مواقع التواصل.. مهد الثورات العربية بمواجهة "القمع الإلكتروني"

أدّت مواقع التواصل الاجتماعي دوراً بارزاً في الثورات التي عمّت عدداً من البلدان العربية، قبل سبع سنوات، قبل أن تتحوّل لاحقاً إلى ساحة تجتمع فيها الشعوب لخوض معارك افتراضية لا تنتهي، تاركين لخصومهم ساحة المعركة الحقيقية بلا منافس، وإن كان هناك من يجزم بأن هذه المواقع ما زالت توفّر مساحة كبيرة لمواجهة الحكومات والضغط عليها.

موقع فيسبوك تحديداً، ومن بعده "تويتر" و"يوتيوب"، كانت بمثابة الرحم الذي تخلّقت فيه أجنّة بعض الثورات، قبل أن يتحوّل لاحقاً إلى ما يشبه غرفة العمليات التي تم فيها الترتيب للتجمّع والخروج، لكنه بات لاحقاً ساحة كبرى يتناحر فيها الشركاء فيما بينهم على أمور يمكن تجاهلها، وربما لم تكن لتوجد من الأساس لولا وجود هذه المنصّات.

في ديسمبر 2010، أضرم الشاب التونسي، محمد البوعزيزي، النار في نفسه، خارج مبنى بلدية سيدي بوزيد؛ احتجاجاً على مضايقات الشرطة وإهانتها له، فانتشر الخبر في عموم البلاد من خلال الهواتف المحمولة والإنترنت، ليبعث غضباً لطالما احتفظت به الصدور مخافة القمع.

ما بين إشعال البوعزيزي النار في نفسه وبين موته، كان نشطاء قد دشّنوا حملة تضامن مع الشاب عبر مواقع التواصل، وانضم لهم آخرون، ورغم محاولات الحكومة تقليص هذه الأمور، وحجبها الإنترنت من البلاد، فإنّ التكنولوجيا الحديثة جعلت للتونسيين من كل حجب مخرجاً.

في النهاية تُوفّي البوعزيزي متأثراً بجراحه، بعدما أوقف نظام بلاده السياسي على أطراف أصابعه، وبعد شهر واحد من موته، كان النظام قد سقط، وزين العابدين بن علي قد هرب.

بوعزيزي

اقرأ أيضاً :

فيسبوك يطوّر نظم مراقبة معلومات لصالح الصين

- غرفة عمليات

الثورة المصرية كانت التجلّي الأبرز لدور مواقع التواصل في تحويل الفكرة الفردية إلى فكر جماعي، وتعريف المواطنين بأن ثمة من يريد أن يفعل شيئاً لتعديل مسار البلاد السياسي، قبل أن تسهم هذه الوسائل في تحريك الجماهير وتعريفهم بالخطط، ووضعهم في قلب الحدث، شأنها في ذلك شأن كبريات وسائل الإعلام، إن لم يكن أكثر.

وما يزال المصريون يذكرون صفحة "كلنا خالد سعيد"، التي أنشأها الناشط المعروف وائل غنيم، الذي اعتقل ليلة يناير 2011، والتي كانت نقطة البداية والداعي الأول للتظاهر ضد ممارسات الشرطة في يوم عيد الشرطة (25 يناير)، الذي تحوّل فيما بعد إلى يوم الثورة.

غنيم

نائب رئيس الجمهورية السابق، الدكتور محمد البرادعي، الذي كان واحداً من أكبر من محرّكي الثورة، قبل أن يصبح واحداً من أكبر داعمي الانقلاب، اتخذ من منصة "تويتر" وسيلة لمخاطبة المصريين وإطلاعهم على رأيه في مختلف الأمور، قبل الثورة وخلالها وبعدها. وحالياً، غاب البرادعي عن تويتر بعدما ترك البلاد عائداً للنمسا، فلم يعد يسمع به أحد إلا مرة أو مرتين على الأكثر في كل عام.

- ثورة إلكترونية بوجه الأسد

في الثورة السورية أيضاً أدّت مواقع التواصل دور البطولة؛ حينما استعاض بها السوريون عن بقية وسائل الاتصال، التي عمد نظام بشار الأسد إلى حجبها، لحجب حقيقة ما يفعله بشعبه عن العالم. وعملياً، كانت مواقع فيسبوك وتويتر ويوتيوب، هي الوسيلة التي نقل بها السوريون جرائم الأسد للعالم، ليضعوا هذا الأخير أمام اختبار أخلاقي فشل فيه بامتياز، بعدما غلبت المصالح المبادئ الإنسانية.

وكما كانت مصر هي التجلّي الأكبر لدور مواقع التواصل الإيجابي في الثورة، كانت هي أيضاً التجلّي الأكبر لدوره في محاولات تفتيتها، وما تزال هذه المنصّات ساحة للاقتتال والتراشق بين الأطياف السياسية المختلفة، في حين أن السلطة الحاكمة تتحرّك بكل حرية في طريقها لوأد أي عمل ثوري جديد في مهده.

- دور باقٍ

الناشط السياسي والمدوّن المصري المعروف، وائل عباس، يرى أن مواقع التواصل لم تفقد زخمها، وأنه من غير الصحيح النظر إليها بأنها صارت مقبرة للحرية، مؤكداً أن الأنظمة ما تزال تشعر بالعجز أمام ما تمتلكه هذه المنصات من قوة وما يمكن أن تحدثه من تغييرات.

وفي حديث لـ "الخليج أونلاين"، يقول عباس: "النظام المصري مثلاً يحاول القضاء على زخم هذه المواقع بكل الطرق؛ لأنه عاجز عن السيطرة عليها بشكل كامل"، لافتاً إلى أن هناك محاولات "جاهلة" من بعض البرلمانيين لمحاصرة هذه المواقع بحزمة من القوانين "المتخلّفة"، ومن بينها اقتراح أحد النواب بإقرار عقوبة الإعدام على منشورات بعينها.

,hzg

ويستدلّ الناشط والمدوّن المصري المعروف على تأثير منصات التواصل في بعض الحملات التي أجبرت الحكومة على الخضوع في أمور بعينها، والتراجع عن أمور أخرى، من بينها محاسبة أو وقف أو اتخاذ موقف مع إعلاميين ومسؤولين بعينهم.

لكن عباس يعتقد بقوة أن القائمين على هذه المواقع "يتعاونون بشكل أو بآخر مع الحكومات"، وخصوصاً في عمليات الاختراق التي تتم بالأساس على رقم الهاتف الذي يعتمد عليه فيسبوك مثلاً كأحد وسائل الحماية، بينما هو أحد وسائل الاختراق؛ لأن الحكومات حالياً لديها تسجيل دقيق لكل أصحاب الهواتف.

3

وأوضح أن إدارات هذه المواقع "لا تتعامل بجدّية مع مسألة الحماية في الشرق الأوسط، خاصة أن مكتب شكاوى المنطقة، الموجود في دبي، لا يطبّق السياسات نفسها التي تُطبّق في الولايات المتحدة مثلاً، وأنا شخصياً تم اختراق حسابي وتقدّمت بشكوى لم يُنظر لها بجدية".

اقرأ أيضاً :

بعد هجمات لندن.. "فيسبوك": سنكون فضاء معادياً للإرهابيين

- جيوش إلكترونية

وفيما بدا أنه فهم من الأنظمة التي ثارت عليا شعوبها لطبيعة وأهمية المنصات الاجتماعية في العمل الثوري، كوّنت هذه الأنظمة، أو من ورثوها، جيوشاً جرّارة، ودفعت بها إلى هذه الساحة الافتراضية، فيما يعرف حالياً بـ "اللجان الإلكترونية"، وهي الفكرة التي استخدمتها تيارات سياسية لاحقاً، لا لتصحيح وضعها وإعادة تموضعها، وإنما للاستمرار في معاركها الخاسرة.

هذه اللجان الإلكترونية تفوّقت على نفسها في مصر، وربما في تونس أيضاً، وإن كانت ليست على هذا القدر من النجاح والأهمية في سوريا واليمن وليبيا، حيث الكلمة العليا للسلاح والقوى الكبرى والإقليمية في هذه البلدان.

2

وحالياً، تندسّ هذه اللجان وسط الصفوف، إما لنثر بذور الخلاف بينها بغية شقّها، وإمّا لإلقاء حجر جديد في بحيرة الخلاف كلما اقتربت من الركود، لتوقظ به ضغائن قديمة، وتعرّي به خلافات كاد النسيان يطمرها، في حين يخوض بعض هذه الكتائب في مصر حرب وجود دفاعاً عن الرئيس عبد الفتاح السيسي؛ بتخوين معارضيه وإلقاء التهم عليهم، ووصفهم جميعاً بأنهم "خلايا نائمة للإخوان"، وأيضاً عبر التركيز والتذكير بإنجازات السيسي التي لا يراها مناهضوه، كما يقولون.

وتقوم هذه الكتائب على دسّ أخبار أو صور مفبركة، أو التركيز على أخبار وصور بعينها دفاعاً عن شخص أو هجوماً على آخر، فضلاً عن شنّها حملات قرصنة، أو تنظيمها حملة (روبوتات) على حسابات بعينها لإغلاقها أو تعطيلها. كما تقوم هذه الكتائب بدعم وسوم (هاشتاغات) بعينها على مواقع التواصل، للوصول بها إلى أعلى المستويات كنوع من الترويج لها.

في مارس 2017، كشف الناشط المصري، أحمد العش، تورّط هذه اللجان على موقع "تويتر" في تدشين وسم يحمل اسم"#هنستحمل_مع_السيسي"، للوصول به إلى الترند.

العش

ونشر العش صوراً ضوئية لحسابات بأرقام مسلسلة مهمّتها الترويج للوسم لكي يتصدّر ترند تويتر. وعبر حسابه على تويتر، قال الناشط ساخراً: "يا ترى دول بيقبضوا بالأكاونتات ولا بالتويتات ولا بمقاولة الهاشتاغ".

في 13 أبريل 2016، ألمح السيسي إلى هذه الكتائب؛ عندما قال في لقاء ممثلي الهيئات البرلمانية إنه يستطيع إطلاق كتيبتين على أي موقع تواصل للسيطرة عليه، وذلك في معرض اتهامه لمواقع التواصل الاجتماعي بالتسبّب في تصعيد الأزمة بين القاهرة وروما؛ على خلفيّة مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني في مصر.

وفي الشهر نفسه، نقل موقع "العربي الجديد" عن سياسي مصري بارز، لم يسمّه، أن السيسي كلّف مدير مكتبه، اللواء عباس كامل، بتشكيل لجان إلكترونية، والدفع بها إلى وسائل التواصل لكي تخوض حرب الدفاع عنه والهجوم على معارضيه.

وأضاف المصدر أنه تم تنفيذ ذلك، تحت اسم مركز الإعلام الوطني للقوات المسلّحة، والذي قام بدوره بتعيين عدد من الشباب، معظمهم من أبناء قيادات الجيش السابقين والحاليين، ليقوموا بدور اللجان الإلكترونية المشار إليها، مشيراً إلى أن هذه المجموعات قادت معظم حملات الهجوم على الشخصيات السياسية والنشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الفترة الماضية".

بعد يومين تقريباً من حديث السيسي، شعر رواد منصّات التواصل بأن هذه الكتائب التي تحدّث عنها السيسي بدأت في تنفيذ غزوها، وكأن تلميحه كان إشارة البدء؛ حيث انتشرت حسابات مختلفة مؤيدة للنظام، تغرّد وتنشر نفس الكلمات بنفس الأسلوب، ما يوحي بعملها وطبيعة توجّهها، وتلقّيها الأوامر من جهة واحدة، لتبرز ككتائب للنظام بقوة.

8

9

- كتائب مكشوفة

وفي هذا الصدد يقول عباس، إن هذه الكتائب ليس لها مصداقية؛ لأنها معروفة الأهداف، كما أنها ليست جديدة، ففي الصين توجد مجموعة "كليك فارم" المعروفة، والتي تقوم بالترويج لأمور والهجوم على أخرى مقابل المال.

ومع ذلك فإن النظام يحاول الاستفادة من هذه الكتائب قدر الإمكان، أو على الأقل يحاول إيصال رسالة مفادها أن كل الأمور تسير وفق ما أراه وما أريده ومتى أريد، وهذا نهج النظام المصري في التعامل مع وسائل التواصل عموماً، بحسب عباس.

12

في نوفمبر 2017، تم الكشف عن مجموعة سرية على "فيسبوك" يديرها شخص يدعى إبراهيم الجارحي، وهو من مؤيدي السيسي، وهي تهدف لتبرير ممارسات السيسي وقراراته أياً كانت، تحت مسمّى "الدولجية واتحاد محبي الدولة"، بحسب الصور المسرّبة.

وكشفت إحدى الصور المسرّبة للمجموعة عن مهاجمة الجارحي أعضاءها؛ بسبب مهاجمتهم القرارات الاقتصادية الأخيرة علناً، مطالباً إياهم بأن يكون النقد داخلها فقط. وقد كشفت الصور المسرّبة كذلك حسابات بعض المشاركين بصورهم وأسمائهم الحقيقية.

- جيش الأسد

كتائب السيسي لم تكن من بنات أفكاره، بل استمدّها من بشار الأسد، الذي سبقه بخمس سنوات، عندما دشّن ما يسمى بـ "الجيش السوري الإلكتروني"، والذي يدعمه الأسد شخصياً.

وخلال السنوات الماضية، قام جيش الأسد الإلكتروني بعمليات قرصنة وتهكير عدد من المواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت؛ منها مواقع تابعة للجيش الأمريكي، وموقع صحيفة "لوموند" الفرنسية، وغيرها، ووضع شعارات وعبارات مؤيدة للنظام وتهاجم خصومه.

الاسد

ويقوم هذا الجيش بشنّ هجمات وقيادة حملات إبلاغ إلكترونية على صفحات ومواقع معارضة للنظام، والعمل على تهكيرها وإغلاقها، ونشر محتويات وشعارات مؤيدة للأسد ونظامه.

وقامت وسائل الإعلام التابعة للنظام السوري عدة مرات بالاحتفاء بما يقوم به أعضاء هذا "الجيش"، وأجرت وبثّت لقاءاتٍ مع من يسمون أنفسهم بـ "قادة الكتائب الإلكترونية"، الذين لا يظهرون وجوههم أو هوياتهم الحقيقية في غالب الأحيان.