في حال تخلّت واشنطن عنهم.. ما خيارات أكراد سوريا؟

باتت الأنظار تتجه نحو دور أمريكا في رسم ملامح المرحلة المقبلة ومواصلة دعمها لحليفها الأبرز؛ الأكراد، الذين يترقّبون مستقبلهم بعد إعلان النصر على تنظيم الدولة في مدينة الرقة السورية، وسط مخاوف من تفجّر كارثة.

وإثر غياب ملامح استراتيجية أمريكية في سوريا، تدور العديد من الأسئلة في حال تخلّت واشنطن عن قوات سوريا الديمقراطية (يقودها تنظيم "ب ي د"، الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني)، ما الخيارات التي ستكون أمامهم؟ وكيف سيكون مستقبلهم إن تركتهم عرضة للتقدّم من قِبل قوات النظام السوري؟

- كارثة أمريكية

المحلل السياسي والصحفي الكردي، محمد زنكنة، أكد أن "سياسة أمريكا تتغيّر حسب المعطيات، ومسألة الانسحاب ما زالت مبهمة لدى إدارتها"، مؤكداً أن "تصريحات واشنطن متضاربة"، ومشيراً إلى أنها "مدّت القوات الكردية بالسلاح، سواء كانت تحارب مع النظام أو ضده".

وقال زنكنة لـ "الخليج أونلاين": إن "أمريكا تُعدّ لكارثة في المنطقة سيواجهها الشعب الكردي"، وبيّن أن "المشكلة الكبرى هي التقاء كل من القوات التابعة لحركة الثورة الإيرانية ممثلة بالحشد الشعبي، وقوات الجيش التركي، والتي ستتورط بها القوات الكردية"، مؤكداً أن "أمريكا تعد العدة لهذا السيناريو".

وتابع: "أعتقد أن هذه الأطراف الثلاثة ستجد نفسها وجهاً لوجه في هذه المنطقة، وستكون منطقة كردستان سوريا ملتقى لمعركة ثلاثية لن يسلم منها الشعب الكردي. أمريكا دائماً تريد تقوية وجودها في أي منطقة تتعرّض لكارثة"، موضحاً أن "الأمريكان يريدون تحريك بقية اللاعبين الأساسيين، بالأخص الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن، لتأتي واشنطن بعدها وتأخذ امتيازات الانتصارات".

من جهته رأى العراقي عزيز بارزاني، المختص في الشأن الكردي والعلاقات الأمريكية الكردية، أنه "خلال الأسابيع القادمة سيتضح إن كان الأمريكان سينسحبون بعد معركة الرقة أو ستكون هناك جولة من المعارك مع المليشيات الموالية للحكومة السورية".

وجدير بالذكر أن المتحدث باسم قوات التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة، العقيد رايان ديلون، أعلن أن قوات سوريا الديمقراطية انتهت من تطهير قرابة 90% من الرقة السورية (شمالاً)، بعد معركة دامت أربعة أشهر، إثر سيطرته على المدينة، منذ يناير 2014، معلناً إياها عاصمة له في سوريا.

اقرأ أيضاً :

صحف بريطانية: تهديدات أردوغان ضد كردستان غير جادّة

- الروس على الخط

بارزاني قال لـ "الخليج أونلاين": إن "أكراد سوريا يسألون ماذا سيكون مستقبلهم في حال انسحبت الولايات المتحدة بعد طرد داعش من الرقة؟"، مبيناً أن "الروس على الخط أيضاً، والأكراد لديهم علاقات معهم".

وتابع المختص في الشأن الكردي: "إذا افترضنا انسحاب أمريكا فسيكون الروس على الخط، وسيحاولون أن يكونوا حلقة وصل بين الأكراد والحكومة السورية، على الرغم من تقارب أمريكا وأكراد سوريا، إلا أن لديهم أيضاً علاقات مع الروس".

وهذا أيضاً ما بيّنه زنكنة لـ "الخليج أونلاين"، إذ قال: إن "الأكراد منفتحون اليوم على الجانب الروسي أكثر"، موضحاً أن "موسكو أعلنت، الخميس 19 أكتوبر، أن هناك اتفاقية للكرد"، وسط إشارة منه إلى أن "الأمريكان مهتمون بمعركة إدلب وما حولها، ودعمهم للجيش التركي حالياً".

- مواصلة دعم وتحالفات

في حين قال مفيد يوكسل، المؤرخ التركي والباحث في الشأن الكردي: إن "واشنطن ستواصل تأييدها للأكراد، وهي تريد أن تتشكل لهم حكومات ودولة". وبيّن أنها ما زالت تدعمهم بالأسلحة، وأن "هناك سيناريو في سوريا لانهيارها إلى ثلاثة دول".

وأضاف يوكسل لـ "الخليج أونلاين": "الآن أمريكا لن تنسحب، وستترك هذه المناطق لمنظمة حزب العمال الكردستاني (تصنّفه تركيا إرهابياً)، وستواصل إعطاءهم الأسلحة"، مشيراً إلى أن "حكومة سوريا تركت هذه المناطق للحزب لتشكل قوة ضد تركيا وغيرها".

كما بيّن المؤرخ التركي أن القوات "ستتحالف في دير الزور، وسيتركون الرقة لحزب العمال الكردستاني، أما دير الزور فمن الممكن تأسيس حكومة سلمية عربية فيها".

صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية طرحت أيضاً سؤالاً، الخميس 19 أكتوبر، عن مستقبل الوضع في سوريا، وخاصة بعد توالي الأنباء عن تقدُّم القوات النظام السوري مدعومة بحلفائها من الروس والإيرانيين، في آخر معاقل التنظيم بدير الزور، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة تركت الخيار لقوات سوريا الديمقراطية بمواصلة التقدم بعد الرقة أو الوقوف.

اقرأ أيضاً :

تركيا وأمريكا.. أزمة جديدة تضع العلاقات على شفير الهاوية

- أهمية وجود أمريكا

وحول أهمية وجود أمريكا من عدمه، في ساحة الحرب السورية الآن، رأى بارزاني أن "انسحاب أمريكا لن يؤثر عليهم، خصوصاً أن مصلحة الروس تقتضي أن تحلّ الأطراف السورية مشاكلها مع الحكومة السورية بالطرق السلمية، وفق تفاهمات جديدة، تصوّر على أساس الحكم الذاتي".

كما أن "هناك خيبة أمل، نحن لا نستفيد منها، ونحاول حفظ حقوقنا، وأن نقرر مصيرنا، اتضح أن المصالح الأمريكية هي مع التوازنات الإقليمية في المنطقة وليس مع الشعوب"، على حد قوله.

ووصف نيكولاس هيراس، المحلل الأمني الأمريكي، أن "الأمر سيكون كارثياً إذا ما قررت أمريكا الانسحاب من المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في سوريا"، أما حسن حسن، الباحث بمركز التحرير في واشنطن، فقال: إن "عدم وجود سياسة واضحة لدى واشنطن في شمال شرقي سوريا قد يقوّض كل المكاسب التي تحققت حتى الآن".

في حين أشار بلال صعب، الباحث في معهد الشرق الأوسط، إلى أن النفوذ الأمريكي في سوريا ربما يكون أضعف من أن يسهم في تشكيل الأحداث. وقال: "مشاركتنا كانت وستظل دائماً محدودة إلى حدٍّ كبير، تركنا الساحة لروسيا وللإيرانيين (..) وربما فات أوان انخراطنا بفعالية"، وفق وكالة "رويترز".

اقرأ أيضاً :

كيف استخدمت الأنظمة الغربية "الأكراد" كورقة ضغط؟

- سيناريو كركوك

وحول إن كانت أمريكا ستعيد السيناريو الذي حصل مع أكراد العراق، عندما سمحت واشنطن للحكومة المركزية في بغداد باستعادة مدينة كركوك من قبضة القوات الكردية التي كانت تحكم المدينة، قال بارزاني لـ "الخليج أونلاين": "ما حصل في كردستان العراق مختلف تماماً؛ لأن القوات الأمريكية لم تكن موجودة بالشكل الذي هو عليه بالمناطق الكردية في سوريا".

وبيّن أن "الذي حصل لأكراد العراق ليس لأن واشنطن انسحبت؛ بل موقف أمريكا السياسي انعكس سلباً على الواقع".

وجدير بالذكر أنه على الرغم من حرص أكراد سوريا على بقائهم جزءاً من سوريا، فإن هناك مخاوف من النزعة الانفصالية لديهم، وازدادت بعد تصويت أكراد العراق لصالح الاستقلال، ما أدى لتحرّك عسكري من العراق وإجراءات صارمة من تركيا وإيران.

تركيا تعتبر تنامي النفوذ الكردي السوري على حدودها تهديداً لأمنها، وضغطت على واشنطن لكي تتخلى عن تحالفها مع وحدات حماية الشعب الكردية قبل هجوم الرقة، لكن مساعيها لم تنجح.