الإمارات تواصل تدخلها بالشأن التونسي.. وتحارب "النهضة"

منذ سنوات تحاول دولة الإمارات العربية المتحدة التدخّل في الشأن السياسي الداخلي التونسي، بقوة المال والإعلام، للتأثير في مسار الانتقال الديمقراطي والمشهد السياسي بصفة عامة، وذلك على الرغم من مرور نحو 7 سنوات على اندلاع الثورة التونسية، في 17 ديسمبر عام 2010.

التدخّل الإماراتي في الشأن التونسي الداخلي لم تبدأ فصوله اليوم، فبعد أشهر قليلة من نجاح انتخابات المجلس التأسيسي، نهاية العام 2011، التي فازت فيها حركة النهضة الإسلامية بالأغلبية، وانتخاب المنصف المرزوقي رئيساً لتونس، بدأت الدولة العميقة بالتعاون مع حلفائها بأبوظبي في إعداد خطة محكمة لإفشال تجربة الانتقال الديمقراطي بتونس.

- أزمة التونسيات

آخر تدخلات الإمارات في الشأن التونسي كشفته وثيقة سرية إماراتية مسرّبة، وفيها استراتيجية أبوظبي للتعامل مع الأزمة الأخيرة مع تونس، والناجمة عن قرار الإمارات منع التونسيات من السفر على متن "طيران الإمارات".

وتضمنت الوثيقة تقديراً للموقف بشأن الأزمة، والتوصيات بكيفية إدارتها.

وتشير إلى ميل الجانب الإماراتي إلى التهدئة وكسب الوقت في انتظار أن تمر العاصفة، وكذا حدة الموقف التونسي من كل ما يتعلق بالقرار السيادي.

ما تؤكده الوثيقة هو أن الأزمة التونسية الإماراتية وبرود العلاقات المستمر منذ سنوات، يعود أساساً إلى موضوع حزب "النهضة" الذي لم تغفره الإمارات لتونس وللرئيس الباجي قائد السبسي.

وركزت على "توظيف إخوان النهضة للأزمة"، على الرغم من أن المواقف الأولى والأقوى لم تصدر عن "النهضة"، وإنما عن أطياف سياسية ومدنية وحقوقية معروفة بعلمانيتها وليبراليتها، بالإضافة إلى المواقف الرسمية التونسية التي لا تميل عادة إلى التصعيد وتفضل حلّ الأمور عن طريق الحوار.

ووفق الوثيقة، فإن أبوظبي تنتوي التحريك ضد حركة النهضة، بزعم أنها المسؤولة عن الأعداد الكبيرة من الداعشيات التونسيات اللواتي أصبحن يُسئن للمرأة التونسية وصورتها التقدمية في الأذهان.

وتضمنت الوثيقة 8 توصيات، أبرزها "استبعاد فرضية الاعتذار لتونس، وعدم الالتفات إلى مطالب الاعتذار التي تصر عليها السلطات التونسية".

وتشير الوثيقة المكونة من أربع صفحات، وذُكر أنها تعود إلى 27 ديسمبر 2017، وأنها صادرة عن "إدارة تخطيط السياسات" في وزارة الخارجية والتعاون الدولي بالإمارات، إلى أنها موجهة بشكل حصري وسري إلى 5 مسؤولين كبار فقط؛ من بينهم وزير الخارجية، الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، ووزير الدولة للشؤون الخارجية، أنور قرقاش.

اقرأ أيضاً :

- مشاريع مجمّدة

وبالعودة في التاريخ قليلاً، وإثر صعود الإسلاميين إلى الحكم جمّدت السلطات الإماراتية مشاريع ضخمة كانت قد وعدت بإنجازها في تونس؛ على غرار مشروع بوابة المتوسط "سما دبي"، و"مدينة تونس الرياضية".

وبحسب المراسلات بين الحكومة التونسية وشركة "سما دبي"، فإن الخلاف يتعلّق ببدء العمل في هذا المشروع، حيث إن المستثمر الإماراتي يتذرّع باضطراب الوضع بتونس والمنطقة لرفضه تحديد بداية الأشغال بالمشروع، أما الحكومة التونسية فقد كانت تسعى من جانبها لبدء الأشغال سنة 2016.

وفي ديسمبر 2015، تعهّد وفد يمثل المجموعة الإماراتية "دبي القابضة"، برئاسة خالد المالك، الرئيس التنفيذي لتطوير الأعمال بالمجموعة، باستئناف مشروع "باب المتوسط" المعطّل منذ سنة 2011، انطلاقاً من سنة 2016.

وأكدت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر دبلوماسية أن المسؤولين الدبلوماسيين الإماراتيين قد قرروا عدم استنئاف أشغال مشروع "سما دبي" المتعطّل منذ سنة 2011؛ نكاية بالرئيس الباجي قائد السبسي؛ بسبب تحالفه مع حركة النهضة وإشراكها بالحكم، وليس لأسباب لوجستية أو أمنية مثلما ادّعوا.

- الإمارات ترفض استقبال السبسي

وتؤكد معطيات متطابقة حصل عليها "الخليج أونلاين" من مصادر مختلفة صحة هذه المعلومات، التي تكشف عن غضب إماراتي رفيع المستوى من الرئيس السبسي، الذي رفضت الإمارات إلى الآن استقباله رسمياً، رغم تأكيد مستشاره السياسي سابقاً (وزير الخارجية الحالي)، خميس الجهيناوي، في أكتوبر 2015، أن السبسي سيزور الإمارات مشيراً إلى أن علاقات تونس بالإمارات "طيبة جداً".

وكان الإعلامي التونسي، سفيان بن فرحات، قد أكد أثناء مداخلة على قناة "نسمة" التونسية الخاصة، في 18 مايو 2015، أن السبسي أعلمه في لقاء خاص أن الإمارات طلبت منه إعادة سيناريو مصر، وإزاحة حركة النهضة التونسية؛ للإيفاء بتعهداتها المالية لتونس، إلا أن الأخير رفض ذلك، وفضّل سياسة الحوار والتوافق لتفادي الحرب الأهلية بالبلاد وإراقة الدماء.

الغضب الإماراتي من السبسي وحزب "نداء تونس" لم يتوقّف عند هذا الحد، حيث طال التونسيين بمختلف أطيافهم؛ بعد أن قرّرت السلطات الإماراتية، في يونيو 2015، منعهم من الحصول على تأشيرة للدخول لمباشرة أعمالهم أو مشاريعهم التي يشرفون عليها؛ ما أدى لتعطيل مصالحهم.

وكشف وزير الخارجية الأسبق، أحمد ونيس، أن التحالف بين نداء تونس وحركة النهضة دفع الإمارات إلى إغلاق أبوابها أمام التونسيّين؛ كوسيلة ضغط على الحكومة التونسية.

وأواخر عام 2015، نشر موقع "ميدل إيست آي" البريطاني تقريرين متتالين، اتّهم فيهما الإمارات بالوقوف خلف عدم الاستقرار في تونس، لرفض الرئيس التونسي تكرار نموذج السيسي في مصر بالسعي لـ"سحق الإخوان".

- الإمارات غاضبة من المرزوقي

وفي 27 سبتمبر 2013، استدعت وزارة الخارجية الإماراتية سفيرها لدى تونس، سالم القطام الزعابي، إلى العاصمة أبوظبي، في أعقاب هجوم الرئيس التونسي المنصف المرزوقي، على مصر، ومطالبته بإطلاق سراح الرئيس المصري المنقلب عليه، محمد مرسي.

واتهم الرئيس التونسي السابق، في أكثر من ظهور إعلامي له، الإمارات بأنها "عدوّ للثورات العربية، وتموّل الانقلابات"، مشيراً إلى أنها "أفسدت الحياة السياسية التونسية؛ عبر إهداء سيارتين مصفّحتين لرئيس المعارضة آنذاك، والرئيس الحالي، الباجي قائد السبسي".

ورغم اتهامات المرزوقي وعدد من السياسيين المتكرّرة للإمارات بدورها في "تخريب" المشهد السياسي والإعلامي التونسي، فإن الموقف الرسمي ظل محافظاً على تأكيد متانة العلاقات بين البلدين، وتجلّى ذلك بالموقف التونسي الرسمي من الأزمة الخليجية.

اقرأ أيضاً :

- تونس تقرّر عدم الانحياز

وبعد الأزمة الخليجية، التي بدأت في 5 يونيو الماضي، قال وزير الخارجية التونسي، خميس الجهيناوي: "لا نريد مزيداً من التفرقة، ونتمنّى تجاوز الخلافات في الخليج، وإيجاد حلٍّ يرضي جميع الأطراف للحفاظ على مناعة دول الخليج التي لها دور مهم على الساحة العربية ومناعة الدول العربية"، معبّراً عن آماله في تجاوز الأزمة.

وذكرت تقارير إعلامية أن الإمارات والسعودية ضغطتا على تونس لكي تقطع علاقاتها مع قطر، مقدمين وعوداً كبيرة إذا ما قررت الاصطفاف معهم في أزمتهما مع قطر.

ورغم الموقف الرسمي غير المنحاز لأيّ طرف من أطراف الأزمة، فإن بعض وسائل الإعلام التونسية وشخصيات سياسية وإعلامية بارزة فضّلت الاصطفاف في صف دول الحصار وعلى رأسها الإمارات.

- إغراءات وعقود إشهارية ضخمة

وكشفت مصادر مطّلعة لـ"الخليج أونلاين" أن الإمارات ضخّت أموالاً طائلة مع بداية الأزمة لشراء ذمم عدد من الإعلاميين والسياسيين المعروفين بمهاجمتهم المتكرّرة لدولة قطر؛ بسبب "دعمها للإخوان المسلمين"، وفق زعمهم.

وأضافت مصادر "الخليج أونلاين" أن وسائل إعلام إماراتية معروفة قدّمت عروضاً مالية مغرية لبعض الصحفيين والكتاب المعروفين من أجل كتابة مقالات تهاجم قطر وتنتقد تدخّلها في الشأن التونسي الداخلي، وهو ما لم يحدث؛ بسبب الرفض القاطع الذي أبداه هؤلاء الإعلاميون.

وفي السياق ذاته، علم "الخليج أونلاين" أن العقود الإشهارية المغرية التي أبرمتها شركة "طيران الإمارات" مع بعض وسائل الإعلام، كانت عبارة عن "رشوة" لمهاجمة قطر وسياستها في المنطقة، والتركيز على أن "قطر تدعم الإرهاب".

وقبل بداية الأزمة الخليجية، لم يعتد التونسيون مشاهدة إعلانات خاصة بطيران الإمارات على وسائل الإعلام المحليّة، وهو ما رآه مراقبون محاولة من السلطات الإماراتية للتأثير في الخط التحريري لبعض وسائل الإعلام التونسية.

واستجابة لإملاءات الإمارات، نبشت وسائل إعلام تونسية معروفة بعدائها لقطر في ملفات قديمة وأخرجتها من سياقيها السياسي والإنساني، مستندة على تصريح أحمد المسماري، المتحدث باسم مليشيات اللواء الليبي المتقاعد، خليفة حفتر، الذي صرّح بأن عقيداً بالاستخبارات القطرية يعمل في تونس حوّل أموالاً من حساب له في بنك تونسي نحو بنك آخر بولاية تطاوين (جنوب تونس)، لتصل هذه الأموال إلى ليبيا لدعم ما وصفها بالجماعات "الإرهابية".

ورغم هذا النبش، فإن السلطات التونسية سرعان ما نفت ذلك؛ حيث أكد المتحدث باسم النائب العام في تونس، سفيان السليطي، أن ما أثير حول هذا الموضوع هو محل بحث من السلطات التونسية منذ عام 2014، وأن التحقيقات الأولية بيّنت أن الأمر يتعلق مبدئياً بأموال خصصت لتمويل مخيم "الشوشة" للاجئين بمحافظة تطاوين، بتمويل من وزارة الدفاع القطرية.

- دعم أحزاب متطرفة

وتؤكد مصادر سياسية مطّلعة أن عدداً من الأحزاب اليسارية المتطرّفة في تونس تتلقّى تمويلات بملايين الدولارات من أبوظبي.

وتؤكد المصادر لـ"الخليج أونلاين"، أن عدداً من الأحزاب المكوّنة للجبهة البرلمانية الجديدة "وسطية تقدّمية" تتلقّى تمويلات وأوامر مباشرة من الإمارات؛ بهدف تعطيل الانتقال الديمقراطي في البلاد، وهو ما تجلّى في عدد من القرارات التي اتّخذتها هذه الجبهة في علاقة بملفّات حسّاسة؛ على غرار انتخاب رئيس الهيئة العليا للانتخابات مؤخّراً، والتي تأجّلت أكثر من مرّة.

وتشدّد المصادر على أن التدخّل الإماراتي في المشهد السياسي التونسي لم يتوقّف منذ نجاح الإسلاميين في الفوز بانتخابات 23 أكتوبر 2011، حيث موّلت الإمارات عدداً من الأحزاب والشخصيات السياسية المعروفة، إضافة لعدد من التحرّكات الاحتجاجية، بهدف شيطنة حزب حركة النهضة والرئيس المنصف المرزوقي.