صنع في تركيا.. ما المأمول منه؟

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول المنتجة أن توصم صناعاتها بالرداءة وعدم الإتقان، فالمستهلك يمكن للوهلة الأولى أن يغريه المظهر والسعر فيشتري البضاعة تبعاً لذلك.

غير أن ذلك سيتبعه طبع صورة ذهنية عن تلك البضاعة ومصدرها قد يصعب تغييرها بسهولة، بل إن الأمر قد لا يقف عند الجيل المستهلك فيتعداه إلى أجيال عديدة تنتقل إليه الحساسية والحذر من مصدر الإنتاج من خلال أمثلة متوارثة وأشعار وموروثات ثقافية، وليس أدل على ذلك مما حصل مع الصناعة الصينية التي أضحت مثالاً على المنتج الرخيص المقرون بالضعف والرداءة، ما أفقده ثقة المستهلك حتى لو ظهرت منتجات صينية تضاهي في جودتها وكفاءتها أفضل الماركات العالمية، بل وقد تتفوق عليها، على عكس المنتجات الإلكترونية اليابانية التي حازت ثقة كبيرة، وعلى مدى عقود طويلة، وما تزال، ومثلها السيارات الألمانية، والساعات والشيكولاتة السويسرية، والأجبان والعطور الفرنسية، والمنسوجات الإنجليزية.

إن السماح بتصدير منتج رديء واحد يحمل عبارة (صنع في تركيا) كفيل بأن يقضي على فرص كبيرة للسوق التجارية التركية، وهو ما سيُفقد تركيا أسواقاً إقليمية ودولية مهمة، وزبائن كثراً، ويتسبب في أزمات لا حدّ لها لرجال الأعمال والمستثمرين الأتراك، ويحدّ من مؤشر الصعود الاقتصادي، بل وقد يتسبب بنكسة كبيرة وخطيرة.

قد لا يكمن السبب في المصدِّر التركي ابتداءً بقدر ما هو متعلق بجشع المستورد الذي قد يشترط جودة متدنية ليدفع أثماناً أقلّ، ثم هو يغرق أسواق بلاده ببضاعة رديئة رخيصة الثمن، والسمعة السيئة قد لا تطاله فحسب، لكنها تطال البلد المنتج بدرجة أولى، وهو هنا تركيا، وهو ما يتطلب وقفة حازمة إزاء أمثاله وإدراجه على لائحة سوداء لأولئك الذين يتسببون في الإضرار بسمعة الاقتصاد التركي.

لائحة سوداء تصدر عن الغرفة التجارية مدعمة بأحكام قضائية تتضمن إجراءات جزائية على أصحابها تحرمهم من الحصول على امتيازات خاصة قد تعطى للمستثمرين والمستوردين، وتفرض عليهم وعلى المتعاملين معهم قيوداً كثيرة تضمن عدم إساءتهم مجدداً.

إزاء ذلك فإن الحل يكمن في إنشاء وحدات اختصاصية بكفاءة عالية لقياس جودة المنتجات، وتوفير كافة الاختبارات اللازمة المعملية واللامعملية على المنتجات قبل اعتمادها، مع سنّ قوانين دقيقة تفصل في الضوابط والإجراءات الجزائية التي تلحق بمن يخالف تلك المواصفات أو ذلك الذي يحاول تمريرها بالرِّشا وشراء الذمم، مهما علت مكانته أو عظم منصبه ورتبته.

ومن المسلمات والبدهيات هنا تأكيد أن تقوم النهضة الصناعية على أسس متينة راسخة تقترن فيها الصناعة بصداقة لا تنفصم مع البيئة في كل مراحل التصنيع والإنتاج وما يلي ذلك، وذلك يتطلب تفعيل مراكز الأبحاث، وزيادة تأثيرها، والاهتمام بها، حتى لا تبقى جامعة إلا ولها مركز أبحاث يخدم بشكل مباشر رفد القطاعات الصناعية وغيرها بأفكار وبراءات اختراعات إبداعية خلاقة، وتسهم استباناته وأبحاثه الميدانية في تشخيص المشاكل وتقديم الحلول المثلى لها. ومن جانب آخر فرض عقوبات شديدة وصارمة على كل من يثبت إضراره بالبيئة أو مكوناتها بما يصل إلى حد إقفال منشآته الصناعية مع الغرامات المالية والجزاءات القانونية.

ويحسُنُ هنا أن يقترن ذلك بتوعية بيئية شاملة متكاملة لكافة أطياف المجتمع تتضمن المناهج الدراسية بدءاً من رياض الأطفال، ويتم التركيز عليها في وسائل الإعلام المختلفة، وقرن ذلك بمنح تفويض كامل لأي شخص بتقديم شكوى على أي إخلالٍ ومساسٍ بالبيئة.

على تركيا أن تتحرّى في صناعاتها الغذائية وإنتاجها الابتعاد بالكلية عن أي صناعة فيها شبهة الحرام، كصناعة الخمور وكل ما يتعلق بها؛ كتصنيع آلات المصانع التي تنتجها، أو صناعة المبيدات الحشرية المسرطنة، أو تصنيع المواد "المهرمنة" للنباتات، أو الأعلاف الممزوجة بالدماء النجسة، أو الأغذية التي تحوي مشتقات من لحم الخنزير ودهونه وجيلاتينه، أو التي تحوي الكحول، أو أي مادة يثبت ضررها بالصحة كالأصباغ الصناعية والمنكهات والمواد الحافظة، وكذلك المشروبات الغازية والتبغ بأنواعه (السجائر والمعسل وغيره)، أو البذور المعالجة جينياً.

والأمر ينطبق على مواد التغليف والأوعية المستخدمة في حفظ المواد الغذائية، والتيقن تماماً بأنها غير ضارة بصحة المستهلكين واستخدام مواد صديقة للبيئة بدلاً عنها.

وتجدر الإشارة هنا إلى تجربة ماليزيا الرائدة فيما بات يسمى "صناعة الحلال"، وهي تجربة ستلقى قبولاً كبيراً واستحساناً في تركيا والدول المتعاملة معها.

كما يحسن بتركيا أن تبادر إلى إيجاد مدرسة جديدة لما يطلق عليه "الموضة" تبتعد شيئاً فشيئاً عن الخط الهابط بالذوق والأخلاق الذي تقوم بإشاعته والترويج له مراكز الموضة العالمية المرتبط أكثرها بالصهاينة المفسدين في الأرض، تلك المراكز التي استطاعت فرض ألبسة تخدش الذوق والحياء كالبناطيل "الساحلة" والضيقة والشفافة ثم التي ظهرت مؤخراً وتحوي مزقاً في أنحاء متعددة منها!!

يحسن بتركيا أن تترفع عن تصنيع الملابس المحرمة، أو إعطاء وكالات عالمية تنتجها تصريحاً بتصنيعها في تركيا، كالمايوهات والألبسة الفاضحة، أو تلك التي تحوي عبارات ملتبسة قد يحوي بعضها كفراً عقدياً أو إيحاءات جنسية أو تصاوير غير لائقة.

أما ما يتعلق بالتوسع في التعامل مع الشركات العالمية وفتح المجال الاستثماري لها فيراعَى استبعاد أي شركة صناعية مشبوهة بدعم الكيان الصهيوني، أو التورط في أعمال إرهابية عالمية، ويشمل ذلك حظر التعامل مع شركات أقدمت على رعاية احتفالات لاأخلاقية كتلك الشركة التي رعت ماراثون المثليين في القدس، أو المرتبطة بجماعات فاسدة عقدياً كعبدة الشيطان.

يجب أن تقترن النهضة الصناعية مع ما يمكن تسميته بالنهضة الأخلاقية التي تحظر التعامل مع الأنظمة القمعية الاستبدادية أو القائمة على سلب حقوق الآخرين واغتصاب أرضهم وأموالهم أو ممارسة التمييز العنصري أو الاضطهاد الديني ضدهم، أو ارتكاب أي نوع من أنواع جرائم الحرب. وبناء على ذلك فيجب تقنين الاستيراد والتصدير لا حسب المصلحة المادية فقط، ولكن ضمن رؤية استراتيجية تتضمن البعد الأخلاقي الذي يقطع الطريق على الكثير من الكيانات والدول الظالمة من الاستفادة بطريق مباشر أو غير مباشر من النهضة الصناعية في تركيا.