ماذا لو كان العبادي رجل إيران الطيب؟

قدمت السياسة الإيرانية نماذج فريدة من الشخصيات والمدارس التي استطاعت من خلالها الحفاظ على تجربة نظام ولاية الفقيه، وهو أنموذج خاص جداً، لم يسبقه شبيه له في أنظمة الحكم، ولم يتكرر هذا النموذج الذي ولد في المنطقة التي شهدت صراعات لم تتوقف منذ فجر الخليقة، ورغم تعرض هذا الأنموذج لتحديات إقليمية ودولية كبيرة فإنه لم يبقَ صامداً فحسب؛ وإنما كان قادراً وبشكل كبير أن يحول كل التحديات إلى فرص من خلال ما يتمتع به من مرونة وصلابة في نفس الوقت، فهو مرن جداً حين يتعامل مع الفاعلين الدوليين الخارجيين، وهو صلب جداً حين يتعامل من منطلق داخلي أيديولوجي.

يرتكز هذا النظام على الدين في بنائه السياسي والاجتماعي والإعلامي، وربما أنموذج الإطاحة بنظام البعث في العراق وإعدام صدام حسين خير دليل على قوة ومرونة وصلابة هذا النظام، فبعد حرب السنوات الثماني مع صدام، وبعد أن اعتقد الجميع أن إيران قد هزمت واحتفل الجميع بالنصر العربي على الفرس عام 1988؛ لم تعترف إيران بهذه النتيجة، وبدأت بالتحرك لإنهاء هذه المعركة بطريقتها ووفق قواعدها هي.

حيث استطاع اللوبي الإيراني الشيعي بقيادة أحمد الجلبي إقناع دوائر القرار الأمريكي بضرورة إسقاط نظام صدام حسين واحتلال العراق، وبالتأكيد لم يكن الجلبي سوبر مان ليستطيع وحده أن يقنع الأمريكيين بهذا القرار الخطير؛ بل كانت الماكنة الإيرانية بكل قوتها الاستخبارية والمالية والعلاقاتية من خلفه، وهي تخطط لهدف كبير جداً لا يقف عند حد إسقاط النظام في العراق والانتقام من صدام فحسب، بل احتلال العراق من خلال استدراج القوة العالمية الأمريكية إلى ساحة تملكها هي بالأصل؛ من خلال التواجد الشيعي الكبير في العراق، والذي كانت تتواصل معه، بل وتستحوذ عليه من خلال الأيديولوجية الشيعية الصلبة التي بنتها على مدى قرون كاملة حتى كان مؤثراً في القرار الكويتي الذي صعد الصراع مع صدام، ليتم تحطيم القوة العسكرية له في حرب الخليج الأولى عام 1991، أما اللوبي الإيراني في أمريكا والدول العظمى فقد استمر بالعمل وبشكل فاعل إلى أن تم اجتياح العراق عام 2003، وإعدام صدام بأيدٍ إيرانية وتحت حماية المارينز الأمريكي.

وهنا أصبح الحلم الإيراني واقعاً، فقد أصبحت إيران هي الممسكة بالحكم في العراق، وهي من تكتب الدستور، وتبني عمليته السياسية كما تريد، بل وتبني أجهزته الأمنية الرسمية وغير الرسمية بنفسها دون أي منازع، حتى استفاقت الولايات المتحدة على حقيقة أن لا مكان لها في العراق، وعليها أن تخرج قبل أن تغرق بمستنقع وعر مليء بمليشيات وأجهزة أمنية تدين بالولاء الكامل لإيران؛ سياسياً ودينياً وأمنياً.

أما أمريكا فلم تستوعب الدرس الإيراني الذي عنوانه الأكبر أن الولاء المذهبي لدى الشيعة أعمق من المصالح السياسية، فعادت لترد الصفعة لإيران من خلال داعش، لكنها نسيت أو تناست أن إيران لديها مرونة عالية في التعامل مع التهديدات الخارجية، وتحويل التحديات إلى فرص، فحولت إيران تحدي داعش إلى فرصة كبيرة في إعادة السيطرة لا على الجغرافية العربية في العراق فحسب، بل تعدت إلى الجغرافية الكردية من خلال الأنموذج الجديد والفريد الذي تسعى إيران من خلاله لاستكمال ما بدأه الجلبي.

اقرأ أيضاً :

نيويورك تايمز: السنّة لا ينتظرون الكثير من حكومة بغداد الطائفية

- العبادي رجل إيران الطيب

بعد أن أفشل الأمريكيون أنموذج المالكي في قيادة العراق، وقد يكون المالكي جاء في التوقيت الخاطئ، جاءت إيران لتقديم العبادي الذي قد يعتقد كثيرون؛ من سياسيين ونخب، أنه مختلف عن المالكي، نعم هو مختلف من حيث الأداء لكنه لا يختلف قيد شعرة من حيث الإيديولوجية، والانتماء، فهو من مدرسة حزب الدعوة التي أنتجها الفكر الاثنا عشري، بل قد يكون العبادي أكثر ارتباطاً دينياً وفكرياً بالتشيع وإيران من الجلبي.

وقد يعتقد القارئ أن هذا القول مجرد استهداف للعبادي، لكن لو تفحّصنا جيداً الوضع العراقي فسنكتشف أشياء خطيرة جداً؛ منها أن:

1- العبادي يحاول سلب الأمريكيين الجمهور السني الذي أصبح قريباً جداً من الأمريكيين بعد ما عاناه طيلة السنوات الماضية.

2- العبادي يحاول تحطيم الأنموذج الكردي الذي يعتبر أحد ركائز الأمريكيين في العراق والمنطقة.

3- العبادي يستحوذ على نصيب السنة والأكراد في المناصب، ومراكز العراق دون المساس بحصة الشيعة أو إيران.

4- العبادي يتقدم باتجاه المجتمع العربي الخليجي كنموذج لجار خلفه مقتدى الصدر.

5- العبادي حول مليشيات إيران إلى جهات أمنية وعسكرية رسمية؛ حتى الأمريكيون صاروا يتعاملون معها كواقع حال، وفرقة العباس القتالية أنموذج.

7- العبادي يحاول التغاضي عن قضية إعادة النازحين في المناطق المختلطة بين السنة والشيعة، ويسلم ملف إعادة النازحين في المناطق السنية إلى قادة الحشد ليمكنهم فيها أمنياً وسياسياً.

في الختام

- إيران لا تُهزم.

- العبادي ليس وطنياً.

- أمريكا تُستدرج مرة أخرى.

- السنة بلا هوية سياسية.

- هوية الأكراد مهددة.