• العبارة بالضبط

فرض الدستور أو عقدة الدستور؟

لا يخفى على أحد أن رسم العملية السياسية في العراق، بعد سقوط النظام السابق في 2003، خطة أمريكية بامتياز، وكانت عودة الأكراد إلى بغداد واشتراكهم في بناء دولة جديدة هو مطلب الأمريكيين، مقابل ضمان حقوقهم، وهذا ما دفع بالكرد لدعم ومساندة أمريكا من أجل استقرار العراق، الذي كان في مأزق كبير بسبب المقاومة السنّية والرفض الشعبي لها، فلولا الأكراد لكان العراق تائهاً في دوامة حرب مدمّرة لا نهاية لها.

فالكرد قدّموا خدمة مجانية لكل من أمريكا والعراق بمشاركتهم في كتابة الدستور والتصويت عليه بنعم؛ لاعترافه بهم كمكوّن عرقي أساسي في العراق بعد عهدٍ من النكران والإقصاء، وهذا لم يدم طويلاً، حين ظهرت أول الخروقات الدستورية في نهاية عام 2007، أي بعد سنتين فقط من كتابته؛ والمتمثلة بتطبيق المادة 140، الخاصة بتطبيع الوضع في كركوك والمناطق المتنازع عليها، فكانت بمثابة الطعنة الحقيقية في جسد الخيمة الوطنية التي جمعت الفسيفساء العراقية تحت بنودها، وتلاها اتساع إطار الخروقات الدستورية لتشمل الجميع، وفي مقدمتها شيعة العراق، باعتبارهم في قمة السلطة والمسؤول الأول عن تطبيق البنود الدستورية دون تلكّؤ أو تمييز.

اقرأ أيضاً :

واشنطن تايمز: وساطة أمريكية للتهدئة بين بغداد وأربيل

فالدستور العراقي بمواده يشكّل عين العاصفة بالنسبة إلى العراق، والسبب الرئيسي لأغلب المشاكل التي تواجه بناء العملية السياسية (عقدة الدستور)؛ لأن كل طرف يحاول تفسيره بالشكل الذي يخدم مصالحه وأجنداته، وهذه "العقدة" كانت ولا تزال أقوى سلاح بيد كل المشاركين في العملية السياسية ما بعد صدام، لاتّهام وسحق الآخرين وفرض غاياتهم، فما حدث في الماضي القريب من رفض لتحويل محافظة البصرة إلى إقليم في الجنوب، واضطهاد سنة العراق وتهميشهم واعتقال عدد كبير من قياداتهم بذريعة الإرهاب والتحريض عليه، وأخيراً وليس آخراً ما يحدث الآن في إقليم كردستان، والعملية العسكرية الواسعة الموجّهة ضده ليس لفرض الدستور، إنما هي بالأساس (عقدة الدستور) التي لا بد من حلها بالحوار والنقاش والتفاهم بين كافة المكوّنات العراقية، وإلا فإن حالة عدم الاستقرار التي بدأت من عام 2003 ستستمرّ.

فالدستور هو عقد اجتماعي تتنازل فيه الأطراف عن جزء من حقوقها لتحقيق عيش مشترك بوجود سلطة عليا تساوي بين الجميع وتحمي مصالحهم، ولكن في العراق الدستور أصبح وسيلة لهيمنة طرف واحد على الآخرين، فلا يوجد أي شخص يحمل سلاحاً أو يلجأ للعنف إذا شعر بأن الدستور الذي تنازل من أجله يحميه ويرعى مصالحه بشكل عادل ومنصف.

اقرأ أيضاً :

الإندبندنت: على حكومة بغداد ألا تفْرط في إذلال الكرد

ومنه يمكن القول بأن كل ما يقوم به دولة رئيس الوزراء، حيدر العبادي، من الإجراءات الأخيرة ضد إقليم كردستان، باسم فرض السلطة والدستور، يحمل في طياته نوعاً من العقاب الجماعي تحت ذريعة دستورية؛ بدليل هل من المعقول فرض الدستور بالقوة العسكرية والسلاح ضد المتّهمين بخرقه في الوقت الذي يكون فارض الدستور مخترقاً له؟ فنحو 50 مادة دستورية تم خرقها بين إقليم كردستان والحكومة المركزية خلال السنوات الـ 10 الماضية.

عقدة الدستور عقبة أساسية أمام تطوّر العملية السياسية في مسارها الصحيح، ولا بد من حلّها بالحوار والتفاهم دون اللجوء إلى العنف، إن الدستور أساساً وُضع بالحوار والمفاوضات، ويمكن فكّ عقدته وسد ثغراته بنفس الطريقة. نعم الكل متّهم بالإخلال بالدستور، ولا يمكن معالجته إلا عن طريق إشراك الكل.