• العبارة بالضبط

هل ينجح تعديل النظام الأساسي لمجلس التعاون بحل أزمة الخليج؟

زادت الشكوك بشأن مستقبل مجلس التعاون الخليجي مع الأداء والحضور الباهت الذي ظهرت به أعمال القمة الخليجية الـ38، في الكويت، والتي تجلى بها غياب "الإرادة السياسية" لقادة دول حصار قطر لحل الأزمة الخليجية.

القمة الـ 38 التي استمرت ساعة ونصف الساعة، عقدت وسط غياب أربعة من القادة الأعضاء، وحضور كل من أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وأمير الكويت المضيف صباح الأحمد الصباح.

القمة المنتظرة بدت وكأنها "مجاملة" واجبة في شكلها ومضمونها بالنسبة إلى مقاطعي قطر (السعودية، البحرين، الإمارات)، لكن أهم ما خرج عنها هو إعلان أمير الكويت تشكيل لجنة لتعديل النظام الأساسي لمجلس التعاون الخليجي المتكون من 22 مادة، "تكفل حل النزاعات".

الشيخ صباح قال في كلمته بجلسة الافتتاح: إن "أي خلاف لا بد أن يبقى مجلس التعاون الخليجي بمنأى عن التأثر به"، مضيفاً: "نعمل على تشكيل لجنة لتعديل النظام الأساسي تكفل حل النزاعات".

وعن الأزمة الخليجية التي تشهدها المنطقة أوضح الأمير أنه "استطعنا التهدئة في ظل خلافنا الأخير، وسنواصل هذا الدور"، في إشارة إلى دور الكويت بالأزمة واتخاذها دور الوسيط بين الأطراف الخليجية.

وعن الآلية التي سيتم بموجبها تعديل النظام الأساسي، قال وزير الخارجية الكويتي: "الآلية ستتم بمشاركة دول المجلس كافة"، دون مزيد من التفاصيل.

- الكويت تستمر في مساعي الحل

وهدفت الكويت لجمع قادة ومسؤولين من دول الخليج في مكان واحد لأول مرة منذ بدء الأزمة، لكن ما خرج من القمة لم يرق لإيجاد حل للأزمة المشتعلة منذ يونيو الماضي.

فقبل أيام أعلنت إرسال دعوات لـ"جميع الدول الأعضاء"، وأكدت استعدادها الكامل لعقد القمة "يومي 5 و6 من شهر ديسمبر" الجاري، وهو الشهر المقرر ليكون موعداً لعقدها كل عام، لكنها اختتمت بعد جلسة مغلقة، مساء الثلاثاء، بعد ساعة ونصف على بدايتها!

- النظام الأساسي

كان أبرز تصريح خرج من القمة الـ38، الحديث عن تعديل النظام الأساسي لدول مجلس التعاون الخليجي، المقرر من جميع الدول الأعضاء الست عام 1981، ويحوي 22 مادة من بينها 3 مواد تبين دور المجلس خلال الأزمات، وأهدافه التي تنص بشكل جلي، في المادة الرابعة منه، على تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين "وصولاً إلى وحدتها"، وتعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات.

وعند الاطلاع على القانون يتبين أنه يقر صراحة في مادته العاشرة ودون الحاجة لتعديل إنشاء هيئة مختصة لحل أي خلاف ينشأ بين الأعضاء، ويكون لمجلس التعاون هيئة تسمى "هيئة تسوية المنازعات"، وتتبع المجلس الأعلى، ويتولى المجلس تشكيل الهيئة في كل حالة على حدة بحسب طبيعة الخلاف.

كما توضح المادة أنه "إذا نشأ خلاف حول تفسير أو تطبيق النظام الأساسي، ولم تتم تسويته في إطار المجلس الوزاري أو المجلس الأعلى، فللمجلس الأعلى إحالته إلى هيئة تسوية المنازعات".

ترفع الهيئة تقريرها متضمناً توصياتها أو فتواها، بحسب الحال، إلى المجلس الأعلى لاتخاذ ما يراه مناسباً.

كما تشدد المادة السادسة عشرة من النظام الأساسي على أن ضرورة أن يمارس "الأمين العام" والأمناء المساعدون وجميع موظفي الأمانة العامة مهام وظائفهم باستقلال تام، وعليهم أن يمتنعوا عن أي تصرف يتنافى وواجبات وظائفهم.

اقرأ أيضاً:

تداعيات أزمة الخليج الاقتصادية.. كرة ثلج تطيح بالقطار المشترك

- انتهاكات فجة

الأزمة الخليجية المستمرة منذ 6 أشهر انتهكت بشكل صريح المثياق، خاصة المواد الثلاث المذكورة، حيث دمرت أواصر الروابط، وأعاقت الوصول إلى الاتحاد الخليجي الذي كان أملاً واسعاً لسكان الخليج العربي.

فقد أثارت القرارات التعسفية التي اتخذتها السعودية والإمارات والبحرين، ضد المواطنين القطريين؛ على خلفية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الدوحة، استياءً حقوقياً دولياً تبعه مواقف سياسية من عدة دول؛ حيث دعت منظمات كثيرة، على رأسها منظمة العفو الدولية، إلى التراجع الفوري عن هذه القرارات، التي اعتبرتها انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان.

وفي محاولة لتشديد الحصار على الدوحة أعلنت العواصم الخليجية الثلاث إغلاق جميع حدودها مع قطر، ودعت مواطنيها المقيمين في قطر إلى العودة خلال 14 يوماً، كما طالبت هذه العواصم القطريين بمغادرة أراضيها خلال الفترة نفسها، وهي القرارات التي وضعت آلاف العائلات في مواجهة خطر التشتت.

لكن هذه الإجرءات أظهرت انقسام الشارع الخليجي حولها، ففي يونيو الماضي، أظهرت دراسة نشرتها صحيفة "القبس" الكويتية، تأييد أكثر من 54% من التغريدات ضرورة التضامن الشعبي والأخوة بين دول الخليج، في حين ناقش 26% الأزمة والاتهامات المتبادلة بين طرفيها، وتحدث 12% عن التدخلات الأمريكية والضغوط الخارجية، في حين أكد 8% ضرورة الابتعاد عن الخوض في السياسة، وهو ما لم يدخل ضمن اهتمامات الدول المحاصرة التي استمرت في تضييقاتها.

- أين اختفت "تسوية المنازعات" وأمينها العام؟

وعلى صعيد عمل "هيئة تسوية المنازعات" لم ترَ النور منذ ستة أشهر كاملة، بل إن قادة الحصار تجاوزوها وعمدوا إلى اللجوء إلى الخيار العسكري ضد الدوحة لفرض وجهة نظرهم، والذي حال دون حدوثه التدخل المباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بحسب ما كشفت صحيفة "بلومبيرغ" قبل أيام من القمة الخليجية.

وبالرغم من تشديد المادة السادسة عشرة من النظام الأساسي على أن يمارس "الأمين العام" وظيفته باستقلال تام، ويمتنع عن أي تصرف يتنافى وواجبات وظائفهم، لم يكن لزياني دور يذكر لحل الخلاف.

كما أن الأمين العام للمجلس تعرض لموجة انتقادات كبيرة؛ فبعد أكثر من 5 أشهر من الصمت على عاصفة الأزمة الخليجية، نطق معلناً عجزه وبراءته من مسؤوليته تجاه حل الأزمة الخليجية، مؤكداً أن حلها بيد قادة دول المجلس.

الزياني لم يلتزم بالحيادية كأمين عام لمنظمة يفترض أنه على مسافة واحدة من جميع أعضائها؛ بل هاجم وسائل الإعلام القطرية دون غيرها، وعبَّر عن "استغرابه الشديد من محاولة بعض وسائل الإعلام القطرية تحميل الأمين العام مسؤولية حل الأزمة الخليجية".

وفي حديث سابق مع "الخليج أونلاين"، أرجع الدكتور محمد المسفر، أستاذ العلوم السياسية بجامعة قطر، صمت الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي إلى كونه يحمل الجنسية البحرينية، "فالمنامة أحد أطراف الأزمة الخليجية؛ ومن ثم يعتقد أنه أيضاً طرف في هذا الأمر، ولا بد أن يسير فيما سارت إليه بلاده".

وأضاف: "منذ أن وصل الزياني إلى منصبه عام 2011 لم يقدم شيئاً خلال أزمة عام 2014، ولا لأي أزمات أخرى كان الخليج طرفاً فيها".

ووصف المسفر صمت الزياني بأنه "صمت القبور"، مرجعاً ذلك إلى أنه "ربما لا يعرف ما يجري، أو ربما مورست عليه ضغوط لعدم التدخل"، داعياً إياه إلى "تقديم استقالته في ظل هذه الظروف".

وشدد على أن "مجلس التعاون فقدَ هيبته محلياً وإقليمياً وعالمياً؛ لكونه لم يسهم في حل أي مشكلة خليجية أو إقليمية على الإطلاق، وآثر الصمت؛ ومن ثم فلا قيمة لمنظمة لا تحمي ولا تصون سيادة إحدى الدول الفاعلة ضمن الأعضاء فيها".

وفي ظل هذه المعطيات السلبية، ينتظر أن يكون تعديل النظام الأساس هو الخلاص من الأزمة التي يراها البعض نهاية لكل أحاديث الوحدة الخليجية، وأعادت إلى الأذهان مجدداً مشهد اجتياح القوات العراقية لجارتها الكويت في الساعات الأولى من 2 أغسطس 1990. وإن كان الفارق في طبيعة الاجتياح، فإن الآثار النفسية والجراح تبدو متشابهة إلى حد كبير، بما يجعل الحديث عن امتداد آثار هذا الزلزال وفداحة خسائره أمراً لا يمكن تجاهله، خاصة أن الإرادة السياسية لقادة دول الحصار لا تزال غائبة.