الإمارات.. صعود وهميّ خلقته ظروف المنطقة

أثارت المواقف السياسية التي اتّخذتها دولة الإمارات العربية المتحدة، منذ مطلع العقد الحالي، تساؤلات بشأن طبيعة الدور الذي ترغب أبوظبي في القيام به، بعد سنوات طويلة من النأي بالنفس عن الدخول في معترك الأزمات السياسية الكبرى.

الإمارات ليست بالبلد الكبير جغرافياً ولا سكانياً، لكنها بدأت، منذ اندلاع الربيع العربي عام 2011، السعي للعب دور محوري لم تكن تلعبه من قبل على مستوى السياسة العربية، في ظل وجود دول كانت توصف لعقود طويلة بأنها صاحبة القرار في القضايا العربية الكبرى.

- حياد

ومنذ ظهورها قبل 47 عاماً، عُرفت الإمارات بالحياد تجاه قضايا المنطقة، والاكتفاء بالدور الإنساني بعيداً عن المواقف السياسية القوية.

وخلال عقود طويلة، كان يُنظر إلى مصر والسعودية وإسرائيل وتركيا وإيران، وفي وقت مضى سوريا والعراق، على أنها الأطراف المؤثرة تقليدياً في القضايا الرئيسية للشرق الأوسط، غير أن تجاهل الدور الإماراتي الحالي في كافة أحداث المنطقة بات بعيداً عن المنطق.

في عهد الشيخ المؤسّس، زايد بن سلطان آل نهيان، اقتصر دور الإمارات على "الوساطات السلمية"، والدعم الإغاثي لمختلف القضايا التي تركت الحسم فيها لدول أكثر منها ثقلاً في القرار الرسمي العربي.

لكن وعقب وفاته عام 2004، ومع صعود نجم نجله محمد بن زايد، كرجل قوي للبلاد، بدأت تغيّرات جذرية تظهر على سياسة أبوظبي الخارجية، التي بات حاكمها الفعلي، محمد بن زايد، أكثر هجوماً وسعياً لبسط نفوذه أينما مدّ بصره.

خلال العقدين الأخيرين، تمكّنت الإمارات من اكتساب صورة الدولة المتطوّرة؛ عبر مشاريع حداثية عملاقة، منها برج خليفة (أطول برج في العالم)، بالإضافة إلى أنها صاحبة صندوق سيادي تقترب قيمة أصوله من 875 مليار دولار، وتوجد فيها وزارة خاصة بالسعادة.

وإن كان بإمكان الموجود في الإمارات تناول البرغر المزيّن بذهب من صنف 24 قيراط، فإن ذلك لا يُخفي حقيقة أن لها وجهاً آخر سيترك أثره السلبي مطبوعاً على مستقبل أجيال من أبناء المنطقة.

- تحرّك كبير

عقب اندلاع الربيع العربي، أيّدت الإمارات الثورة الليبية منذ بدايتها، ودعمت المعارضة السورية المعتدلة، والعلمانية منها على وجه التحديد، كما ظهر دورها بشكل لافت في محاربتها للإخوان المسلمين أينما وجدوا، وهو ما تجلّى في دعمها وترحيبها بعزل الرئيس المصري محمد مرسي، على يد الجيش، عام 2013، ودعمها لأطراف ليبية وتونسية معادية للإسلاميين.

صحيفة "تاغس أنتسايغر" السويسرية، تقول: إن "الإمارات أصبحت القوة العظمى السريّة في الخليج والشرق الأوسط؛ فهي تملك جيشاً قوياً، ولديها قوات إضافية من المرتزقة".

وتضيف الصحيفة (الجمعة 17 نوفمبر 2017): "الإمارات متورّطة في كل المناطق المضطربة تقريباً؛ في اليمن وفي ليبيا والعراق وسوريا"، متهمة إياها بأنها "هي من تقود حصار قطر، ولها تأثير في مصر ربما أكثر من تأثير السعودية التي تحتلّ موقع الزعامة في العالم الإسلامي".

وتوضّح الصحيفة أن "الإمارات أنفقت في عام 2016 ما قدره 23.5 مليار دولار على ميزانية الدفاع، وذلك في بلد يبلغ عدد سكانه 9.5 مليون نسمة، ولكن عدد مواطنيه لا يزيد عن المليون والنصف".

الصحيفة أشارت أيضاً إلى أن "استراتيجية الإمارات لبسط نفوذها وتعزيز سلطتها في المنطقة لا تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل على العلاقات العامة، وقوى الضغط داخل أوروبا والولايات المتحدة".

وتتابع: "سفير الإمارات في واشنطن، يوسف العتيبة، لديه أفضل الاتصالات مع الإدارة الأمريكية، كما أن جيمس ماتيس، وزير الدفاع الأمريكي الحالي، كان مستشاراً لجيش الإمارات".

وقد عملت الإمارات أيضاً على جلب قوى لم تكن موجودة في المنطقة خلال السنوات الأربعين الأخيرة؛ كفرنسا، التي ترتبط معها بعلاقات استراتيجية.

ومنذ العام 2007، تحظى أبوظبي بالوجود العسكري الفرنسي الوحيد خارج أفريقيا، هذا بالإضافة إلى نحو 700 عسكري فرنسي ينتشرون في قاعدة "الظفرة" جنوب أبوظبي، وهي القاعدة التي تنطلق منها طائرت "رافال" لقصف مواقع تنظيم الدولة في العراق وسوريا، بالإضافة إلى كونها مركزاً إقليمياً لحاملات الطائرات الفرنسية.

اقرأ أيضاً :

سقطرى اليمنية.. جوهرة التراث العالمي تحت قبضة الإمارات

وإلى جانب فرنسا، تؤدي الإمارات دوراً محورياً في العلميات العسكرية في أفريقيا، ضد الجماعات المسلحة هناك. وفي العام 2013، شكر الرئيس الفرنسي السابق، فرنسوا هولاند، الإمارات على دورها في دعم بلاده في القارة السمراء.

وقد أكد هولاند آنذاك أنه حصل على دعم مادي من الإمارات في العملية العسكرية التي تشنّها فرنسا ضد المتمرّدين في مالي.

- وجه آخر

ويعتبر مراقبون أن اللحظة المفصلية التي أظهرت الإمارات على الساحة كانت في دعمها الانقلاب على الرئيس الإسلامي، محمد مرسي، في مصر، وقرارها المشاركة في الضربات الجوية ضد تنظيم الدولة في سوريا، لتعيد بذلك تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط.

كما أن انشغال مصر وسوريا والعراق، القوى العسكرية التقليدية في العالم العربي؛ إما بحروب أهلية، أو باضطرابات سياسية داخلية، ترك للإمارات فرصة ملء الفراغ كلاعب جديد في المنطقة.

بيد أن هذا التحرّك لم يساعد على الاستقرار في بلدان تعمّها الاضطرابات، بل إنه أشعل وتيرة الحروب وزاد شلالات الدماء؛ ففي ليبيا، دعمت الإمارات خليفة حفتر، الذي يقود قوات شرق ليبيا، وأجّجت الصراع في ليبيا بعد أن كان قريباً من الحل عبر الانتخابات في 2013.

كما تدعم أبوظبي أيضاً قوات انفصالية في جنوب اليمن، مستغلّة انشغال السعودية بوضعها الداخلي، وبالمعارك في حدودها مع مليشيا الحوثي والقوات الموالية للرئيس المخلوع، علي عبد الله صالح، لبسط سيطرتها حتى تكون صاحبة النفوذ الأقوى في اليمن مستقبلاً.

وفي هذا السياق، أقامت الإمارات قاعدة عسكرية في "جزيرة ميون"، الواقعة على مضيق باب المندب، دون علم الحكومة اليمنية، لتسيطر بذلك على حركة المضيق الاستراتيجي على البحر الأحمر، بحسب ما نشره الصحفي البريطاني المتخصص في قضايا الشرق الأوسط، جيريمي بيني، في يوليو الماضي.

ويجزم العديد من المحللين والخبراء أن الإمارات هي كلمة السر في أعنف أزمة تهزّ الخليج العربي، بعد قطع السعودية والإمارات والبحرين علاقتها مع قطر، وفرض حصارٍ غير مبرّر عليها؛ بحجة "دعم الإرهاب"، في وقت كان من الممكن حل أي قضية خلافية بالوسائل الدبلوماسية.

كما يرى محللون أن السياسة التي تحاول الإمارات أن تلعبها تنبع من مخاوف استراتيجية متوسطة أو بعيدة المدى، خصوصاً من قوى الإسلام السياسي؛ فالخطاب الرسمي الإماراتي يرى أن الإسلاميين يرغبون باحتكار السلطة حتى لو تم انتخابهم ديمقراطياً، وأنهم ذوو فكر متمدّد؛ أي لا يؤمنون بالدولة الوطنية الحديثة.

لكن هناك من ذهب إلى أن هذه المخاوف "وَهم" كان من الممكن تبديده لو تقاربت الإمارات مع نظام مرسي مثلاً، إذ كان من الممكن أن يؤدي ذلك إلى التحالف بين البلدين وتعزيز العلاقات.

ومن اللافت أن الإمارات لم تختر أداء دور في دعم استقرار الأنظمة الديمقراطية التي جاءت بها ثورات الربيع العربي، وهو عامل هام يمكن أن تستغله في تقوية سياستها العالمية وتعزيز دورها الإقليمي، واتخاذ هذه الأنظمة الجديدة كحليف قوي لمواجهة السياسة الإيرانية العدائية بشكل واضح، تجاه جميع دول المنطقة.

ومع ذلك، فإن ثمة من يعتقد أن الدور الإماراتي في السياسة الدولية "سيبقى محدوداً"؛ بحكم عدم امتلاك الدولة الصغيرة لقوة عسكرية ضاربة كتلك التي تمتلكها تركيا مثلاً.

ويعزز أصحاب هذا الرأي موقفهم بالقول، إنه لو كانت الإمارات بهذه القوة لما بقيت جزرها الثلاث محتلّة من قبل إيران منذ نحو نصف قرن. الأمر الذي يطرح سؤالاً مهماً بشأن ما إذا كانت الإمارات قوة حقيقية صاعدة أم متوهمة.