الموانئ التجارية.. صراع جديد في المحيط الهندي وبحر العرب

شرارة الحرب الباردة وصراع النفوذ الاقتصادي في المحيط الهندي وبحر العرب، بدت ملامحها تظهر للعيان بعد أزمة حصار قطر، التي كشفت حقيقة هذه الصراعات بين قطبين من الدول، تسعى من خلالها إلى الهيمنة على مناطق التجارة العالمية في الشرق الأوسط وشرقي آسيا، وهذه الدول هي الهند ودولة الإمارات وأمريكا من جهة، وباكستان وقطر والصين وروسيا من جهة أخرى.

ففي يوم الأحد 3 ديسمبر 2017، افتتحت إيران توسعات في ميناء تشابهار كلَّفتها مليار دولار، وتأمل أن تسهم في أن يصبح طريقاً رئيساً للنقل إلى أفغانستان وآسيا الوسطى ويشكل منافساً آخر أمام ميناء "جوادر" الباكستاني وموانئ دبي العالمية وصحارى العُماني.

وقال التلفزيون الرسمي الإيراني إن الرئيس حسن روحاني افتتح التوسعات، التي أسهمت فيها الهند بمبلغ 235 مليون دولار، لترتفع طاقة الميناء، الواقع في جنوب شرقي البلد، إلى أكثر من ثلاثة أمثالها إلى 8.5 ملايين طن سنوياً.

وخصصت الهند في وقت سابق، مبلغ 500 مليون دولار لتوسعة الميناء، الواقع على خليج عُمان وهو أقرب موانئ إيران للمحيط الهندي، بما يتيح تجنُّب منافسه الباكستاني، رغم الحذر الذي مضت به نيودلهي بعدما تبنَّت الإدارة الأمريكية موقفاً عدائياً تجاه طهران من جديد.

وفي أكتوبر الماضي، أرسلت الهند أول شحنة قمح لأفغانستان من خلال ميناء تشابهار، الواقع على بُعد نحو 140 كيلومتراً من ميناء جوادر الباكستاني الذي يجري تطويره بمساعدة الصين وقطر.

اقرأ أيضاً:

بالإنفوجرافيك.. الأهمية التجارية لميناء صُحار العُماني

- حرب اقتصادية باردة

وظاهرة تطوير وبناء والاستثمار في الموانئ المطلة على المحيط الهندي أو الخليج العربي مؤخراً، بدت تُشكل ملامح صراع اقتصادي في المنطقة، كما يهدد مكانة واستفراد موانئ دبي طيلة السنوات الماضية، في خدمات الشحن البحري عن طريق المحيط الهندي والخليج العربي وبحر العرب.

ويرى العديد من المحللين الاقتصاديين أن مدينة جوادر الباكستانية هي بمثابة "دبي أخرى"، تأخذ موضعاً جديداً في خريطة الاقتصاد العالمي، في حين تعتبر دولة الإمارات أن مسألة قوة منطقة جوادر "المثيرة للجدل" اقتصادياً تهدد التأثير الاستراتيجي لخطط دبي.

اقرأ أيضاً:

الأزمة تفتح تيارات ملاحية جديدة في الخليج.. من المستفيد؟

ويعتبر البعض أن الخطوات الاستباقية لقطر بالاستثمار في الموانئ العالمية المطلة على المحيط الهندي وبحر العرب ومنافسة موانئ دبي، هي أبرز ما يخفيه الحصار المفروض على قطر والأزمة الخليجية المفتعلة من أبوظبي والرياض والمنامة والقاهرة، الأمر الذي ينذر بملامح حرب اقتصادية صامتة في خليج عُمان بين باكستان والصين وقطر من جهة، وأمريكا والهند والإمارات العربية المتحدة من جهة أخرى.

- ميناء جوادر والأزمة الخليجية

أُنشئت مدينة جوادر الاقتصادية الباكستانية على بحر العرب بالقرب من مضيق هرمز جنوب غربي باكستان، والتي يرى البعض أنها أطلقت شرارة الحرب الباردة في المحيط الهندي وبحر العرب بين الدول الاقتصادية الكبرى في المنطقة؛ لكونها تقع ضمن خطة الصين الاستراتيجية لربط الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية من خلال "طريق واحد.. حزام واحد" أو ما يسمى "طريق الحرير".

وبالإضافة إلى افتتاح الدوحة ميناء حمد الدولي في سبتمبر الماضي، أبدت الدوحة استعدادها للاستثمار بنسبة 15% في تطوير وبناء الممر الباكستاني بميناء جوادر، ويرى مراقبون أن ذلك أسهم في نقل الأزمة الخليجية إلى سواحل باكستان، فضلاً عن إنشاء تحالف تجاري واقتصادي بين الدوحة ومسقط وتطوير ميناء صحارى في سلطنة عُمان المطل على المحيط الهندي، والذي حتماً سيسهم هو الآخر في تقلُّص مكانة موانئ دبي العالمية، التي كانت تسيطر على عمليات الشحن البحري في المنطقة منذ سنوات.

اقرأ أيضاً:

صحار العُماني يزاحم موانئ دبي.. ويرسّخ الثقة بالاقتصاد القطري

ومنذ عقود، استثمرت دبي، الواقعة على الساحل الجنوبي الشرقي للخليج العربي، في البنية التحتية للتغلب على مواردها الطبيعية الفقيرة، وأصبحت مركزاً عالمياً للتجارة والمال والسياحة، وهكذا برزت دبي كمدينة متعددة الثقافات، وتستقبل الملايين من السائحين ورجال الأعمال من جميع أنحاء العالم، سنوياً.

- قوى ناشئة وتموضع جديد

يرى العديد من المراقبين والاقتصاديين أن الظاهرة "الجيواقتصادية والجيوسياسية" في جنوبي آسيا آخذة في التغير بسرعة، ويعود ذلك إلى حقيقة أنّ القوى الناشئة في المنطقة تعيد تموضعها وتحديد وجودها والتهيؤ لتغييرات المرحلة المقبلة.

ويأتي ذلك مع فتح ممرات تجارية برية من روسيا إلى الخليج العربي وبحر العرب، عن طريق البحر الأسود مروراً بتركيا ثم إيران، في حين تعارض الهند والإمارات بشدةٍ هذه الاحتمالات، وتحاولان عرقلة هذه الخطة بإقناع الولايات المتحدة والدول الأوروبية بالاستثمار في دبي أو البحث في إنشاء تحالفات وموانئ جديدة.

اقرأ أيضاً:

ميناء حمد.. هدية قطر الاقتصادية إلى العالم

ومن هذا المنطلق، يدرك المسؤولون القطريون أهمية منطقة الموانئ التجارية، و"جوادر" خصوصاً كأهم متغير يتحكَّم في اللعبة إقليمياً، كما تعتبر المنطقة الباكستانية مجموعة من أهم المشاريع في البنية التحتية التي لا تزال قيد الإنشاء، ليس في "جوادر" فحسب؛ بل بجميع أنحاء باكستان، الأمر الذي يضاف إلى عوامل الضغط التي تنتهجها الدوحة.

وفي ظل التقاء وتضارب المصالح الاقتصادية، وجهت الصين في تحالفها "البحري" مع باكستان وقطر ضربة قاضية لموانئ دبي، حيث قررت إنشاء طرق متعددة للتجارة الصينية برًا داخل باكستان وإطلاق حزمة مشاريع وطرق برية تنتهي بمنطقة جوادر، ومن هناك يتم نقل البضائع إلى دول الخليج والشرق الأوسط.

وخريطة الطرق الجديدة مع ميناء جوادر، تعد جزءاً من مشروع "حزام واحد وطريق واحد"، الذي أعلنته الصين عام 2013؛ إذ يتكون من مجموعة طرق برية وبحرية وسكك حديدية عملاقة، يتمّ إنشاؤها خلال خطة زمنية بالتعاون مع 68 دولة، بهدف ربط التجارة العالمية وإيصال البضائع الصينية مباشرة إلى أنحاء العالم.

- تقلُّص طموح أبوظبي

الصراع والنفوذ الاقتصادي والتجاري، يقلِّصان بشكل كبير طموح وخطط دولة الإمارات نحو التوسع إقليمياً؛ إذ لا تمتلك أبوظبي موارد خاصة تعتمد عليها في ظل سعيها لتنويع مصادر الدخل لديها بعد أزمة أسعار النفط منذ عام 2014، وبنت آمالها في أن تبتعد تدريجياً عن اعتمادها على مواردها النفطية، وتتجه في الغالب للاعتماد على عائداتها من السياحة والنقل والعقارات، التي باتت مهددة أيضاً أكثر من أي وقت مضى.

وخيَّب إعلان السودان في 16 نوفمبر 2017 اتفاقاً استراتيجياً مع دولة قطر لإنشاء ميناء "بورتسودان"، آمال دولة الإمارات العربية المتحدة، التي سعت للسيطرة على أكبر موانئ ساحل البحر الأحمر وأهمها.

حيث أعلن وزير النقل السوداني، مكاوي عوض، أمام جلسة لبرلمان البلاد، أن الخرطوم اتفقت مع قطر على إنشاء ميناء بمدينة "بورتسودان" (شمال شرق)؛ ليكون أكبر ميناء للحاويات على ساحل البحر الأحمر.

اقرأ أيضاً:

ميناء "بورتسودان" يهدم حلم الإمارات بالنفوذ بالبحر الأحمر

وفي ظل تعدد مصادر التهديدات التي تواجهها الإمارات، تعكف أبوظبي حالياً على البحث عن بديل محتمل لموانئ دبي وأبوظبي في اليمن؛ كفرض سيطرتها على موانئ عدن وصراعها مع الرياض وراء ميناء الحديدة، وكذلك احتلالها جزيرة سقطرى اليمنية وفرض سيطرتها الكاملة عليها بحجة الدعم الإنساني والاجتماعي والتنموي للجزيرة التي تعرف بـ"أرخبيل اليمن".

وهكذا، فيما يتعلق بالاستثمار الكبير، المعلن عنه مؤخراً من قِبل السعودية، لجذب السياحة عن طريق تحويل 50 جزيرة في البحر الأحمر إلى منتجعات سياحية فاخرة، إضافةً إلى الحرب الاقتصادية الصامتة في خليج عُمان، تصبح الإمارات هي الخاسر الأكبر في هذه اللعبة الكبيرة، وقد تصبح دبي خارج امتيازات السياحة والنقل بعد 10 أعوام من الآن، الأمر الذي يجعلها أمام تحدٍّ كبير ومواجهة حقيقية، وتقاتل بكل ما تملك من أجل ألا تفقد هذه المكانة.