلى تركيا في العديد من ملفات المنطقة، على الرغم من عدم تطابق وجهات النظر، كما أن أنقرة شريك استراتيجي كبير لواشنطن بحلف الناتو (شمال الأطلسي)، وذلك على الرغم من انفتاح أنقرة على موسكو بشكل كبير واستراتيجي.

لكن الحاج رأى من جهته أن أزمة العلاقات التركية - الغربية بالعموم دفعت أنقرة إلى السير نحو موسكو وبكين، لكي تحقق توازناً في سياستها الخارجية، ووجدت معهما تفاهماً في العلاقات حول العديد من القضايا، موضحاً أن هذا التقارب "هو نتيجة في توتر العلاقات مع الغرب وليس سبباً لها".

واستبعد الحاج أن "تؤدي الأزمة الحالية إلى قطيعة كاملة"، مبيناً أنه "استياء وتوقيته جاء بالتزامن مع نهاية مدة السفير الأمريكي في أنقرة جون باس"، متوقعاً "نهاية أزمة التأشيرات على المدى القريب المتوسط".

لكنه استبعد "حل كل الخلافات بينهما، بل ستذهب الأمور إلى تعميقها، ما يعني ذهاب أنقرة أكثر فأكثر نحو الشرق".