"الخليج أونلاين" يتجوّل في "مدينة القلاع" البريطانية وينقل تاريخ "ليدز"

تقع مدينة ليدز في الشمال من بريطانيا في غرب مقاطعة يوركشير، على ضفاف نهر الآير تحديداً، وتبعد عن مدينة يورك نحو 40 كم، ويبلغ عدد سكانها نحو 766.399 نسمة، بحسب الإحصائية المتوفرة لعام 2014.

وتخوض المدينة غِمار المنافسة من ناحية مظاهر التحضّر والأهمية مع مدينة شيفيلد الواقعة ضمن المقاطعة المذكورة، أما مساحة المدينة فتبلغ نحو 551.7 كم2.

معروف أن مدينة ليدز واحدة من المدن البريطانية العريقة، ويعود تاريخها إلى العهد الروماني، حين أُنشئ أحد الحصون في نواحي موقع المدينة الحالي، للتصدي لأي غزوةٍ مُحتملة على الإمبراطورية الرومانية من جهة الشمال، وتُعد ليدز واحدة من المدن الحديثة التي تأسست خلال القرن الثامن عشر الميلادي، بالتزامن مع ازدهار التجارة في المنطقة الواقعة ضمنها، ولا سيما تلك التي تتعلق بنقل الفحم من المناجم القريبة منها، حيثُ بُنيت أول خطوط السكك الحديدية في بريطانيا عام 1812، لتربط بينها وبين مناجم ميدلستون، وقد نمت المدينة بشكل سريع أثناء الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، خاصة من خلال إنشاء العديد من مصانع المنسوجات في المدينة.

تشتهر ليدز بالعراقة لكونها مدينة القلاع، وهي مكان تختلط فيه حضارة اليوم مع عراقة الأمس وإبداعه، وتتعانق فيها روح الماضي مع أحلام المستقبل، وهذه الأماكن الأثرية تشكّل وجهة أساسية لزوارها، ومعلماً تاريخياً مهماً يضفي على ليدز فوق الجمال جمالاً خلاباً تنعم به العين ويسكن القلب ولا تفارقه الذكريات.

leeds 2

ولعل أشهر المعالم التاريخية في ليدز هي قلعة ليدز (Leeds Castle)، والتي تمتاز بروعة الإتقان وبداعة التصميم، ورسم صورة التاريخ وأهله المتجسّد فيها.

تقع القلعة على مسافة 5 أميال جنوب شرق ميدستون، في مقاطعة كنت التي تبعد 60 كم عن مدينة لندن، وتغطّي القلعة مساحة شاسعة تبلغ 500 إيكر، ما يعادل "1.4225 كيلومتراً، وتعد هذه القلعة أجمل قلاع بريطانيا، نظراً لروعة منظرها وجمال تصميمها وموقعها، وباتت تعرف أيضاً بـ "أجمل قلاع العالم".

اقرأ أيضاً :

تستغرق مشاهدته 5 أعوام.. "الإرميتاج" فخر سانت بطرسبرغ

ويعود بناء القلعة إلى عام 1119م، حيث كانت قبل ذلك، في عام 857 بالتحديد، مزرعة لإحدى العائلات السكسونية المالكة، وتم بناؤها بعد ذلك لتكون حصناً قوياً على أثر الاجتياح النورمندي لبريطانيا، وفي عام 1278، أصبحت القلعة من أهم معالم منطقة كينت؛ عندما اتخذها الملك إدوارد الأول ملك إنجلترا مقراً مفضّلاً لإقامته، بعد أن كان له الدور الأعظم في تشييدها وتحسين ما حولها وتجيير الطبيعة لتكون بأبهى حلّة، حيث بنى بحيرة اصطناعية كبيرة "بحيرة لين" حول القلعة، وعمل على إضافة جسر حجري ممتدّ على ثلاث جزر صغيرة، ومحاط بتحصينات شديدة خشية الهجمات، ولتكون مقرّاً آمناً، إضافة إلى ذلك أجرى تحسينات جمالية وعمرانية، وأضاف مرافق لاستقبال أفراد العائلة المالكة فيها؛ لتغدو القلعة بعد ذلك مقراً دائماً لحكام إنجلترا، حيث تعاقبت 6 ملكات على الحكم فيها، وجعلن منها منزلاً ومقراً للحكم، حتى عُرفت بعد ذلك أيضاً "بقلعة الملكات".

وفي القرن السادس عشر استخدمها الملك هنري الثامن بيتاً له ولزوجته كاثرينا.

leeds 3

وقد استُخدمت القلعة خلال الحرب الأهلية البريطانية عام 1642 سجناً للفرنسيين من أسرى الحرب، أما في الحرب العالمية الثانية فقد استُخدمت كمستشفى لإسعاف المصابين جراء الحرب، وميداناً لإعداد الخطط الحربية، وملجأً آمناً لبعض الرموز الحاكمة في بريطانيا.

جدير بالذكر أن هذه القلعة ظل دخولها حكراً على الطبقات الحاكمة منذ تأسيسها، ولم تكن متاحة لعامة الناس حتى عام 1976، حيث فُتحت القلعة لتكون شاهداً على حقب تاريخية مختلفة لتاريخ إنجلترا العظمى وحكامها السالفين، علماً أن المبنى الحالي وما يُرى منه يعود للقرن التاسع عشر، خصوصاً الفخامة التي تعتريها من الداخل وثبات الإنشاء الخارجي لها.

وفي وصف القلعة؛ فإنها تمتاز بالحدائق الخلابة، والتي هي من صنع البشر، إضافة إلى المتاهة والمغارة رائعة المنظر، وحقول العنب، والشلالات المزدانة بمختلف أنواع النباتات المائية فيها، والتي تجعل منها قطعة فنية بمزيج من ألوان الطبيعة.

وما يلفت الانتباه ويجعل القلعة لغزاً من ألغاز الفن المعماري القديم هو متاهتها السحرية التي تتميز بشكل مربع تماماً عند السير فيها، لكنها في حقيقة الأمر وعند التصوير الجوي يتّضح أنها دائرية الشكل، الأمر الذي يصعب فهمه عند كثير من البناة في مراحل متأخرة، إضافة لذلك فهي تحتوي ما يزيد على 2400 شجرة طقسوس بشكل هندسي متقن، ينتهي إلى مركزها الذي يشكّل تاج الملكة بطريقة غاية في الروعة، وعند الوصول إلى وسط المتاهة تواجهك بوابة لمغارة تقع أسفل المتاهة معتمة نسبياً، تتجسّد فيها كل أشكال الرعب؛ لوجود وحوش خرافية مشكّلة من الأصداف والحجارة والأخشاب، وتماثيل لنحاتين مشهورين آمنوا بالحياة السفلية، وكانت هذه التماثيل تمثّل تلك الحياة.

وكلما تعمّق الزائر أكثر في المغارة زادت المشاهد رعباً وتهويلاً، حيث تجد العظام والمخلوقات الغريبة المتسلّقة على الجدران، وفي نهاية المطاف يجد الزائر نفسه أمام مخلوقٍ غريبٍ مخيف أخضر اللون وهو يمثّل الروح الشريرة التي تسكن البشر والطبيعة، والذي له قدرة على إعادة الإحياء، بحسب المعتقدات الوثنية، الأمر الذي يضفي ذهولاً على زائري القلعة، ويشكّل تجربة فريدة يصعب توفرها في مكان آخر تاريخي حول العالم.

leeds 4

مراسل "الخليج أونلاين" التقى ببعض السياح الذين يزورون قلعة ليدز، وسألهم عن انطباعاتهم.

لوغان فيب، سائح كندي، قال: "زرنا القلعة وبُهرنا بجمالها، كانت الأرضيات أجمل شيء، وكان المشي إلى القلعة جميلاً جداً، فهناك الكثير من البط حول القلعة، بالإضافة إلى أن المنطقة المحيطة بالقلعة حقاً تحبس الأنفاس".

مارتن وبيتر صديقان من إسبانيا يزوران القلعة لأول مرة، تحدثا عن تجربتها في القلعة بالقول: "الأرضيات جميلة جداً، والأطفال هنا مستمتعون، يحبون اللعب في ساحة المكان، وقد شاهدنا الطيور الجارحة وكانت جميلة، المتاهة الموجودة في ساحة القلعة محيّرة أيضاً، لكن المشي فيها تحدٍّ ممتع".

وأضافا: "ذهبنا أيضاً إلى حديقة الحيوانات الموجودة في قلعة ليدز وكانت أكثر من رائعة".

سارة جيلاني، بريطانية من أصل باكستاني، قالت: "إذا وصلتم إلى القلعة فلا تفوّتوا مشاهدة الفيلم القصير الذي يُعرض على الواجهة اليمنى الأمامية لمدخل القلعة، حيث تستطيع مشاهدة التاريخ الدرامي المذهل للقلعة لتعود بك مئات السنين إلى الماضي، فهي مليئة بالتاريخ الجميل، إنها أشبه بنافذة على الماضي".

وتابعت: "أنصح الجميع بزيارة القلعة وأخذ وقت أكبر في مشاهدة جميع الشاشات المعروضة. لقد أحببت أيضاً عرض الفيلم القصير عن الطيارين المقاتلين أثناء الحرب العالمية الثانية، والذي يُعرض في خيمة كبيرة موجودة على الأرض، فالعرض حقاً كان مليئاً بالمعلومات المفيدة".

في الختام نستطيع القول إن قلعة ليدز أكثر الأماكن دهشةً وجمالاً، خصوصاً بما يعتريها من عراقة الماضي وصمود حتى الحاضر، إضافة لما يكمن فيها من أسرار البناء وغرابة الأفكار وإتقانها، ما يجعل من الزائر حبيس المكان حباً وإعجاباً لروعة المكان المثقل بالأحداث عبر الزمن.