أحداث كركوك وتداعياتها

بتاريخ 16 أكتوبر سيطرت القوات الحكومية، المؤلفة من مكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية والفرقة المدرعة التاسعة والفرقة 15، على مركز مدينة كركوك وحقول النفط والمطارات العسكرية دون قتال يذكر، وتم تكليف محافظ جديد فيها، ولكن بعد ذلك سرعان ما دخلت فصائل مليشيا الحشد الشعبي إلى مدينة كركوك والقرى المحيطة بها، خاصة التي فيها حقول النفط، لكن الموقف الميداني السلمي المؤطّر عسكرياً لم يتوقف عند كركوك فقط، بل توسّع ليشمل أغلب المناطق المتنازع عليها المثبتة في الدستور المادة 140 وأهمها: جلولاء وخانقين وقرة تبه ضمن محافظة ديالى، وسهل نينوى وسنجار ضمن محافظة نينوى.

وجاءت هذه السيطرة بالدخول الآمن للمدينة دون قتال أو مقاومة تذكر من قوات البيشمركة التي يتبع غالبها حزب الاتحاد الوطني الكردستاني (حزب جلال طالباني) بعد اتفاق سري مسبق بين أغلب الأحزاب الكردية، عدا حزب بارزاني [الحزب الديمقراطي الكردستاني] مع قاسم سليماني الموجود في مدينة السليمانية معقل قيادات طلباني، الذي نصّ على ضمان دخول قطعات الجيش والحشد وفق تعبير "إعادة الانتشار السريع"، يسبقه انسحاب قوات البيشمركة باعتبارها أحد تشكيلات القوات الأمنية العراقية من موقعها؛ وعليه فهي ليست معركة عسكرية كما روّج لها، لعدم وجود أطراف نزاع ميدانية مختلفة أصلاً، وهذا ما يسمى في المفهوم العسكري "الدور والتسليم" عند تبادل الوحدات في مواقع الانفتاح.

- التداعيات المستقبلية

لم يكن الحزبان الرئيسان في شمال العراق متوافقين، وإن تظاهرا بذلك بعد احتلال العراق، فكل منهما يتحين الفرصة للآخر، فهم خصوم وحّدهم الاحتلال وأسكتتهم المصالح. وقد أفرحت خطوة الاستفتاء الأخير التي أقدم عليها مسعود بارزاني خصومه الكرد، الذي وافقوه عليها؛ ليقع في الفخ السياسي والميداني، ولتكون نتيجته دخول كركوك ومعاقبته وعزله سياسياً، وإنهاكه، وتجريده اقتصادياً برفع يده عن نفط كركوك، وصولاً ألى أن يحل محله شخصية من حزب جلال طالباني الموالية لإيران أكثر من ولاء قيادات الأحزاب الطائفية نفسها.

وأقدمت سلطة بغداد، وبإيحاء من سليماني، على إعادة انتشار قوات البيشمركة ذات الولاء الإيراني في بعض المناطق المتنازع عليها، بعد فرض الأمر الواقع على بارزاني وحزبه وإرجاعه لمحافظتي أربيل ودهوك قسراً. وهذا الإجراء فيه إيجابيات وسلبيات لسلطة بغداد ولحزب الطالباني، فهو يدعم العبادي سياسياً [مطلب أمريكي] بصفته من استرجع ما فرط به المالكي من الأرض العراقية- بحسب رؤيتهم- لكنه سيزيد مساحة انتشار القوات الحكومية والمليشياوية التي لا تتمكن من فرض السيطرة العسكرية والأمنية على مساحات شاسعة من جهة، ومن جهة أخرى تعزيز القاعدة الشعبية والبيشمركة لحزب طالباني، بعد أن يتم رعايتهم وصرف رواتبهم، وهي خطوة لإضعاف معنويات ودور بيشمركة بارزاني وشعبيته، لكنه أضعف في الوقت نفسه موقف شخصيات في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني شعبياً.

اقرأ أيضاً :

في حال تخلّت واشنطن عنهم.. ما خيارات أكراد سوريا؟

في مقابل ذلك فإن لمسعود بارزاني صاحب الأصول الجبلية والشخصية العنيدة- وإن أخطأ في توقيت الاستفتاء ودفع الثمن غالياً- بعض نقاط القوة التي يمكن أن يستثمرها، فهو يرى أنه يمتلك إرثاً لا يمتلكه أقرانه، وبعد خسارته الأخيرة التي تكاد ترقى لهزيمة، لن يدّخر جهداً إلا ويوظفه ويستثمره، ليس لقلب الهزيمة إلى انتصار، بل لتقليل الخسارة، والعودة للمشهد السياسي، ومنها:

1. أنابيب خطوط تصدير النفط القادمة من كركوك باتجاه الشمال إلى مرفأ جيهان في تركيا، وتمر من خلال محافظتي أربيل ودهوك الواقعتين تحت نفوذه.

2. وعلى المستوى الشعبي فقد اكتسب بارزاني، ثقة الشعب بصفته مدافعاً عن الحلم الكردي ودولتهم المستقبلية.

3. لديه علاقات قديمة وجيدة بقيادات كردية داخل إيران وحزب العمال الكردستاني.

4. أمريكا التي تخلت عنه في هذه المرحلة، لن تتخلى عنه مستقبلاً؛ لأنه من الأقطاب الرئيسية الداعمة للمشروع الأمريكي عند احتلال العراق عام 2003.

6. السجل السيئ لمليشيا الحشد، وما فعلوه من جرائم وتدمير في كركوك وغيرها، وقبلها في الإرهاب المنهجي في المحافظات السنية الذي سيوظّف بشكل كبير في المجتمع الكردي.

- الصورة القادمة

1. الساحة السياسية في العراق بشكل عام تتداخل فيها وتنشط فيها أطراف عديدة؛ كل له استراتيجيته ومشاريعه، وأي اختلاف بينهما سينعكس على الموقف العسكري والأمني، وسيوظف ويستثمر من أطراف أخرى لها استراتيجيتها.

2. ستعزز إيران وجودها في المناطق التي تخلت عنها البيشمركة، وستفتح معسكرات تدريب إضافية ومقرات لمليشياتها وحرسها الثوري، وستنتعش اقتصادياً بعد سيطرتها على حقول النفط المهمة والحيوية، وستسرق النفط كما فعلت وتفعل في حقلي: عجيل وعلاس في محافظة تكريت.

3. ستسعى إيران لإنشاء إقليم جديد، وإن لم يعلن رسمياً يتألف من السليمانية وحلبجة وكركوك؛ سعياً منها لشق الصف الكردي وإنهاء حلم مشروع الدولة الكردية من جهة، ومن جهة أخرى إيجاد إقليم جغرافي في شمال العراق، موالٍ لها بالكامل، ويكون نقطة اتصال لطهران باتجاه سوريا، ويصبح الإقليم الجديد مرتعاً وقاعدةً مهمة للحرس الثوري الإيراني.

4. ستنعكس أحداث كركوك على الشارع الكردي، ومتوقع أنه ستنشب صراعات مجتمعية بين الأكراد أنفسهم، الذين انقسموا بين الخائن والوفي للقضية الكردية بحسب توصيفاتهم؛ وهذا سيجعل المنطقة الشمالية من العراق منطقة قلقة أمنياً وخلافات دائمة وفق مفهوم الخلاف الكردي الكردي، وسيوظفها المحتل الأمريكي بزيادة الحضور العسكري.

5. ما حدث قد يكون رسالة فعلية وعملية لجميع دعاة الأقاليم أو الانفصال في العراق، للتفكير جدياً بأن الحل لا يمكن تجزئته والهروب نحو الأسوأ.

اقرأ أيضاً :

واشنطن بوست: كيف تحوّل حلم استقلال أكراد العراق إلى كابوس؟

- الخلاصة

إن ما حدث في المناطق المتنازع عليها وكركوك على وجه الخصوص؛ كان بتخطيط وإشراف إيراني، وتنفيذ حكومي، وغض نظر أمريكي؛ لإيجاد وضع سياسي جديد؛ ستكون له تداعيات محلية مجتمعية وأمنية وانعكاسات إقليمية ودولية، فالخصم عنيد ولم يستنفد أدواته بعد، وهنا نستطيع أن نستخدم مصطلح المعركة ونقول: إنها الآن قد بدأت.

وما جرى من توريط وتخلٍّ عن أطراف كانت تعول كثيراً على هذا الشريك أو ذاك، هو دلالة بينة على أن جميع الاتفاقات والتحالفات المشبوهة وغير المتكافئة؛ نتيجتها الاقتتال والاحتلال، والثمن هو دماء الشعوب.