• العبارة بالضبط

أول موازنة لقطر بعد الحصار.. صمود مالي وإصرار ينهض بالصناعة

ما إن أعلنت موازنة قطر 2018 في 29 نوفمبر 2017 حتى توجهت أنظار المستثمرين إلى حجم المشاريع التي تنوي الدوحة إنشاءها أو الاستمرار بها، لا سيما بعد تعرض البلاد لحصار من السعودية والإمارات والبحرين منذ 5 يونيو 2017.

واستقبلت فعاليات اقتصادية ملامح الموازنة الجديدة بارتياح بالغ، خصوصاً أنها تعني استمرار الإنفاق الحكومي الرأسمالي على المشاريع التنموية الكبرى واستكمالها دون أدنى تأثير للحصار المفروض على دولة قطر منذ 5 يونيو الماضي.

وخالفت موازنة قطر 2018 المعلنة توقعات الرياض وأبوظبي والمنامة، التي تريد ضرب الاقتصاد القطري والتراجع عن مشاريع عملاقة منها فيما يتعلق بمونديال كأس العالم 2022، أو الابتعاد عن إقامة مشاريع جديدة.

فاللافت أن الموازنة العامة الجديدة ركزت على استمرار الدولة في مشاريع تنموية وإقامة أخرى لتحقيق الاكتفاء الذاتي من المنتجات الغذائية والصناعية، التي كانت الدوحة تعتمد فيها بشكل كبير على دول الحصار.

وفي يوم 29 نوفمبر 2017 وافق مجلس الوزراء القطري على مشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2018، حيث تضمنت دعم عدة مشاريع، كما تعد هي الأولى بعد تعرض البلاد لحصار من الرياض والمنامة وأبوظبي والقاهرة منذ 5 يونيو 2017، بحسب ما ذكرت وكالة الأنباء القطرية (قنا).

- استكمال المشاريع الرياضية

حسن بن لحدان الحسن المهندي، وزير العدل القطري، قال إن إعداد مشروع الموازنة العامة ركز على استكمال المشاريع الكبرى في القطاعات الرئيسية والمشاريع المرتبطة بكأس العالم 2022، واستمرار العمل على زيادة الإيرادات غير النفطية.

وأضاف المهندي في تصريحات صحفية، أن الموازنة أكدت زيادة كفاءة الإنفاق العام، وتخصيص الموارد المالية لتطوير القسائم السكنية المخصصة للمواطنين، ودعم مشاريع الأمن الغذائي والصناعات الصغيرة والمتوسطة والقطاع السياحي، وتطوير البنية التحتية في المناطق الاقتصادية والحرة.

وفي هذه الخطوة، اعتبر مراقبون أن الاقتصاد الوطني قد اكتسب دفعة جديدة للأمام مشفوعة بجرعة تفاؤل كبيرة عقب إعلان موازنة عام 2018، التي تضمنت استكمال المشاريع الكبرى في عموم القطاعات الرئيسية.

وتوقع العديد من الخبراء والاقتصاديين تحقيق دولة قطر لفوائض مالية في العام 2018 في ظل ارتفاع أسعار النفط فوق 60 دولاراً للبرميل، وتأكيدات صندوق النقد الدولي بأن دولة قطر تحقق سعر التعادل عند مستوى 52.9 دولاراً (متوسط سعر برميل النفط، الذي يحقق التوازن بين الإيرادات والمصروفات في الموازنة)، الأمر الذي يعني أن أي ارتفاع فوق مستوى 52.9 دولاراً في أسعار النفط القطري يعتبر فائضاً مالياً.

أسس الموازنة جاءت متكاملة وتعزز الدعم لجميع القطاعات فيما يساهم في دعم مسيرة الاقتصاد الوطني بالدولة، ويحقق تطلعات الشعب القطري، لا سيما بعد الحصار المفروض على الدوحة.

وتركيز الموازنة على زيادة الدعم لمشاريع الأمن الغذائي والصناعات الصغيرة والمتوسطة، يؤكد عزم الدوحة على استكمال الطريق لتحقيق الاكتفاء الذاتي بسرعة، في ظل التشريعات الاقتصادية الجديدة التي صدرت وتصدر بصورة دورية خاصة في المناطق الاقتصادية والاستثمارية الحرة، لتسهيل الإجراءات بشكل أكثر مرونة للقطاع الخاص والمستثمرين.

- كفاءة وترشيد الإنفاق

تكمن أهمية تركيز الموازنة العامة على زيادة كفاءة الإنفاق العام، في ترشيد عملية الإنفاق بشكل عام وجميع المستويات في الدولة، لا سيما على المشاريع والخدمات والبنى التحتية، وكذلك العمل على زيادة الإيرادات غير النفطية، التي تواصل دحر الحصار بنمو بلغ نحو 8.6% في شهر أكتوبر الماضي فقط، بالإضافة إلى أن حجم صادرات قطر غير النفطية قادرة على تجاوز جميع التحديات والعراقيل التي تضعها دول الحصار، بحسب الإحصائيات الرسمية التي تنشرها الدوحة شهرياً.

وتوقع رجل الأعمال، محمد كاظم الأنصاري، تحقيق قطر لفائض مميز في الموازنة العامة الجديدة في ظل بلوغ أسعار النفط فوق 60 دولاراً للبرميل الواحد، وهو ما يعزز من قدرة الدولة على تنفيذ الأسس التي تم بناء عليها الموازنة الجديدة وتحقيقها بشكل فعال على أرض الواقع، مشيداً بدور الحكومة في التخطيط والتوقع الجيد للوضع الاقتصادي في العالم، بحسب ما نقلت عنه صحيفة "الوطن" القطرية.

واستفادت قطر من تحسن أسعار النفط في موازنتها الحالية، حيث أعلن مصرف قطر المركزي أن عجز الموازنة القطرية انخفض خلال الربع الثاني من العام الحالي، بنسبة 48% على أساس سنوي، وسجل 6.04 مليارات ريال (1.66 مليار دولار)، خلال الربع الثاني المنتهي في يونيو الماضي.

وسجلت الإيرادات العامة 40.5 مليار ريال (11.14 مليار دولار) في الربع الثاني من العام المالي 2017، مقابل 45.8 مليار ريال (12.6 مليار دولار) في الفترة المماثلة من العام 2016.

والأسس المتينة التي قامت بنود الموازنة العامة الجديدة عليها، تؤكد مضي قطر قدماً في استكمال استحقاقات تاريخية لها، وتنفيذ المشاريع التنموية الكبرى في القطاعات الرئيسية والمشاريع المرتبطة بكأس العالم 2022، وتطوير البنية التحتية. إذ يقول الأنصاري، إن من متطلبات عملية تعزيز عملية النمو في قطر هو توفير بنية تحتية قوية متطورة، مما يرفع متانة وقوة الهيكل الاقتصادي وتحريك عجلة التنمية والمساهمة في تحقيق النمو بشكل مميز.

- ترابط القطاعات وتنويع مصادر الدخل

يقول اقتصاديون، إن زيادة كفاءة الإنفاق العام ينعكس إيجابياً على المشاريع في جميع القطاعات مثل مشروعات البنية التحتية، وقطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وقطاع الضيافة والفنادق، وغيرها من القطاعات التي تستفيد من هذا الإنفاق في ظل ترابط جميع القطاعات تحت مظلة واحدة، كما أن التركيز على زيادة الإيرادات غير النفطية يعني أن الدولة ماضية في تنويع اقتصادها، حيث تشهد القطاعات غير النفطية نمواً غير مسبوق.

وفي ظل التفاؤل الكبير الذي يبديه المستثمرون وتركيز الموازنة الجديدة على الأمن الغذائي، تؤكد الحكومة القطرية دائماً أهمية إنتاج الغذاء والدواء محلياً، كما تدعو حكومة قطر القطاع الخاص إلى زيادة الاستثمارات في قطاع الأمن الغذائي، الذي أصبح أمراً حتمياً وليس مجرد اختيار بعد الحصار.

وبناء الموازنة الجديدة على أساس تطوير البنية التحتية في المناطق الاقتصادية والحرة، بالتوازي مع التشريعات والقوانين المميزة، يرى العديد من المراقبين أنها أهم عوامل الاستقطاب والجذب لشرائح واسعة من المستثمرين المحليين والأجانب في ظل امتلاك دولة قطر بنية تحتية متطورة من موانئ ومطارات وشبكة طرق مميزة، مع وجود ميناء عالمي مثل ميناء حمد، الذي تقول الدوحة إنه يستقطب أكثر من 25% من تجارة الشرق الأوسط، لكونه يتمتع بإمكانات هائلة تضعه في قائمة أفضل الموانئ العالمية.

- توقعات دولية بنمو اقتصاد قطر

في غضون ذلك، تشيد العديد من المؤسسات العالمية، منها البنك الدولي، بسرعة نمو الاقتصاد القطري قياساً بباقي اقتصادات المنطقة، حتى بعد فرض الحصار الدوحة، إذ توقع البنك الدولي أن تصل نسبة النمو المتوقعة في إجمالي الناتج المحلي خلال العام الجاري إلى نحو 2.1%.

وقال إن الموازنة الجديدة ترتقي بجميع القطاعات والمرافق التي تعزز من الوضع الاقتصادي، مثل القطاع المالي الذي يتمتع بالقوة والتطور والتوسع خارجياً حتى في ظل الحصار، الذي تفرضه السعودية والإمارات والبحرين ومصر، الأمر الذي ينعكس بشكل إيجابي على جميع القطاعات، ويزيد حجم الإنفاق الذي يمثل دوراً كبيراً في تعزيز النمو الاقتصادي للدولة.

ويمكن القول، بناءً على تلك المعطيات، إن موازنة قطر 2018 قد حطمت أهداف وآمال دول الحصار بشكل كبير، لا سيما أنها تدعم أهم المشاريع، التي كانت الدوحة تعتمد فيها على دول الحصار؛ منها المشاريع الصناعية والأمن الغذائي مع زيادة الإيرادات غير النفطية، وتشريع الحكومة لقوانين مرنة تهدف إلى تعزيز وضخ المزيد من الاستثمارات التي تساهم تنويع مصادر الدخل وتحقيق الاكتفاء الذاتي من بعض المنتجات ورفع معدلات الصادر.