بعد إعلان استقالته من الرياض.. هل بات الحريري رهن الاعتقال؟

وسط زلزال سياسي هو الأكبر في تاريخ المملكة العربية السعودية، أثار ساسة ونشطاء أسئلة عن إمكانية إقدام الرياض على اعتقال رئيس الوزراء اللبناني المستقيل سعد الحريري، الموجود حالياً هناك، ضمن ما عُرف بـ"حملة مكافحة الفساد"، خاصةً أنه يحمل الجنسية السعودية وتحوم حوله شبهات فيما يتعلق بشركة "سعودي أوجيه"، التي كان يملك أسهماً فيها.

والسبت 4 نوفمبر 2017، اعتقلت السلطات السعودية عشرات الشخصيات، بينها 11 أميراً و38 وزيراً، فضلاً عن رجال أعمال بارزين، وذلك نظراً إلى تورطهم في أعمال فساد، وفق ما أعلنته الجهات الرسمية بالمملكة.

وقبل الإعلان عن حركة الاعتقالات التي أثارت استغراب العالم، أعلن الحريري (47 عاماً)، من الرياض، استقالته من رئاسة الحكومة اللبنانية، قائلاً إن حزب الله نجح في السيطرة على الجيش اللبناني بالقوة، وإنه يشعر بأن ثمة خططاً تحاك لاغتياله.

ورغم حالة الضبابية التي تسيطر على المشهد السعودي من إعلان حملة الاعتقالات التي تدور غالبية التحليلات حول ارتباطها بمحاولات ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان (32 عاماً)، لتسلّم السلطة من والده، كشف الناشط السعودي المعروف "مجتهد" عن وجود ترتيب داخل أروقة صنع القرار السعودي لـ"حشر سعد الحريري في زمرة المعتقلين"، مؤكداً أن بيان استقالته كُتب بمعرفة الرياض.

ويرتبط الحديث عن اعتقال الحريري بشركة "سعودي أوجيه" التي ورث فيها الحريري نصيباً عن والده الراحل رفيق الحريري، والتي واجهت أزمة مالية أدت إلى إشهار إفلاسها في أغسطس الماضي، معلنةً خروجها من السوق السعودية بشكل كامل، بعد مسيرة عمل استمرت 39 عاماً، بحسب تعميم الشركة الأخير لموظفيها.

وفي مايو الماضي، قال الحريري في لقاء متلفز، إن كل من له مستحقات على الشركة سيأخذها من الدولة السعودية، مضيفاً: "خادم الحرمين سبق أن أكد أنه لا حقوق تضيع عند الدولة السعودية".

غير أن هذه الأحاديث تظل مرهونة بالقرار السياسي اللبناني، حيث ذكرت مصادر في قصر الرئاسة اللبناني، الأحد 5 نوفمبر 2017، أن رئيس الجمهورية، ميشال عون، لم يقرر ما إذا كان سيقبل أو يرفض استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري، وأنه ينتظر عودة الأخير إلى لبنان؛ لشرح الأسباب.

وقالت المصادر لوكالة "رويترز": "رئيس الجمهورية يتابع الاتصالات"، وعلم أن "لا قرار ببتّ الاستقالة سلباً أو إيجاباً قبل عودة الحريري وفهم الأسباب".

اقرأ أيضاً:

أعلنها في الرياض.. الحريري يستقيل من رئاسة الحكومة

- اعتقال الحريري

وعلى حسابه بموقع "تويتر"، كتب "مجتهد"، الأحد، إن سعد الحريري يحمل الجنسية السعودية ويحق للنظام السعودي التعامل معه كمواطن من الناحية النظامية وما يتبع ذلك من إجراءات، مضيفاً: "القصة ليست إلا قرارَ (عربجي) من قِبل محمد بن سلمان لتبرير إبقائه في الرياض وابتزازه مالياً، حيث لا يستطيع إبقاءه في الرياض وهو رئيس لحكومة لبنان"، بحسب وصفه.

وقال "مجتهد": "إن البيان الذي قرأه (الحريري) كُتب له، وهو ليس مقتنعاً به ولا بمحتواه ولا مقتنع بإعلان الاستقالة من الرياض، فكيف يعلن زعيم سياسي استقالته من عاصمة دولة أخرى؟!".

وعقب إعلان الحريري استقالته، استهجن لبنانيون إعلانها من الرياض؛ لكون ذلك "إهانةً للكرامة الوطنية اللبنانية"، ودليلاً على تغوّل المملكة على قرارها السياسي، ودفعها باتجاه تنفيذ ما تريده من خطط ضد إيران.

الإعلامي اللبناني المعروف عباس ناصر، كتب على "فيسبوك"، أن "الاستقالة قد تصبح تفصيلاً، إذا ما قورنت بالبيان المعلن لها. قطع أيادٍ، وصدّ مشاريع. السعودية كأنها تعلن حرباً، أو تستشرفها".

وعن أسباب استقدام الحريري إلى الرياض لإعلان استقالته منها، كتب "مجتهد": "السبب الحقيقي لإعادته للرياض هو حشره مع الأمراء ورجال الأعمال الموقوفين؛ لهدف ابتزازه واستعادة الأموال التي لديه في الخارج وليس مرتبطاً بلبنان". وأضاف: "أما العلاقة بإيران، فقد كان الحريري سعيداً ومتفائلاً بلقائه الأخير مع (علي) ولايتي، وليس عنده من الوعي والالتزام (السنّي) ما يكفي لإدراك خبث إيران".

وكان الحريري قد التقى مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، في مقر الحكومة ببيروت في الـ3 من نوفمبر الجاري، أي في يوم استقالته نفسه.

ويتابع "مجتهد" كشف المستور، قائلاً: "طبقاً لمعلومات المخابرات السعودية، فإن الخطر على الحريري من الجماعات الجهادية أكبر من حزب الله؛ لأنهم يرونه سبباً في إضعافهم أمام حزب الله. والحديث عن اغتيال الحريري غير صحيح، فليس من مصلحة حزب الله اغتيال الحريري؛ لأنه مفيد للحزب؛ لكونه قيادة ركيكة بائسة ومضعِفة جداً لأهل السنّة".

ويؤكد الناشط السعودي: "لم يكن لدى الحريري ما يستحق هذا البيان؛ بل كان الوضع يتجه إلى تقليل المشاكل، والقضية كلها مرتبطة بإعادة الحريري للرياض وتجريده من منصبه".

اقرأ أيضاً:

11 أميراً و38 وزيراً.. تعرّف على قائمة الموقوفين بالسعودية

- اتهامات

زعيم مليشيا حزب الله اللبناني، حسن نصر الله، علّق على الوضع الملتبس بقوله: "ليس هناك سبب داخلي لبناني للاستقالة، ولا بد من التفتيش عن السبب السعودي"، مؤكداً أن "حزب الله لن يدخل في نقاش المضمون السياسي لبيان الاستقالة؛ لأنّه سعودي".

وفي خطاب متلفز الأحد 5 نوفمبر 2017، قال نصر الله: "علينا أن نتريث في التحليل وفي الإجراءات والتدابير، باستثناء الأمني منها، لحين أن نفهم السبب"، مشيراً إلى أن "النص الذي تلاه الحريري ليس نصاً لبنانياً، وإنما كتبه سعودي؛ فنحن نعرف أدبيات بعضنا البعض".

وفي تأكيد لوجود نية سعودية لاعتقال الحريري على ما يبدو، قال نصر الله: "نتوقف عند شكل تقديم الاستقالة؛ لأن به مساساً بكرامة لبنان ورئيس حكومتها. كان يجب السماح للحريري بالعودة إلى لبنان لتقديم استقالته".

وأضاف: "حتى الآن، لا يعلم أحد ماذا جرى خلال زيارة الحريري الثانية إلى السعودية. كل المعطيات تعطينا استنتاجاً قطعياً بأن الاستقالة كانت قراراً سعودياً أُجبر الحريري عليها".

وتابع: "ما تتجه إليه السعودية لا نعرفه، ولكن الأسماء التي اعتُقلت ليست صغيرة"، مؤكداً أن "الترويج لشائعات عن مخططات لعمليات اغتيال الرئيس الحريري أو أي سياسي، ربما يكون مبرراً لمنع الحريري من العودة إلى لبنان".

وقال زعيم حزب الله: "هناك تساؤل مشروع عن مكان الحريري، وهل هو موقوف؟ وهل يُسمح له بالعودة للبنان؟ وهذه أسئلة مشروعة في ظل الاعتقالات".

وبحسب المنشور في وسائل الإعلام السعودية، فقد تم توقيف الأمير متعب بن عبد الله، وزير الحرس الوطني، بتهم اختلاسات وصفقات وهمية وترسية عقود على شركات تابعة له، إضافة إلى صفقات سلاح في وزارته.

كما شملت الاعتقالات خالد التويجري، رئيس الديوان الملكي السابق؛ بتهم الفساد وأخذ الرشى، والأمير تركي بن عبد الله، أمير الرياض السابق، بتهم فساد، ورجل الأعمال وليد الإبراهيم، صاحب المجموعة التلفزيونية الكبرى عربياً "MBC"، بعدة تهم تتعلق بالفساد، والأمير الوليد بن طلال في قضايا غسل للأموال، والأمير تركي بن ناصر بن عبد العزيز؛ بتهمة توقيع صفقات سلاح غير نظامية وصفقات في مصلحة الأرصاد والبيئة.

ولم يكتفِ نصر الله بالتلميح إلى احتمال اعتقال الحريري في الرياض، ولكنه ذهب لاتهام الرياض بشن حرب على لبنان، بقوله: "الإشاعة الثالثة هي أن ولي العهد السعودي اجتمع برؤساء أركان التحالف؛ تحضيراً لعاصفة حزم تجاه لبنان، لكن هذا الأمر لا يرتكز على أي معطى".

واستمراراً لحديثه، قال نصر الله: "إسرائيل لا تعمل عند السعودية، ولا نعلم إذا ما كانت هناك حرب على لبنان تخضع لحسابات إسرائيلية، وهي لن تخوض حرباً إلا إذا كانت سريعة ورابحة".

وكان وزير الجيش الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، هدد بشن حرب على لبنان وسوريا، مبرراً ذلك بسيطرة حزب الله على الجيش اللبناني وتسخيره لخدمة أهداف النظام السوري وإيران. وأكد ليبرمان في أكتوبر الماضي: "كلاهما (حزب الله والجيش اللبناني) بات هدفاً لنا".

صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية قالت الشهر الماضي، إن ثمة احتمالية باتخاذ "خطوة إسرائيلية محسوبة جيداً ومبنيّة على رهانات لدى بنيامين نتنياهو، تقوم على أساس محاولة استغلال أو توظيف التطورات الإقليمية العاصفة، لشن حرب تسوية حساب جديدة مع حزب الله، ومن منطلق المراهنة على أن المتغيرات المتسارعة في التوازنات السياسية الإقليمية تساعد على هذا".

وفي هذا الصدد، قال خبير عسكري لـ"الخليج أونلاين"، إن المناورات الأخيرة التي أجرتها إسرائيل على الحدود اللبنانية تشي بأن ثمة نية مبيَّتة للحرب؛ إذ لا يمكن لجيش أن يجري مناورة بأكثر من 100 ألف جندي إلا إذا كان يستعد لحرب فعلية، هذا ما تعلمناه في فنون العسكرية".

ومطلع سبتمبر الماضي، أجرى جيش الاحتلال مناورة عسكرية واسعة النطاق، وكانت الأكبر منذ 20 عاماً، على الجبهة الشمالية مع جنوبي لبنان. وقد حاكت المناورة التي استمرت 10 أيام حرباً مع حزب الله اللبناني.

وعلى الصعيد الرسمي اللبناني، قالت صحيفة "المستقبل" اللبنانية"، الأحد 5 نوفمبر 2017، إن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون تابع اتصالاته لليوم الثاني على التوالي في أعقاب إعلان الحريري استقالة الحكومة من خارج لبنان؛ لتقييم التطورات الراهنة.

وفي هذا السياق، تلقى عون اتصالاً هاتفياً من رئيس مجلس النواب، نبيه بري، الذي أطلعه على نتائج لقائه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، كما تداول معه التطورات التي نتجت عن إعلان الحريري استقالة الحكومة، بحسب الصحيفة.

وأجرى عون اتصالاً هاتفياً بالرئيس المصري وتداول معه المستجدات الراهنة، حيث أكد الأخير وقوفه إلى جانب لبنان رئيساً وشعباً، ودعم مصر سيادة لبنان وسلامة أراضيه ووحدة شعبه.

كما أجرى عون اتصالاً بالعاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، تداولا فيه الأوضاع الراهنة، حيث أكد العاهل الأردني دعم بلاده وحدة اللبنانيين ووفاقهم الوطني وكل ما يحفظ استقرار لبنان.