وثائق "بن لادن" تعرّي تناقض دول الحصار بشأن دعم الإرهاب

بعد عقدين من النجاح الملفت والعمل المختلف، أصبحت قناة الجزيرة القطرية المؤسسة الإعلامية الكبرى والأكثر شهرة في منطقة الشرق الأوسط، لكونها الأقدر على تحقيق السبق والانفراد الصحفي اللذين يعتبران عاملين رئيسيين في نجاح أي مؤسسة إعلامية، ووضعها ضمن قائمة المؤسسات الأكثر شهرة واحترافية.

لكن بدلاً من أن تسعى دول أخرى بالمنطقة، غير راضية عن عمل الجزيرة، إلى تطوير مؤسساتها الإعلامية بما يضعها في منافسة مع نظيرتها القطرية، راحت هذه الدول تتهم الجزيرة ومن خلفها بدعم الإرهاب وتمويله، مستندة في ذلك إلى لقاءات حصرية وانفرادات خاصة تفرّدت بها الجزيرة دون غيرها مع عدد من الشخصيات التي يمكن وصفها بأنها الأكثر خطورة في العالم، وعلى رأس هؤلاء زعيم تنظيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن.

ومن بين الضربات الصحفية التي شاركت في تكوين وضع الجزيرة بين قوائم القنوات الأكثر أهمية في العالم، لقاء أجراه الصحفي السوري تيسير علوني مع أسامة بن لادن، وآخر مع زعيم حركة طالبان الملا عمر، عام 2001. كما ساهم الصحفي المصري يسري فودة، من خلال برنامجه "سري للغاية"، في ترسيخ صورة لدى المشاهد بأن الجزيرة يمكنها الوصول إلى ما لا تستطيع غيرها من القنوات الوصول إليه.

بن لادن

وفي سبق كان الأكبر والأهم عالمياً في وقته، التقى فودة خالد شيخ محمد (رئيس اللجنة العسكرية للقاعدة)، ورمزي بن الشيبة (منسق عام عملية الحادي عشر من سبتمبر)، بإحدى البنايات في كراتشي الباكستانية، وذلك عندما كانت الولايات المتحدة تضع على رأسيهما 50 مليون دولاراً.

وكانت الجزيرة الشاشة الأولى التي يلجأ لها بعض قادة القاعدة وطالبان لبثّ رسائلهم إلى الناس، فضلاً عن قدرة القناة الشابة على الدخول لمعاقل هذه التنظيمات، تماماً كما تمكنت من دخول ساحات المواجهات العسكرية في العراق وأفغانستان خلال الغزو الأمريكي لهما عامي 2001 و2003، على نحو لم يتوفر لغيرها من المؤسسات العالمية.

فودة

وخلال السنوات الأخيرة نجحت الجزيرة في تغطية كثير من الأحداث في المناطق المشتعلة وفي مقدمتها سوريا أيضاً على نحو لم تحققه غيرها من القنوات، ونجح الإعلامي المصري أحمد منصور في إجراء مقابلة خاصة مع زعيم "جبهة النصرة" السورية، أبو محمد الجولاني، منتصف مايو 2015، في سابقة صحفية مدهشة.

هذه الانفرادات التي يمكن توصيفها بالتاريخية في عالم الصحافة، وبدلاً من أن تدفع الدول التي تحاصر قطر منذ 5 يونيو الماضي، إلى تطوير أدواتها الإعلامية لمنافسة الجزيرة منافسة حقيقية، دفعتها إلى تعزيز اتهاماتها للجزيرة ومن خلفها دولة قطر بدعم الإرهاب والتواصل مع الإرهابيين، في حين تفرغت قنوات إماراتية وسعودية ومصرية لتحقيق انفرادات مفبركة وتدور كلها حول القيادة السياسية في قطر.

لكن، وفي تصرف غير متوقع ربما، رفعت الولايات المتحدة الأمريكية الحجاب عن عشرات الآلاف من الوثائق الخاصة بزعيم تنظيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن، لتكشف عن أن أولى مقابلات الرجل الذي كان يوصف بأنه الأخطر في العالم، كانت مع مؤسسات غربية وليست عربية.

وكشفت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)، الأربعاء (1 نوفمبر 2017)، عن 470 ألف ملف لزعيم القاعدة الراحل، كانت قد حصلت عليها أثناء الإنزال الذي نفذته قوات استخبارات البحرية الأمريكية (سيل تيم 6) عام 2011، وأدى لمقتل بن لادن.

وقال بيان للوكالة، نشرته على موقعها الإلكتروني: "وكالة المخابرات المركزية تكشف للجمهور قرابة 470 ألف ملف إضافي تم الحصول عليها خلال إنزال مايو 2011، على مجمع أسامة بن لادن في آبوت آباد بباكستان".

وأضاف أن مدير الجهاز الاستخباري، مايك بومبيو، قد أمر بالكشف عن هذه الوثائق "رغبة منه بالشفافية، ولكي يعزز فهم الجمهور للقاعدة وقائدها السابق".

اقرأ أيضاً :

"سي آي إيه" تكشف 470 ألف وثيقة من ملفات بن لادن

- تناقض وصمت

أبرز ما لفت الأنظار في هذه الوثائق أنها ضمت خطاباً خطياً يؤكد أن الصحفي البريطاني روبرت فيسك كان أول من التقى بن لادن، وحدث ذلك مرتين إحداهما عام 1994 والأخرى في السودان عام 1996، كما كشفت عن لقاء أجراه صحفي يدعى (سكوت)، وهو يعمل بمجلة تايم الأمريكية، وكان ذلك عام 1994.

هذا الكشف عن لقاء صحفيين غربيين بزعيم التنظيم المصنّف إرهابياً، دفع مدير قناة الجزيرة الإخبارية، ياسر أبو هلالة، إلى التساؤل إن كانت دول الحصار ستطالب بإغلاق "تايم" "وسي إن إن"، أسوة بموقفها من الجزيرة التي يتهمونها بدعم الإرهاب بناء على ما حققته من نجاحات صحفية وما أجرته من لقاءات حصرية مع عدد من قادة القاعدة بينهم بن لادن نفسه؟

حديث أبو هلالة اختص وزير الدولة لشؤون الخارجية الإماراتي، أنور قرقاش، الذي لا يتوقف عن مهاجمة قطر والجزيرة وكيل الاهامات لهما اعتماداً على تحقيقات وانفرادات صحفية، وهو المسلك الذي لم يسلكه المسؤول الإماراتي مع الصحف الغربية بعد كشف واشنطن لوثائق بن لادن؛ إذ لم ينطق الرجل بكلمة واحدة تتهم الإعلام الغربي والدول التي تموله بدعم الإرهاب كما يتهم الجزيرة.

ولعل هذه الأخيرة تؤكد أن وصول الجزيرة إلى مثل هذه الشخصيات لم يكن سببه علاقتها بالإرهاب، كما تزعم دول الحصار، وإنما كان سببه ثقة قادة هذه التنظيمات في نجاح الجزيرة، ونظرتهم لها بأنها الوسيلة الأسرع في إيصال ما يريدون إيصاله للعالم.

المدركون لطبيعة الصحافة وحقيقة العمل الصحفي، يعلمون أن نقل حدث أو خبر بعينه لا يعني الانحياز له، كما أن مقابلة شخص بعينه لا تعني أبداً تبني أفكاره، بقدر ما تعني رغبة المؤسسة في إيجاد موضع قدم لنفسها في ساحة الإعلام المؤثر.

وكما يقال دائماً إن ناقل الكفر ليس بكافر، فإن ناقل الخبر أيضاً ليس جزءاً منه. ويمكن القول إن هذه الانفرادات التي حققتها الجزيرة طوال مسيرتها أثبتت أنها تعمل من موقع المؤسسة الصحفية المحترفة، إذ لم يثبت قط تورطها في الإيقاع بمن التقتهم من شخصيات كان العالم كله يبحث عنها.

تنظيم القاعدة سبق أن نفى عن الصحفي يسري فودة تهمة الإبلاغ عن خالد شيخ محمد ورمزي بن الشيبة، اللذين اعتقلا بعد شهور من لقائه بهما، كما لم يثبت أن السلطات الألمانية تمكنت من معرفة أي شيء بخصوص أبو محمد الجولاني، رغم أنها اعتقلت الصحفي أحمد منصور في يونيو 2016، وأجرت معه تحقيقاً قيل إنه بسبب مقابلته الجولاني.

اجولاني

اقرأ أيضاً :

في عيدها الـ21.. الجزيرة تكسب المعركة ضد المطالبين بإغلاقها

- زلزال سياسي

ومؤخراً أحدثت الجزيرة ما يمكن وصفه بـ"الزلزال السياسي"؛ بعد تحقيق مميز لها عن "اللوبي الإسرائيلي في لندن"، وهو التحقيق الذي أحدث ضجة سياسية كبيرة وأدى لاستقالة ماريا ستريزولو، مساعدة وزير التعليم البريطاني، من منصبها؛ بعدما كشف التحقيق تآمرها لمصلحة جهات أجنبية.

وظهرت ستريزولو في تسجيل مصور خلال تناولها العشاء مع المسؤول السياسي بالسفارة الإسرائيلية ببريطانيا، شاي ماسوت، عندما تحدثا عن المسؤولين البريطانيين الذي يوجهون انتقادات لإسرائيل. وخلال حديثهما، تعهد ماسوت بالإطاحة بوزير الدولة البريطاني لشؤون أوروبا والأمريكتين، السير آلان دنكن.

كما تسبب الفيلم في نشر السفير الإسرائيلي في لندن اعتذاراً علنياً، وسط مطالبات من نواب بالبرلمان البريطاني لفتح تحقيق.

في شهر سبتمبر 2016، تمكنت وحدة التحقيقات التابعة لشبكة الجزيرة من كشف النقاب عن وجود فساد ضخم في أعلى هرم السلطة في جزر المالديف، يتمثل في عمليات سرقة ورشوة وغسيل أموال.

وكشف التحقيق الذي جاء في صورة وثائقي بعنوان "الجنة المسروقة"، أن رئيس المالديف، عبد الله يمين عبد القيوم، متهم بتلقي دفعات من أموال، تصل قيمة كل دفعة منها إلى مليون دولار أمريكي. وأوضح الفيلم أن إجمالي عدد الدفعات وصل حداً بات من الصعب عندها حمل الأموال، بحسب ما ذكره أحد الرجال الذي كان مسؤولاً عن حمل هذه الأموال.

وأثبت الفيلم أن وزراء الرئيس ومساعديه خططوا لعملية غسل أموال لمبلغ يقدر بحوالي 1.5 مليار دولار أمريكي، من خلال البنك المركزي للمالديف، بمساعدة رجال أعمال من سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا.

- وفاة عرفات

في نوفمبر 2013، بثّت الجزيرة وثائقياً بعنوان "مقتل عرفات.. الجزيرة تكشف سر موته"، تقصت فيه عدداً من الحقائق التي أفضت مجتمعة لمقتل الرئيس الفلسطيني السابق، ياسر عرفات، وهو ما يعني أن وفاته لم تكن طبيعية أبداً.

المثير في الأمر هو أن الخبراء السويسريين أصدروا تقريراً، تمكنت الجزيرة من الحصول عليه، يؤكد أن عرفات مات مقتولًا عبر سم "البولونيوم". وأظهر الفيلم حديث كبير المفاوضين الفلسطينيين، صائب عريقات، عن اتصال هاتفي بينه وبين ناصر القدوة، وزير الخارجية الفلسطيني في ذلك الوقت، وابن شقيقة عرفات، قائلاً له: "صائب. اتصل من فضلك بالأمريكيين؛ وقل لهم أن يطلبوا من الإسرائيليين إعطاءنا الترياق"، وأنه قد قام بذلك بالفعل.

عرفات

وفي العام 2011، حصلت الجزيرة أيضاً على مجموعة من الوثائق السرية الخاصة بعمليات التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتضمنت هذه التسريبات 275 ملخص اجتماعات، و690 بريداً إليكترونياً داخلياً، و153 دراسة وتقريراً، و64 مسودة لاتفاق، و54 جدولاً وخريطة ورسماً بيانياً، تتضمن كلها معلومات عن مفاوضات عملية السلام لأكثر من عقد من الزمان.

وشكلت السلطة الفلسطينية لجنة لتقصي الحقائق، والتي توصلت لنتيجة تقول: إن "التسريب جاء من مكتب دعم المفاوضات الذي يرأسه صائب عريقات؛ وهو ما أدى إلى استقالته من منصبه".

وفي العام 2015، تمكنت الجزيرة من تحصيل "سيل" من الرسائل بين المخابرات الأمريكية وعدد من عملائها في جنوب أفريقيا. وهي الرسائل التي حملت أسماء وأسراراً شديدة الأهمية.

والجزيرة ليست استثناءً في مجال الانفرادات الصحفية فالصحف الأمريكية والبريطانية كثيراً ما أحدثت هي الأخرى زلازل سياسية بانفرادتها، ولعل العالم كله يتذكر فصيحة "ووترغيت" وهي الفضيحة السياسية الكبرى في تاريخ أمريكا، والتي وقعت عام 1972، والتي نجحت "واشنطن بوست" من خلالها في الإطاحة بالرئيس ريتشارد نيكسون من منصبه.