الدب الروسي يتمدد ويفرض نفسه على طاقة الشرق الأوسط

تدرك القيادة الروسية أن تعزيز نطاق التعاون الاقتصادي، والمتمثل بالصفقات التجارية في مجال الطاقة، هو أحد أهم الأدوات التى تخدم موسكو في بسط نفوذها السياسي في المحيطين الإقليمي والدولي.

وفي هذا الإطار ارتفع في الآونة الأخيرة حجم الاستثمارات الروسية في الشرق الأوسط وخاصة في قطاع الطاقة، حيث وقَّع الدب الروسي عبر شركة "روسنفت"، وهي إحدى كبرى شركات النفط المملوكة للحكومة الروسية، العديد من الصفقات مع دول الشرق الأوسط مثل إيران، ومصر، والعراق وغيرها.

وهذا الأمر من شأنه أن يمكنها من جنى أرباح طائلة، ويجلعها لاعباً محورياً في إمداد الغاز الطبيعي للسوق الأوروبي، فوفق تصريحات للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في مارس 2017، فإن موسكو تطمح أن تكون أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم.

- حصة الأسد لدى السوق الإيراني

وقعت شركة روسنفت قبل نحو أسبوعين ستة اتفاقيات تعاون مع الحكومة الإيرانية بقيمة 30 مليار دولار، حيث شملت هذه الاتفاقيات مشاريع تطويرية في مجال الغاز والنفط، بالإضافة إلى مبادرات أخرى ذات صلة بالبحث والتطوير العلميين.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحجم الهائل لهذه الاتفاقيات يمثل ضربة موجعة للشركات النفطية الغربية، التي كانت دائماً تسعى لأن تأخذ حصة الأسد من سوق النفط الإيراني، وما يملكه من إمكانات تمكنه من تصدر الريادة على المستوى الإقليمي والدولي على حد سواء.

ومن المتوقع أن تعزز هذه الاتفاقيات مكانة روسيا التنافسية في السوق العالمي، ويجعلها تستأثر بالسوق الإيرانية دون منافسيها الغربيين، وإبعادهم عن هذه الوجهة الاستراتيجية الهامة.

- السوق المصري وثروات البحر المتوسط

في ظل الترجيحات التي تشير إلى تزايد ثروات حوض المتوسط من الغاز الطبيعي بشكل قد يغير من خريطة إمدادات الطاقة على الصعيدين الإقليمي والعالمي، استهدفت الحكومة الروسية زيادة حجم استثمارتها في حقول الغاز المصرية.

وأعلنت شركة روسنفت الروسية الشهر الماضي اكتمال صفقة استحواذها على 30% من شركة امتياز شروق (الأمر الذي مكنها من امتلاك حصة في أكبر حقل غاز مصري في المتوسط)، حيث بلغت قيمة صفقة الاستحواذ نحو 1.25 مليار دولار، بحسب بيان شركة "روسنفت" الروسية.

- روسيا في العراق رغم الخلافات السياسية

لم يتوقف هذا الأسطول الاستثماري الروسي هنا، ولكنه يسعى أيضاً إلى إحكام قبضة استثمارية على بلدان أخرى من الشرق الأوسط؛ فقبل نحو 3 أسابيع وبالعراق تحديداً، وافقت شركة "روسنفت" على أخذ حصة من أكبر شركة أنابيب بإقليم كردستان بدفع مبلغ تقدر قيمته بـ1.5 مليار دولار على شكل أصول.

وهذا يعني أن روسيا تسيطر على إحدى القطع الاستراتيجية من معادلة الطاقة في الشرق الأوسط، التي إن أضفنا إليها ما تسيطر عليه في إيران من خطوط أنابيب، فإن هذا الأمر سيمكن الدب الروسي من تقلد مكانة معتبرة في المجتمع الدولي عندما يتعلق الأمر بالسياسة أو الطاقة.

اقرأ أيضاً :

واشنطن بوست: لهذه الأسباب تراقب أمريكا زيارة ملك السعودية لموسكو

وممَّا لا شك فيه أن المنطقة ستشهد مناورات استثمارية جديدة لهذه الشركات الروسية النفطية العملاقة، التي يبدو أنها قد عزمت على المضي قدماً في هذا الأمر، وربما سنعرف إن كان في مقدرة الشركات النفطية الغربية تلافي واللحاق بالركب الروسي في الاستحواذ على طاقة الشرق الأوسط.

- العلاقات السعودية الروسية

وفي السياق نفسه شهدت العلاقات الروسية السعودية تحسناً ملحوظاً في الآونة الأخيرة، توج بزيارة العاهل السعودي لروسيا مؤخراً، وتوقيع العديد من الاتفاقيات في مشاريع الطاقة والبنية التحتية.

وبحسب وكالة "رويترز"، قال الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار المباشر الروسي الأسبوع الماضي للصحفيين، إن الصندوق يخطط للمشاركة في بناء مشروع "نيوم"، وهي مدينة عملاقة جديدة قيمتها 500 مليار دولار، في إطار مشاريع بمليارات الدولارات.

ويستثمر صندوق الاستثمار المباشر الروسي وصندوق الاستثمارات العامة، وهو صندوق الثروة السيادية الرئيسي للمملكة، قرابة مليار دولار في تسعة مشاريع مشتركة، وفقاً لوزارة الطاقة الروسية.

وذكرت وزارة الطاقة الروسية أن هناك نحو 25 مشروعاً إضافياً بعشرة مليارات دولار قيد الدراسة في إطار الشراكة الاستراتيجية، مضيفة أن الصادرات الروسية إلى المملكة زادت إلى نحو المثلين هذا العام.

وفي سياق آخر قال وزير الطاقة الروسي، ألكسندر نوفاك: "التعاون في (الذرة السلمية) يمكن أن يكون مهماً"، وذلك في إشارة إلى الطاقة النووية. وتعتزم السعودية ترسية عقد إنشاء أول مفاعلين نوويين بها في عام 2018.

وتأتي هذه التصريحات بعد زيارة أجراها العاهل السعودي الملك سلمان إلى روسيا عززت العلاقات البالغة الأهمية لأسعار النفط العالمية.

وهذا التسابق على عقد اتفاقيات مع بلدان الشرق الأوسط في مجال الطاقة يمكن أن يشاهد أيضاً من خلال بلدان أخرى على غرار بلدان شمال أفريقيا والإمارات، حيث أعرب وزير الطاقة الإماراتي، سهيل المزروعي، خلال زيارته مؤخراً إلى كازاخستان، عن استعداد بلاده لتقوية العلاقات الاقتصادية خاصة في مجال الطاقة.

واعتبر الوزير الإماراتي أن العلاقة مع روسيا في مجال الطاقة هي علاقة تكميلية أكثر من كونها تنافسية. وأضاف أن العالم يحتاج روسيا كما يحتاج دول "أوبك".

وفي نفس سياق هذا السعي الحثيث لروسيا من أجل الدخول إلى الحقل الطاقوي من الباب العريض، أبدى وزير الطاقة الروسي، ألكسندر نوفاك، خلال فعاليات ملتقى استثماري بالرياض أيضاً رغبة بلاده واستعدادها من أجل التباحث لتمتين سبل التعاون في مجال الطاقة وإدراج الشركات الروسية، وهذا بالموازاة مع المنطقة الصناعية الحرة التي تعتزم هذه الأخيرة افتتاحها.