بوادر أزمة.. واشنطن تساوم السلطة الفلسطينية على مكتب منظمة التحرير

تمر العلاقات بين السلطة الفلسطينية والإدارة الأمريكية بحالة توتر كبيرة، قد تصبح أزمة دبلوماسية هي الأولى بينهما منذ دخول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، مطلع العام الجاري.

وقد تؤدي هذه الأزمة، إن تطوّرت، إلى بعثرة الأوراق كافة بالمنطقة، خاصة بعد الجهد الذي بذلته الكثير من الدول، وعلى رأسهات السعودية، لتهيئة الأجواء لإطلاق "صفقة القرن" المنتظرة.

وطوال السنوات الماضية، كانت واشنطن تلوّح دائماً بالضغط على الجانب الفلسطيني من خلال أوراق سياسية ومالية واقتصادية؛ لتمرير سياسات معينة وإجباره على الخضوع لإملاءاتها، وقد وجدت في "منظمة التحرير" ورقتها القوية للي ذراع الفلسطينيين هذه المرة.

ورفضت الإدارة الأمريكية تجديد تصريح عمل مكتب منظمة التحرير الفلسطينية بواشنطن في الوقت المحدد؛ ما دفع الفلسطينيين إلى التهديد بتجميد العلاقات مع الولايات المتحدة في حال إغلاق المكتب.

وللمرة الأولى منذ ثمانينيات القرن الماضي، تتأخر واشنطن في تجديد أوراق عمل المكتب، في حين يسعى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى الحصول على أوراق مساومة في محاولته التوصل إلى اتفاق سلام صعب المنال بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

- مساومة أمريكية

الخارجية الأمريكية، وبحسب وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي، أبلغت السلطة الفلسطينية قبل يومين، رسالة بأن "وزير الخارجية (ريكس تيلرسون) لم يتمكن من إيجاد ما يكفي من الأسباب للإبقاء على المكتب مفتوحاً".

هذا وضع لم يحدث سابقاً، كما يقول المالكي، الذي أضاف: "طلبنا من الخارجية الأمريكية والبيت الأبيض توضيحات، وأبلغونا أنه سيُعقد، الاثنين، اجتماع على مستوى الخبراء القانونيين؛ ومن ثم يعطون رداً واضحاً للسلطة الوطنية".

ويتوقف بقاء مكتب منظمة التحرير، التي يعتبرها المجتمع الدولي الجهة الممثِّلة رسمياً لجميع الفلسطينيين، مفتوحاً في واشنطن على تصريح من وزير الخارجية الأمريكي يجدَّد كل ستة أشهر، وقد انتهت الأشهر الستة السابقة الجمعة 17 نوفمبر 2017.

من جهته، عبّر نبيل شعث، مستشار الرئيس الفلسطيني للشؤون الخارجية، عن رفضه القاطع لـ"سياسة الابتزاز"، التي تنتهجها الإدارة الأمريكية تجاه الفلسطينيين، واستخدام "منظمة التحرير" كورقة ضغط للي الذراع وتمرير سياسات مرفوضة.

وقال شعث لـ"الخليج أونلاين": "ما صدر عن الإدارة الأمريكية بهذا الملف أمر مرفوض جملةً وتفصيلاً، وهي محاولة فاشلة من قِبلها للضغط علينا للقبول بمبادرات سياسية قد تكون خطيرة على فلسطين وقضايا الحل النهائي المتعلق بها".

وشدد على أن الموقف الفلسطيني "لن يتغير مهما كان حجم الضغوط والابتزاز الذي نتعرض له"، مضيفاً: "سنقول (لا) بقوة لكل من يحاول أو يفرض علينا إملاءات ومبادرات لا تتوافق مع حقوقنا".

ولفت مستشار الرئيس الفلسطيني إلى أن الإدارة الأمريكية مطالَبة بالتراجع الفوري عن هذا "الابتزاز"، وعدم وضع أي شروط مسبقة لعمل مكتب منظمة التحرير في واشنطن.

هذه الخطوة، يضيف شعث، "قد تُدخلنا في أزمة دبلوماسية خانقة وكبيرة مع إدارة ترامب، وستقضي على كل الجهود التي بُذلت طوال الفترة الأخيرة لتهيئة الأجواء لإحياء مشروع المفاوضات والسلام في المنطقة".

في غضون ذلك، حذر أمين سر منظمة التحرير، صائب عريقات، من أن الفلسطينيين سيجمّدون علاقاتهم مع الولايات المتحدة في حال إغلاق مكتب المنظمة بواشنطن.

وقال عريقات في تسجيل مصور نُشر على موقع "تويتر"، إن المنظمة أبلغت الإدارة الأمريكية رسمياً رسالةً خطيةً بأنه "في حال أُغلق مكتب منظمة التحرير فسنعلق اتصالاتنا مع الإدارة الأمريكية، بكل أشكالها، إلى حين إعادة فتح المكتب".

واعتبر عريقات أن واشنطن "تكافئ حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بهذا القرار، ونعاقَب نحن. هذا أمر مرفوض جملةً وتفصيلاً".

ولدى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، 90 يوماً لإعادة فتح المكتب في حال رأى أنه تم تحقيق تقدُّم في المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية.

اقرأ أيضاً :

السلطة الفلسطينية تهدد بتعليق اتصالاتها مع واشنطن

- ردٌّ فلسطيني

وعلم مراسل "الخليج أونلاين" في غزة، أن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، أمر بعقد اجتماع فلسطيني طارئ تشارك فيه الفصائل الفلسطينية كافة وقادة أجهزة الأمن بالضفة الغربية؛ للتشاور في خطوة واشنطن "المفاجئة" وسبل التجهيز لما هو قادم.

وأوضحت المصادر أن عباس يريد أن يتحدى الإدارة الأمريكية هذه المرة، مضيفة أنه "سيتخذ قرارات صعبة"؛ متمثلة في إبلاغ جميع الأطراف العربية والأوروبية رفضه العودة لمربع المفاوضات من جديد مع إسرائيل، وعدم التعاطي مع المبادرة السياسية الأمريكية المرتقبة.

وأشارت إلى أن عباس يتوقع أن يكون هناك خطوات تصعيدية من قِبل الإدارة الأمريكية بوقف المساعدات والمنح المالية المقدمة للسلطة؛ لذلك سيطالب خلال الاجتماع الفلسطيني بإعداد "خطة طوارئ"؛ للتعامل مع المرحلة المقبلة الخطيرة.

ولفتت إلى أن الرئيس الفلسطيني بدأ بإجراء اتصالات مع مصر والأردن؛ في محاولة للضغط على الإدارة الأمريكية للتراجع عن قرارها وتدارك الأزمة واحتواء الموقف قبل وصوله لمرحلة صعبة.

وفي السياق ذاته، أكدت حنان عشراوي، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أن واشنطن تأخذ منحنىً خطيراً وسيئاً في التعامل مع القضية الفلسطينية.

وأضافت عشراوي لـ"الخليج أونلاين": "عدم منح ترخيص لمكتب منظمة التحرير الذي يعمل في واشنطن منذ عام 1994، والحديث عن شروط مسبقة لمنح الترخيص، يؤكدان مدى تعامل الإدارة الأمريكية السلبي مع القضايا الهامة في المنطقة والمساندة المفضوحة لإسرائيل".

ولفتت إلى أن القرار جاء بناءً على تصريحات صدرت من قِبل مسؤولين فلسطينيين حول مقاضاة إسرائيليين وليس غير ذلك، مشيرةً إلى أن هناك جهوداً تُبذل من أجل تدارك هذا الموقف "السيئ" من إدارة ترامب. وقالت عشراوي إن إغلاق المكتب يعني رسمياً "قطع العلاقات مع أمريكا".

إلى ذلك، قال مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية إن عدم تجديد أوراق عمل المكتب مرتبط بـ"تصريحات معينة أدلى بها قادة فلسطينيون" فيما يتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية.

وأوضح المسؤول الأمريكي أن واشنطن "تأمل أن تكون مدة أي إغلاق قصيرة،" مؤكداً: "لا نقطع العلاقات مع منظمة التحرير الفلسطينية ولا ننوي التوقف عن العمل مع السلطة الفلسطينية".

من جهته، قال مكتب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو: إن القرار "مسألة مرتبطة بالقانون الأمريكي"، مضيفاً: "نحترم القرار ونتطلع إلى مواصلة العمل مع الولايات المتحدة لتحقيق تقدم في السلام والأمن بالمنطقة".

وقد يكون خطاب الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، الأخير أمام الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة، حيث تحدث عن إمكانية رفع مسألة الاستيطان الإسرائيلي إلى المحكمة الجنائية الدولية، سبب الموقف الأمريكي، بحسب مراقبين.

وأدخل الكونغرس الأمريكي عام 2015 بنداً ينص على أنه لا يجب على الفلسطينيين محاولة التأثير على المحكمة الجنائية الدولية بشأن تحقيقات تتعلق بمواطنين إسرائيليين. ويقول القانون الأمريكي: إنه "لا يمكن لمنظمة التحرير الفلسطينية إدارة مكتب بواشنطن إذا حثّت المنظمة المحكمة الجنائية الدولية على محاكمة المسؤولين الإسرائيليين بشأن جرائم مزعومة ضد الفلسطينيين".

وانضمت فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية في أبريل 2015، وطلبت من المحكمة التحقيق في جرائم حرب ارتكبها قادة إسرائيليون ضد الفلسطينيين، خاصة خلال ثلاث حروب شنتها إسرائيل على قطاع غزة بين عامي 2008 و2014.

وردَّت المحكمة الدولية، آنذاك، بأنها تدرس الحالة في الأراضي الفلسطينية قبل الإعلان رسمياً، إذا ما كانت ستجري تحقيقاً جنائياً في الملفات التي قدمها الفلسطينيون إليها.