• العبارة بالضبط

سيل من التحذيرات قد يجرف عزم ترامب نقل سفارة بلاده إلى القدس

أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عاصفة جديدة من الانتقادات بعدما أعلن عزمه نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى مدينة القدس المحتلة تمهيداً للاعتراف بالأخيرة عاصمة لدولة الاحتلال؛ حيث أكد رؤساء دول ومسؤولون كبار أن الخطوة الأمريكية إن حدثت فستكون بمنزلة إسدال للستار على عملية السلام المتعثرة أصلاً، وستفتح أبواب عدم الاستقرار في المنطقة وربما في العالم بأسره.

ومطلع يونيو الماضي، وقّع الرئيس الأمريكي مذكرة بتأجيل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس لمدة 6 أشهر، انتهت الاثنين (4 ديسمبر 2017). ومن المتوقع أن يسلّم ترامب موقفه للكونغرس الثلاثاء، وسط سيل من التحذيرات العربية والإسلامية من مغبّة إقدامه على تنفيذ وعده الذي قطعه على نفسه خلال حملته الانتخابية العام الماضي.

وفي حين كانت السلطة الفلسطينية تترقب إعلان واشنطن تفاصيل "صفقة القرن"، التي حظيت بدعم سعودي وصل إلى حد الضغط على الرئيس محمود عباس، جاءت تصريحات البيت الأبيض المخيبة لآمال السلطة، والمتعلقة بنقل السفارة الأمريكية للقدس المحتلة.

وكان مسؤولون أمريكيون قالوا، مطلع الشهر الجاري، إن ترامب يعتزم الإعلان عن نقل سفارة واشنطن إلى المدينة المقدسة في كلمة مرتقبة الأربعاء (6 ديسمبر 2017)، لافتين إلى أنه "قد يرجئ الاعتراف بالمدينة عاصمة لإسرائيل إلى وقت لاحق".

ومع تزايد احتمالات تنفيذ ترامب الوعد الذي قطعه على نفسه خلال حملته الانتخابية العام الماضي، سارع عدد من المسؤولين إلى تحذير ساكن البيت الأبيض من تداعيات خطيرة قد يخلفها قراره على عملية السلام المتعثرة منذ سنوات، فضلاً عن تداعيات أكثر خطراً على المنطقة والعالم.

- قلق غربي

الاتحاد الأوروبي كان آخر المحذرين، حيث أكدت مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد، فيدريكا موغيريني، الثلاثاء 5 ديسمبر 2017، ضرورة "تفادي أي تصرف من شأنه تقويض جهود السلام الرامية لإقامة دولتين منفصلتين للإسرائيليين والفلسطينيين تماماً".

وقالت موغيريني، التي كانت تتحدث وهي تقف إلى جوار وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، في بروكسل: "يتعين إيجاد سبيل من خلال المفاوضات لحل مسألة وضع القدس كعاصمة مستقبلية للدولتين"، مؤكدة "دعم الاتحاد الأوروبي لجهود كسر جمود محادثات السلام".

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أيضاً، أعرب عن قلقه من احتمال اتخاذ واشنطن هذه الخطوة من جانب واحد، مشدداً على ضرورة بحث وضع القدس في إطار محادثات السلام التي ستجري بين الفلسطينيين وسلطات الاحتلال.

وقالت الرئاسة الفرنسية في بيان إن ماكرون اتفق مع نظيره الأمريكي، في اتصال هاتفي الثلاثاء (5 ديسمبر 2017)، على بحث هذه المسألة خلال الأيام القادمة.

أما وزير الخارجية الألماني سيغمار غابرييل، فحذر واشنطن من عواقب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. ووفق صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" الألمانية الخاصة، فقد أكد غابرييل، الثلاثاء 5 ديسمبر 2017، أنه "لا يمكن حل مشكلة القدس إلا بمفاوضات بين طرفي الصراع".

وقال غابرييل، في منتدى برلين للسياسة الخارجية الذي تنظمه مؤسسة "كوربر" البحثية: إن الولايات المتحدة بقيادة ترامب "لا تفي بدورها كقوة خلاقة في العالم إلا على نحو ضعيف. يتعين على أوروبا أن تؤدي دوراً أكبر في النظام العالمي".

اقرأ أيضاً:

قطر: نرفض إجراءات الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل

في غضون ذلك، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إن خطوة ترامب المرتقبة "ترمي لزعزعة الأوضاع في الشرق الأوسط برمته".

وأوضح أردوغان، خلال حضوره مؤتمر "المرأة في الأعمال الدولية" بالعاصمة أنقرة، الثلاثاء 5 ديسمبر 2017، أن بلاده "ستستخدم الوسائل الدبلوماسية كافة للتصدي لتلك الخطوة المحتملة".

وأكد الرئيس التركي أن هذه المسألة "تعتبر خطاً أحمر بالنسبة إلى أنقرة"، وأن تركيا "لن تظل مكتوفة الأيدي حيال هذا الأمر، وستبذل قصارى جهدها لعرقلته".

- رفض عربي لـ"العبث بمصير القدس"

وحذرت الجامعة العربية، الثلاثاء 5 ديسمبر 2017، من "العبث بمصير مدينة القدس المحتلة"، وتأثير ذلك على تأجيج مشاعر التطرف ونعرات العنف والعداء والكراهية في المنطقة.

جاء ذلك في كلمة الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبو الغيط، خلال اجتماع طارئ على مستوى المندوبين لصياغة موقف عربي "استباقي" قبيل صدور القرار الأمريكي المحتمل، وهو الاجتماع الذي قال أبو الغيط، إنه "يأتي في ظرف بالغ الدقة يُحتم اتخاذ مواقف واضحة لا لبس فيها".

وطالبت الجامعة العربية، في البيان الختامي للاجتماع، الولايات المتحدة بـ"لعب دور نزيه ومحايد" لتحقيق السلام الدائم والشامل في الشرق الأوسط.

من جهته قال سفير السودان لدى القاهرة، عبد المحمود عبد الحليم، الثلاثاء 5 ديسمبر 2017، إن قرار واشنطن إذا تم "سيدخل المنطقة في صراع جديد لا تحمد عقباه".

كما أكد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، 5 ديسمبر 2017، رفضه القرار الأمريكي المحتمل، محذراً من تبعاته.

وفي الأردن وصفت لجنة فلسطين في مجلس الأعيان الأردني (الغرفة الثانية للبرلمان) نقل القرار المحتمل بأنه "نهاية وتكفين للعملية السلمية برمتها".

وقالت اللجنة في بيان، الثلاثاء 5 ديسمبر 2017، إن ذلك مخالف لنصوص معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، وإن هذه التصرفات "غير المسؤولة" ستؤجج مشاعر العرب والمسلمين والمسيحيين في العالم، وستدخل المنطقة في أتون من التطرّف لا يعرف مداه.

- رد فعل خليجي يتمسك بدعم قضية فلسطين

وفي قطر، جدد وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الثلاثاء 5 ديسمبر 2017، موقف بلاده بشأن القضية الفلسطينية، معرباً عن رفض الدوحة أية إجراءات تدعو للاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي.

وقال الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في تغريدة على حسابه الشخصي بموقع التواصل الاجتماعي "تويتر": "نؤكد موقف دولة قطر الثابت والدائم بشأن القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني الشقيق".

وقال مصدر مسؤول بوزارة الخارجية القطرية، في تصريح نقلته وكالة الأنباء القطرية الرسمية (قنا): إن الدوحة "متمسكة بموقفها الداعم للقضية الفلسطينية ولحقوق الشعب الفلسطيني الشقيق، وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشريف".

وأشار المصدر إلى أن مثل هذه الإجراءات من شأنها تقويض الجهود الدولية الرامية إلى تنفيذ حل الدولتين.

الكويت أيضاً حذرت، الثلاثاء 5 ديسمبر 2017، على لسان مندوبها بالجامعة العربية أحمد البكر، من المخاطر التي قد تنجم عن هذا القرار، مؤكدة حق الفلسطينيين التاريخي في السيادة على المدينة المقدسة.

وحذرت المملكة العربية السعودية من أي إعلان من قبل الولايات المتحدة بشأن وضع السفارة الأمريكية واحتمالات نقلها إلى القدس، قبل إنهاء تسوية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

وقال السفير السعودي لدى الولايات المتحدة، الأمير خالد بن سلمان، في بيان، الثلاثاء 5 ديسمبر 2017، إن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس "يهدد عملية السلام ويزيد التوتر في المنطقة".

وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية كشفت في الرابع من الشهر الجاري أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عرض على الرئيس الفلسطيني "خطة سلام جديدة تتضمن اختيار ضاحية أبو ديس المجاورة لمدينة القدس المحتلة (شرقيها) لتكون عاصمة للدولة الفلسطينية بدلاً من القدس".

- رأي إسرائيلي معارض

ووجّه دبلوماسيون إسرائيليون سابقون وأكاديميون ونشطاء سلام رسالة إلى الإدارة الأمريكية، للتعبير عن معارضتهم للاعتراف الأمريكي، أحادي الجانب، بالقدس عاصمة لإسرائيل.

وذكر الموقع الإلكتروني لصحيفة "هآرتس" العبرية، الثلاثاء 5 ديسمبر 2017، أن الرسالة موقعة من 25 دبلوماسياً سابقاً، وأكاديميين ونشطاء سلام إسرائيليين، وتم توجيهها إلى مبعوث الرئيس الأمريكي للاتفاقيات الدولية جيسون غرينبلات.

وجاء في نص الرسالة: "نشعر بالقلق العميق إزاء التقارير الأخيرة بأن الرئيس ترامب يفكر بجدية الإعلان عن قراره الاعتراف أحادياً بالقدس عاصمة لإسرائيل". وأضافت: "إن وضع القدس، المدينة التي فيها الأماكن الدينية للديانات الثلاث، يقع في صلب الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي ومصيرها يتحدد في إطار حل الصراع".

وتابعت: "إن إعلان الرئيس الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل يتجاهل الطموحات الفلسطينية، ويعمق الخلافات بين الجانبين، ويمس بخطورة بفرص السلام، وقد يفجر المنطقة بأكملها".

اقرأ أيضاً:

ترامب يؤجل قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس

- تحرك فلسطيني

وفي محاولة لتدراك الأمور قبل تعقدها، أجرى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، السبت 2 ديسمبر 2017، اتصالات هاتفية مع عدد من زعماء دول العالم، أطلعهم خلالها على التطورات المتعلقة بمدينة القدس، والمخاطر المحدقة بها.

وذكرت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية، أن اتصالات عباس شملت كلاً من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأمير الكويت الشيخ صباح الجابر الأحمد الصباح، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني.

كما شملت الاتصالات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره التونسي الباجي قائد السبسي، بالإضافة إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

إلى ذلك، قال الناطق الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة، الثلاثاء 5 ديسمبر 2017، إن القيادة الفلسطينية تدرس المطالبة "بعقد قمة عربية طارئة وعاجلة"، إذا ما اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية بالقدس عاصمة لإسرائيل، أو قررت نقل سفارتها إليها.

وأضاف، في تصريح صحفي نقلته وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا)، إن خطورة مثل هذه الخطوة تتطلب "تحمل الجميع مسؤولياته تجاه أي مساس بالقدس عاصمة دولة فلسطين".

والسبت (2 ديسمبر 2017)، حذرت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) من مغبّة اتخاذ هذا القرار، وقالت، في بيان، إن قراراً كهذا يمثل اعتداء أمريكياً على المدينة، ويمنح الكيان المحتل شرعية بالمدينة المقدسة.

أما هيئة "العلماء والدعاة" في مدينة القدس (غير حكومية) فحذرت من خطورة التداعيات المحتملة لقرار الرئيس الأمريكي "المتوقع"، بشأن الاعتراف بمدينة القدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها.

وقالت الهيئة في بيان، الثلاثاء (5 ديسمبر 2017): إن القدس هي "عاصمة الدولة الفلسطينية، وهي الدم الذي يجري في عروق العرب والمسلمين ولا حياة لهم بدونها"، وأضافت: "إن مجرد التفكير بهذا الأمر هو إذكاء لفتنة لا تخمد نارها، من متهور (الرئيس ترامب) لا يعرف عواقب ما يفكر به، وما يجرُّ تفكيره من ويلات وظلم".

كما دعت الفصائل الفلسطينية إلى تنظيم احتجاجات لمدة ثلاثة أيام، تبدأ الأربعاء (6 ديسمبر 2017)، رفضاً للاعتراف الأمريكي (المحتمل) بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل، أو نقل السفارة إليها.

وطالبت الفصائل (ومن بينها حركتا فتح وحماس) في بيان مشترك، أصدرته بعد اجتماع عقدته في مدينة رام الله، الفلسطينيين بالتجمع في مراكز المدن، والاعتصام أمام السفارات والقنصليات الأمريكية، داعية إلى تنظيم "مسيرة مركزية الخميس (6 ديسمبر 2017) في مدينة رام الله وسط الضفة الغربية".

- تراجع مؤقت

ومع تزايد وتيرة التحذيرات، أعلن البيت الأبيض، الاثنين 4 ديسمبر 2017، أن الرئيس الأمريكي أجَّل قراره بشأن نقل سفارة بلاده من "تل أبيب" إلى القدس، على أن يتخذ القرار في هذا الشأن "خلال الأيام القليلة القادمة".

والثلاثاء (5 ديسمبر 2017)، قال مصدر مطلع لوكالة "رويترز" للأنباء، إن ترامب تحدث هاتفياً مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس (الثلاثاء)، وهو ما أكده نبيل أبو ردينة المتحدث باسم عباس، بقوله إن ترامب أبلغ عباس عزمه على المضي قدماً في اتخاذ القرار.

ولم يفصح أبو ردينة عمّا إذا كان ترامب قد تطرق إلى توقيت اتخاذ الخطوة أم لا.

ولاحقاً، أكد الديوان الملكي الأردني أن الرئيس الأمريكي أبلغ العاهل الأردني بالأمر نفسه. ونقل الديوان في بيان، الثلاثاء 5 ديسمبر 2017، تشديد الملك عبد الله الثاني على أن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في هذه المرحلة ستكون له تداعيات في الساحة الفلسطينية والعربية والإسلامية، وسيشكل مخاطر على حل الدولتين.

كما أعرب العاهل المغربي، الملك محمد السادس، في اتصال مع عباس، عن "رفضه القوي" للإعلان المحتمل من قبل الولايات المتحدة الأمريكية الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وفق الديوان الملكي المغربي.

وفي هذا الصدد، قالت الرئاسة المصرية إن الرئيس عبد الفتاح السيسي أبلغ نظيره الأمريكي أن القرار المزمع اتخاذه "يُعقِّد" الوضع بالمنطقة ويقوض جهود السلام.

وأضافت الرئاسة، في بيان، أن السيسي تلقى اتصالاً هاتفياً من ترامب، مساء الثلاثاء (5 ديسمبر 2017)، مشيرة إلى أن السيسي "أكد الموقف المصري الثابت بشأن الحفاظ على الوضعية القانونية للقدس في إطار المرجعيات الدولية والقرارات الأممية ذات الصلة".

واحتلت إسرائيل الجزء الشرقي من مدينة القدس خلال حرب يونيو 1967، وأعلنت لاحقاً ضمّها إلى الجزء الغربي من المدينة والذي كان واقعاً تحت الاحتلال.

وتعتبر دولة الاحتلال المدينة المقدسة "عاصمة موحدة وأبدية" لها؛ وهو ما يرفض المجتمع الدولي الاعتراف به، في حين يتمسك الفلسطينيون بمدينة القدس الشرقية عاصمة لدولتهم.

ومنذ قرار الكونغرس الأمريكي الصادر عام 1995 حول نقل سفارة البلاد من "تل أبيب" إلى القدس، دأب الرؤساء الأمريكيون على توقيع قرارات بتأجيل نقل السفارة لمدة 6 أشهر.