• العبارة بالضبط

بغياب بارزاني وطالباني.. كيف تبدو كردستان بعد فشل الاستفتاء؟

انتهى استفتاء إقليم كردستان العراق، مخلفاً نتائج معقدة أحدثت أزمةً كبيرةً بين حكومتي أربيل والحكومة المركزية في بغداد، وهذا ما كان له أثر مباشر بإصابة الشعب الكردي بصفعة قاسية مخيبة للآمال، وذلك تزامناً مع نشوة الانتصارات المتعاقبة لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، لا سيما بالتصدي لتنظيم داعش.

تجميد الاستفتاء لم يرض الأطراف السياسية في البرلمان العراقي من جهة، في ظل تمسك وثيق بالحلم الكردي دون قياس ردود الأفعال الدولية وإثبات الدور الشخصي في آخر فترة حكم لولاية رئيس الإقليم مسعود بارزاني من جهة أخرى، والذي استقال مؤخراً تاركاً حلم الدولة الكردية وراءه، ما أدى إلى تشابك التفاوض وخلق صراعات جديدة دفع ضريبتها أهالي محافظة كركوك بالدرجة الأولى بعد نزوح أكثر من 85000 شخص إلى مناطق إقليم كردستان.

علامات استفهام كثيرة تلوح في الأفق حول رئاسة الإقليم بعد تنحي بارزاني، وتبادل اتهامات الخيانة في صفوف حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي أسسه جلال الطالباني (توفي مؤخراً أثناء الأزمة الأخيرة)، ومع هذه المواقف تتصاعد مؤشرات القلق حول مستقبل الإقليم في ظل غياب زعيميه.

حسام بوتاني، رئيس مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية، قال لـ"الخليج أونلاين": "مسعود بارزاني حتى وإن قرر الاستقالة فهو ما زال على رأس الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبهذه الحالة سيكون المشرف الأكبر على إدارة الإقليم حتى وإن لم يكن ذلك معلناً".

وأضاف: "الاتحاد الوطني يرأسه حالياً كوسرت رسول، ويشغل منصب نائب رئيس الإقليم، لكنه سيكون الأمين العام للحزب مؤقتاً إلى أن يجدوا بديلاً للطالباني، لكن هناك تخوف بعد الصفقة التي تم عقدها بين هيرو طالباني وقاسم سليماني في كركوك، وأن الأمر يأتي في جناحي سباق كوسرت رسول وملا بخيتار، إذ يعتقد كل طرف بأنه الوريث الحقيقي، والمرحلة القادمة ستكون معقدة أكثر إذ ما تم التفاوض بين أطراف الاتحاد الوطني، ما سيؤدي إلى انشقاقات جديدة داخل الحزب".

وتوقع بوتاني أن "منصب رئاسة الإقليم سيظل شاغراً لـ 8 شهور، وسيقوم البرلمان بتقليص الصلاحيات وتعديل المهمات والامتيازات لحين انتخاب بديل مناسب من داخل الحزب الديمقراطي".

- الرئيس الجديد

أسماء دبلوماسية ثقيلة قد تكون مرشحة لخلافة بارزاني، وبهذا الخصوص تحدث المحلل السياسي أواب أيوب لـ"الخليج أونلاين" قائلاً: "أبرز المرشحين: برهم صالح نائب رئيس الاتحاد الوطني، وقوباد نجل جلال طالباني، ومسرور بارزاني رئيس جهاز المخابرات في الإقليم، ورئيس وزراء الإقليم نيجرفان بارزاني، ويعتبر الشخص الأخير الأقرب لرئاسة الإقليم، لطريقته المحنكة في التفاوض، ولأنه يمتلك عقلية تجارية تتوافق مع القيادة الأمريكية تحت سلطة دونالد ترامب، بالإضافة إلى رؤيته الاستراتيجية المتزنة بالتعامل مع رئيس وزراء العراق حيدر العبادي".

- الحلم الكردي بعد مسعود

حسام البوتاني أشار إلى أن "حق قيام الدولة الكردية لا يتعلق بفترة زمنية معينة أو شخص ما، وإلا لرأينا أنه غاب مع وفاة رائد النضال مصطفى بارزاني، وبالنتيجة لا يمكن القول إن ابتعاد مسعود عن الرئاسة مرتبط بشكل مباشر بانتهاء فكرة تأسيس الدولة، لكن فعلاً ما حصل من خيانة وتوتر سياسي في كركوك يمثل مرحلة صعبة وانتقالية".

وتابع الباحث الكردي: "يجب ألا ننسى أن الاستفتاء خرج بنسبة 92%، وهؤلاء يتطلعون للاستقلال، وهذا الرأي الجماهيري العام أن حلم الدولة حتى إن لم يتحقق الآن، فهو سيؤجل ليجد اللحظة الملائمة والإمكانيات المهمة؛ ثم يتم حق تقرير المصير وإعلان دولة كردستان".

أما أواب فيرى أن "الرغبة الشعبية في كردستان لم يتم قتلها بسبب نتائج الاستفتاء، بل كان ذلك درساً صعباً يدعو السياسيين الكرد للتعامل بحكمة مع الظروف الحالية التي لا تناسب قضيتهم، مع الأخذ بالحسبان أن الصف الداخلي الكردي إن لم يتم توحيده على الرؤية الاستراتيجية للتعامل مع أطراف المنطقة فسيكون هناك خسائر فادحة اقتصادياً وسياسياً".

- خيبة داخلية

وحول الرأي العام المجتمعي يرى بوتاني أن "الشارع الكردستاني الآن أصبح يشعر بخيبة أمل كبيرة جداً تجاه القيادة الحزبية، وخصوصاً حزب الاتحاد الوطني، وهناك أغلبية كردية عظمى تتهم عائلة الطالباني بتسليم محافظة كركوك لإيران وليس للحكومة العراقية، أما النظرة لبارزاني فهناك رأيان؛ الأول معارض يحمله عدم التقدير الدقيق للظروف الحالية، وعناده لكل حلفائه، ما أدى إلى خسارة الكرد لعلاقاتهم الدولية، والثاني يمثل الأغلبية الذي ينظرون إلى أن بارزاني تحدى العالم وقاد الشعب الكردي ليجعله يقرر مصيره ويحرج العالم بأن الإرداة الكردستانية قادرة على الوصول إلى هدفها الذي لطالما ضحى أبناء كردستان من أجله تحقيقه".

اقرأ أيضاً :

واشنطن تايمز: وساطة أمريكية للتهدئة بين بغداد وأربيل

- انخراط البيشمركة بالدفاع العراقي

هناك مساع من قبل الحكومة العراقية لاستثمار الوضع بعد الاستفتاء ودمج قوات البيشمركة بالجيش العراقي، وجعلها تابعةً لوزارة الدفاع العراقية.

بوتاني رأى، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أنه "من المستحيل أن يتم تذويب البيشمركة في صفوف الجيش العراقي، فذلك يعني حل وتفكيك البيشمركة".

وتابع رئيس مركز صنع السياسات: "هذا صعب في الوقت الحالي بسبب خطابات الحكومة المركزية في بغداد التي لا تراعي خصوصية الإقليم، بل إنها تجاوزت الاتفاق بين الطرفين، فتحاول إضعاف دور البيشمركة أمام شعب كردستان، وهذا الأمر لن يقبل به الكرد، لذا ستبقى البيشمركة ملفاً مؤجلاً إلى حين انتهاء التفاوضات مع الاحتفاظ بحصرية القوات الكردية تحت إدارة الإقليم".

من جهته تحدث المحلل السياسي أيوب عن هذه النقطة قائلاً: "تفكر الحكومة العراقية في بغداد بضم البيشمركة كلواء عسكري ضمن وزارة الدفاع، لكي تتلقى الأوامر من رئيس الوزراء حصراً لكونه القائد العام للقوات المسلحة، ولن ينتهي التغيير عند هذا الحد، إذ ربما سيكون هناك تبديل جذري لعناصر البيشمركة على المناطق الحدودية، بهدف تحجيم دورها والتضييق على تحركاتها، وهذا ما شهدناه مؤخراً في محافظة كركوك".

واستدرك قائلاً: "ستتعامل الحكومة في بغداد بالضغط على حكومة إقليم كردستان بقطع رواتب عناصر البيشمركة، وتقليل السلاح والعتاد، وهو ما سيؤدي تدريجياً إلى انخراط قوات البيشمركة ضمن الأجهزة الأمنية العراقية، وسيكون التحكم ظاهرياً وإدارياً فقط من قبل الإقليم".

- تخوفات المرحلة القادمة

هناك آثار خطيرة تلوح بالأفق بعد أزمة الاستفتاء، وهو ما يسبب تخبطاً في الشارع الكردي، ويعرب بوتان عن قلقه قائلاً: "التخوف الرئيسي هو حدوث صراع كردي كردي، والعودة للاقتتال بين الحزب الديمقراطي، والاتحاد الوطني، والجانب الآخر هو احتمالية تقسيم كردستان إلى إقليمين وإدارتين بين أربيل والسليمانية".

من جهته يرى أيوب أن "التخوف الأكبر في هذه المرحلة هو استمرار الأزمة في كردستان واختراق الصف الداخلي، ثم انتشار السلاح بين الأحزاب الحاكمة وأبرزها الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني، وهذا ما سيؤخر الحلم الكردي ويبعده لسنوات طويلة جداً للتحقيق، ما يؤدي إلى ضرب الازدهار الاقتصادي الذي انتعش منذ عام 2008 وحتى 2014".

ويضيف: "أزمة الاستفتاء ستكون إحدى نتائجها تأجيل الانتخابات البرلمانية في الإقليم، وهذا التأجيل سيرافقه ولادة لأحزاب جديدة من شأنها إعادة توطيد العلاقات مع دول المنطقة، إذ تحتاج المرحلة القادمة إلى سياسة محكمة تتعامل مع الظروف بمرونة، وتركز على وحدة الصف الكردي وتوجهه نحو نظام سيادي يستند إلى المشاركة والتخطيط الاستراتيجي".