بحوارات "الحقيقة".. مسؤولو قطر يعيدون كتابة تاريخ الخليج الحديث

منذ أن أطلق التلفزيون القطري برنامج "الحقيقة" في مايو الماضي، عقب أزمة التصريحات المفبركة على أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، باتت منصة تلفزيونية لصناع القرار في البلاد، لكشف خبايا العلاقات القطرية مع دول الحصار خلال السنوات السابقة، وأهم الأحداث التي طغت على تلك العلاقة.

يتناول البرنامج أزمة الحصار الجائر المفروض على دولة قطر منذ 5 يونيو الماضي حتى وقتنا هذا، وقد فند طوال هذه الفترة كل ادعاءات دول الحصار ضد الدوحة، كما كشف مزاعم إعلام الحصار الذي دأب على شيطنة قطر.

كما استضاف البرنامج عدداً من الخبراء والاختصاصيين في مجالات الإعلام، والاقتصاد، والسياسة؛ للحديث عن جهود قطر الحثيثة في التصدي للأزمة.

مسؤولو قطر الذين شكلوا عصب البرنامج، لم يغفلوا عن تصحيح روايات تاريخية ظلت غائبة عن الجمهور، ليسهموا في كتابة تاريخ الخليج وكشف العديد من الأسرار، وأبرزها تلك التي تحدث فيها خالد العطية، وزير الدولة لشؤون الدفاع، وحمد بن جاسم آل ثاني، وزير الخارجية السابق، عن تاريخ العلاقات المشوبة بالأشواك مع السعودية والإمارات.

- حقيقة محاولة انقلابية في قطر.. والدور السعودي

واحدة من أكثر اللحظات إثارة في العلاقات بالمنطقة تحدث عنها العطية؛ وهي تفاصيل خطط السعودية للتدخل عسكرياً في قطر، وإسقاط النظام، وكيف تراجعت الرياض لاحقاً عن ذلك.

ففي رده على سؤال حول حقيقة تقارير دولية أفادت أنه كانت هناك نية لتدخل عسكري في قطر عام 2014 من أجل تغيير الحكم، قال العطية في اللقاء الذي أجري معه في 19 من نوفمبر 2017: إن "اثنين من قادة دول الحصار ممن قادوا العملية (المحاولة الانقلابية عام 1996)، قالا لبعض الانقلابيين بعد فشل العملية: لا تخشوا فهناك كرَّة أخرى ستأتي".

وشدد العطية على أن "أزمة 2013 و2014 هي نفسها أزمة 1996، ولكن التكتيك اختلف"، معبراً عن اعتقاده بأن "أزمة 2013 استهدفت إحداث صدمة ومحاولة تطويع قطر بسرعة، لكن قطر تؤكد دائماً أن السيادة خط أحمر".

وتابع: "في عامي 2013 - 2014، أنا كنت شاهد عيان، عندما وجه الملك عبد الله بن عبد العزيز بسحب الجنود الذين تم حشدهم على الحدود".

news1.556620

وكانت قطر قد شهدت في العام 1996 محاولة انقلاب مدعومة من السعودية والإمارات، باءت بالفشل بعد أن تصدى لها الجيش القطري والحرس الأميري، وقد خضع نحو أكثر من 121 متهماً بالمحاولة الانقلابية لمحاكمات ما بين نوفمبر 1997 ومايو 2001، وشهدت المحاكمة تغطية إعلامية وحضوراً لوسائل إعلام مختلفة، والسماح للمتهمين بتوكيل محامٍ أو هيئة دفاع عنهم.

وحوكم المتهمون في محاكم مدنية، ولم يمثلوا أمام محاكم عسكرية أو محاكم مختصة بأمن الدولة، ووجهت لهم النيابة العامة القطرية تهم "محاولة عزل أمير قطر عن الحكم بالقوة"، و"حمل السلاح ضد دولة قطر"، و"إفشاء أسرار عسكرية"، و"التعاون والتآمر مع دول أجنبية".

وحضر للمحكمة كشهود وزير الخارجية القطري آنذاك حمد بن جاسم آل ثاني، ورئيس الوزراء آنذاك عبد الله بن خليفة آل ثاني، في سابقة تعتبر الأولى في تاريخ القضاء القطري، وصدر الحكم النهائي بإعدام 19 متهماً، ولم تنفذ أحكام الإعدام، والسجن المؤبد لـ 20 متهماً آخرين، والبراءة لـ 28 متهماً.

وفي مايو عام 2010 أصدر أمير دولة قطر السابق، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، عفواً بحق بعض المتهمين بالمحاولة الانقلابية، وذلك بعد وساطة من العاهل السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز.

وعن هذه الحادثة قال أحد الشهود عليها، وهو الشيخ حمد بن جاسم، لـ "الحقيقة": "إن المحاولة الانقلابية الفاشلة كان واضحاً أنه أريد بها تغيير النظام الذي ارتآه الشعب القطري وارتضاه أهل الحل والعقد والأسرة في ذلك الوقت؛ بتولي صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الأمير الوالد. الجميع بارك هذا التغيير، وكانت هناك موافقة، علماً بأننا لا نحتاج إلى موافقة أحد في تنصيب أمير في قطر، فهذا شأن يخص الشعب القطري ولا يحتاج إلى اعتراف أو دعم من أحد، ولكن الدول الأربع اعترفت".

وأشار إلى أنه "عندما تم التغيير، الأمور كانت واضحة؛ فقد بدأنا نحس من قمة مسقط عندما كان هناك مرشح قطري لمنصب الأمين العام لمجلس التعاون، وهو الأخ عبد الرحمن العطية، قالوا هناك مرشح سعودي، وقال سمو الأمير لا مانع، فلنتفق. إنهم يطلبون أن نسحب مرشحنا ونحن نسحب مرشحنا، لأن كتابنا موجود قبلهم، وهناك عرف وهناك موافقات من دول خليجية جاءت لنا".

وتابع: "السعوديون قالوا لا نريد أن نبعث بطلب سحب المرشح القطري، عندها شعرنا بأن هناك إشكالية غير موضوع الأمين العام؛ هناك إرادة لمشكلة مع النظام الجديد في قطر".

اقرأ أيضاً :

الإمارات.. هل تحجب "وزارات الترف" واقعاً مظلماً للدولة؟

وأضاف: "بعد قمة مسقط بدأت تتضح لنا بنود المؤامرة من الدول الأربع، وبدأت تسريبات بعض المتآمرين وكانت هناك مخابرات وجهات متخصصة بدأت تكشف الأمور بوضوح إلى أن انكشفت المؤامرة، وكان هناك في المؤامرة سجناء، ومنهم سجناء من دولة شقيقة، كانوا من العسكر وكانوا موجودين بالدوحة، وبعد فترة كان هناك طلب من خادم الحرمين وقتها الملك عبد الله بن عبد العزيز والأمير سلطان، وجاء كتاب رسمي بطلب للإعفاء عن هؤلاء السجناء وطي صفحة الماضي، واستجاب سمو الأمير في ذلك الوقت وعفا عنهم، رغم أنهم أخذوا أحكاماً قضائية".

وتحدث بن جاسم أن الملك عبد الله بن عبد العزيز قال له عن الحادثة: "هذه خسة، ونحن لا نريد الدخول في أية مؤامرة"، ثم سلَّم عسكريين متآمرين لجؤوا إلى السعودية من سنوات إلى قطر، مضيفاً: "تقديراً لطلبه ومقامه عفونا عن السجناء".

- العلاقات مع الإمارات

ملف العلاقات مع الإمارات كان أيضاً أحد أهم ما سلط المسؤولون القطريون الضوء عليه، خاصة أن العديد من المحللين يتهمون أبوظبي بالوقوف خلف "حصار قطر".

وعن العلاقات بين البلدين يقول العطية في مقابلته: إن "سفير دولة الإمارات في واشنطن، يوسف العتيبة، كان دائماً يحمل راية العداء لقطر بشهادة مسؤولين أمريكيين".

130307-A-TT930-002

وأضاف: في كل مرة كنت ألتقي مع مسؤولين كبار في أمريكا كانوا يقولون لنا اعرفوا ما مشكلة السفير يوسف العتيبة معكم، لأنه يقول إن العدو رقم واحد هو قطر، وكنا نستغرب من هذا الكلام".

وحول ما بدا أنه "نكران للجميل"، تحدث العطية عن دعم دولة قطر لاستضافة الإمارات لإكسبو 2020، في حين أن أبوظبي كانت منصة لتشويه صورة قطر في الغرب، ثم قيامها بمحاولات مستمرة لمنع استضافة قطر لكأس العالم 2022.

أوضح العطية أنه "كان هناك تكليف من أمير دولة قطر في ذلك الوقت بأن ندعم الإمارات لاستضافة الإمارات لإكسبو 2020، وأذكر أنه عندما كنت وزيراً للخارجية، وتم سحب السفراء في 5 مارس 2014، أرسل لنا الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم رسالة مع القائم بالأعمال في السفارة الإماراتية بعد 3 أيام من سحب السفراء يشكرنا فيها على دعمنا لإكسبو 2020".

وأشار العطية إلى أن دولة قطر لم تكن على علم بمحاولات الإمارات لسحب كأس العالم من قطر، مشيراً إلى أن "أمير قطر كان دائماً يقول إن كأس العالم لكل الخليج، لكل العرب، لكل المسلمين، ولم يقل لقطر وحدها".

- حقيقة الوجود الأمريكي

ومن الأمور اللافتة التي سُلط الضوء عليها، الوجود الأمريكي في الخليج، والذي تحدث عنه بصراحة رئيس الوزراء القطري السابق، الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني.

الشيخ بن جاسم عاد بالتاريخ إلى الوجود الأمريكي وقت غزو العراق للكويت، وتدرّج منه إلى إنزال القوات الأمريكية بقطر، ونقل قوات أمريكا من السعودية للدوحة.

فعندما احتُلت الكويت من قِبل العراق في العام 1990، طلبت القوات الأمريكية أن تتمركز بالمنطقة؛ للمساعدة بتحريرها، وأنزلت حينها القوات بالدوحة بطلب من العاهل السعودي آنذاك، الملك فهد بن عبد العزيز، بحسب ما بيَّن الوزير القطري السابق.

وقال إن غزو العراق للكويت، والدور الأمريكي في تحريرها، دفع الدول الخليجية إلى التفكير بضرورة تدعيم علاقاتها العسكرية مع واشنطن التي استخدمت مصطلح "أمن منطقة الخليج" وقتها دون تمييز بين دوله الست.

1C5DE258-CD25-4A57-93D5-E81D2371417A

وبعد تحرير الكويت طلبت قوات أمريكية، خلال اتصال هاتفي مع الشيخ بن جاسم، الانتقال من السعودية إلى قطر، وتمت الموافقة على نقلهم لمطار الدوحة؛ وجاؤوا بطريقة غير منظمة وسريعة؛ نظراً لحدوث عدة انفجارات بالسعودية في ذلك الوقت، وفق ما بين الوزير القطري السابق.

الشيخ حمد بن جاسم، أوضح أيضاً، في حواره على تلفزيون قطر، أنه بعد نقل الجنود الأمريكيين "بدأت تتطور العلاقات الأمريكية–القطرية إلى أن عملنا الاتفاقية لوجود قاعدة لهم، وتم بناء قاعدة العديد من قِبل الجانبين".

وبين أن هذه القاعدة "كانت تُستخدم في حرب أفغانستان، وخدمت أمريكا بشكل كامل، وكان هناك طموح أمريكي إلى وجود قاعدة ضخمة بالمنطقة لخدمة سياستها العسكرية.. ونحن كان طموحنا أن تكون لنا علاقات مع أمريكا كدولة حجمها معروف بالعالم".

وقاعدة العديد الجوية (مطار أبو نخلة)، غرب الدوحة، بنيت بصورة خاصة في نهاية التسعينيات لإيواء القوات الجوية الأمريكية، وتستعمل بعمليات جوية وإمدادات، ويمكنها إيواء 130 طائرة، وعشرة آلاف رجل، وتشمل مدرجاً للطائرات يعد من أطول الممرات بالعالم. وصنفها عسكريون كأكبر مخزن استراتيجي للأسلحة الأمريكية بالمنطقة.

ووضعت قطر في العام 2000 قاعدة العديد تحت تصرف الولايات المتحدة من دون توقيع أي اتفاق في حينه، وبدأ الأمريكيون بإدارة القاعدة منذ العام 2001، وفي ديسمبر 2002 وقعت الدوحة وواشنطن اتفاقاً يعطي غطاء رسمياً للوجود العسكري الأمريكي بقاعدة العديد.

- العلاقات مع مصر.. وسر الخلاف

وسط هذا الاستعراض التاريخي الهام، لا بد من الحديث عن العلاقة القطرية المصرية، وخاصة خلال فترة الربيع العربي، وما تلاه من أحداث، وصولاً إلى انقلاب وزير الدفاع حينها والرئيس اليوم، عبد الفتاح السيسي، على أول رئيس مدني عقب الثورة المصرية محمد مرسي.

فقد حمّل وزير الدفاع القطري خالد العطية، أطرافاً خارجية (لم يسمها) المسؤولية عن عرقلة محاولات الدوحة تحسين علاقاتها مع القاهرة.

وذكر العطية في برنامج "الحقيقة"، أن محاولات تقريب وجهات النظر بين قطر ومصر تعرقل من قبل أطراف أخرى، وقال: "نعلم قيمة مصر، ويجب أن تكون قوية، رضي من رضي وأبى من أبى".

وذكر الوزير أن معظم وسائل الإعلام المصرية التي "تشتم قطر" ليست مدفوعة من قبل مصر، بل من دولة خليجية، دون تسميتها.

كما كشف العطية النقاب عن كواليس جديدة تعلن للمرة الأولى، حول لقاء مع خيرت الشاطر، نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المصرية والرجل الأقوى بالجماعة، للوصول إلى تسوية سلمية في البلاد، عقب الانقلاب العسكري 3 يوليو 2013.

a1482907697

وقال الوزير القطري: "حاولنا القيام بمصالحة في بداية القبض على مرسي، واتصل بي وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جون كيري يطلب مني أن أستأذن الأمير للقاء خيرت الشاطر ومرسي وقادة الإخوان والتحالف الشرعية المؤيد لمرسي، ووافق الأمير على ذهابي إلى مصر".

وتابع: "عندما وصلت كان أول لقاء مع خيرت الشاطر في السجن، وأصر المصريون على حضور وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، ومساعد وزير الخارجية الأمريكي وليام بيرن، وأنا أيضاً".

وأوضح أنه "استغرب من كلام الشاطر الذي كان يوجه كلامه للشيخ عبد الله بن زايد، يعبر عن إحساسه بالألم، وأن ما حدث هو طعنة في الظهر، وكأنه كان ثمة تفاهمات سابقة بين الجانبين".

واستطرد أنه "ورغم ذلك كانوا (الإخوان) مستعدين لحقن الدماء وحل الأزمة سلمياً. ومرة أخرى، بعد خروجنا من السجن ألغيت كل الاجتماعات، بعدما كان مقرراً لقاء مرسي، وهذا يعكس حرص الأمير على مصر واستقرارها".

وعن كواليس التقارب مع مصر عقب الانقلاب العسكري، أكد وزير الدفاع القطري أن الأمين العام السابق لجامعة العربية، نبيل العربي، جمعه في لقاء مع وزير الخارجية المصري وقتها نبيل فهمي، وتم الاتفاق على تحويل الودائع القطرية إلى سندات، بموافقة جاءت من الأمير خلال خمس دقائق فقط.

وأضاف: "وتفاجأنا لاحقاً بالرئيس وقتها عدلي منصور يخرج في التلفزيون ليقول (فاض الكيل على قطر)، وهذا يثبت أنه كلما جئنا لنبني جسور تقارب مع مصر يدخل طرف ثالث، وأنا احترت لذلك؛ فإن كان التوجه هو استقرار المنطقة فمن الأولى تشجيع خطوات التقارب، ولكن كل طرف له أجندة خاصة يعمل وفقها".

وأشار العطية إلى أن أمير قطر بعث برقية إلى السيسي، ولم تتوقف شحنات الغاز إلى مصر، ورَأَسَ الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وفد قطر إلى القمة العربية في مصر، مضيفاً: "إلا أن العلاقات لم تتحسن، ولمسنا حينها أن كل محاولات التقارب مع مصر كانت تعرقل".

ومنذ الأزمة الخليجية تنهج القاهرة سياسة تصعيد عدائية ضد الدوحة، وتطالب بغلق قناة "الجزيرة"، وتسليم قيادات المعارضة المقيمة هناك، ودفع تعويضات لمصر، وهو ما ترفضه قطر.

ويبقى حصار قطر الذي جرى في 5 يونيو الماضي، أسوأ ما مر به تاريخ الخليج العربي، إذ يجمع مراقبون على أنه كان يمكن حل أي خلاف دون هذه الإجراءات غير المبررة، ودون أي محاولة للاستيلاء على القرار الوطني السيادي القطري.