• العبارة بالضبط

تسييس المعيشة

بعد 2003، تعاني العملية السياسية في العراق من علل وقضايا مستعصية؛ بدءاً من المحاصصة الحزبية والطائفية إلى خلل بنيوي في النظام السياسي والقانوني، وهذا ما أدى إلى بروز أزمات واضطرابات عديدة في السنوات الماضية، وفي مقدمة هذه الأزمات التي أثرت سلباً على الدولة العراقية ونظامها عدم وجود علاقة سلسة ما بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان رغم تحديد ملامح هذه العلاقة وفق الدستور الدائم لعام 2005، ولكن بسبب إغفال المواد الدستورية من قبل السلطات الحاكمة في بغداد، وعدم جديتها لاحتواء المشاكل ومعالجتها، اتسع الشرخ فيما بينهم إلى أن تطورت الخلافات إلى اشتباكات عسكرية في الآونة الأخيرة بعد رفض الحكومة المركزية الاستفتاء الكردي الذي جرى في الخامس والعشرين من شهر أيلول الماضي لانفصال الإقليم عن العراق.

على الرغم من وجود تاريخ طويل من الصراعات السياسية والقانونية بين الكرد والحكومات العراقية المتعاقبة، فإن الاقتصاد والحرب على امتلاك الثروات كان لها دور أساسي بتوسيع دائرة الصراعات فيما بينهم خاصة في أزمة مدينة كركوك الغنية بالنفط، فبعد 2003 حاول الكرد جاهدين من أجل انضمام كركوك إلى إقليم كردستان بدءاً بالعملية القانونية والدستورية وصولاً إلى سياسة الأمر الواقع بعد ظهور داعش، لكنها لم تثمر ثمارها بكلتا الحالتين، بسبب الأطماع الكثيرة بثروات المدينة والتدخلات الخارجية القوية في هذه القضية.

حيث سعى إقليم كردستان بعد سقوط النظام السابق لتحقيق نوع من الاستقلالية الاقتصادية بمعزل عن بغداد، وهذا ما دفع به لاتباع سياسة اقتصادية مستقلة من خلال اعتماده على بيع النفط بعد الاكتشافات النفطية الجديدة داخل حدود الإقليم من قبل الشركات العالمية، وكانت تركيا الممر الوحيد لنقل وبيع ثرواتها النفطية إلى الأسواق العالمية، كل هذه الإجراءات والخطوات الاقتصادية المتبعة من قبل حكومة إقليم كردستان دون تنسيق مع الحكومة المركزية أثارت غضب وحفيظة بغداد، مما تسبب بعدها بقطع ميزانية الإقليم في 2014، واعتبرت الحكومة العراقية آنذاك أن قيام إقليم كردستان بتصدير النفط دون العودة إلى الحكومة المركزية أمر غير قانوني، في حين اتهمت حكومة الإقليم بغداد بحجب حصتها من الإيرادات.

وبدأت المحادثات الاقتصادية بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان في عام 2014 حول تقسيم الموارد وعائدات بيع النفط، ومنذ ذلك الوقت بات الاقتصاد أحد الإشكاليات الأساسية التي تزيد في الخلافات القائمة بين بغداد وأربيل، وبعد تولي حيدر العبادي رئاسة الحكومة خلفاً لنوري المالكي الذي يتهمه الكرد بقطع ميزانية الإقليم، تعهد العبادي بالعمل على حل المشاكل مع أربيل، ومنها النزاع حول مدينة كركوك الغنية بالنفط، حيث توصل الطرفان إلى اتفاق نفطي لحل الموازنة وصادرات النفط والتي كانت بموجبه على الإقليم إرسال 550 ألف برميل النفط من كركوك والإقليم لوزارة النفط العراقية وفي المقابل يحصل الكرد على حصتهم- التي تبلغ نسبتها 17 في المئة- من الميزانية المركزية، ولكن هذا الاتفاق فشل بسبب عدم التزام الطرفين به.

ومع فشل الاتفاق النفطي وتردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في إقليم كردستان الذي ازداد سوءاً بسبب تدهور أسعار النفط إلى 25 دولاراً للبرميل الواحد، وتوسيع دائرة الحرب على داعش، ولجوء أكثر من مليوني نازح من المناطق السنية إلى إقليم كردستان، وكذلك سوء الإدراة والفساد المستشري، وانعدام الشفافية في ملفات النفط من قبل حكومة الإقليم؛ أدى إلى فشل السياسة الاقتصادية المستقلة، وهذا ما انعكس بشكل سلبي على حياة مواطني الإقليم بحيث وصل بهم الحال إلى عدم قدرة الحكومة لدفع رواتب موظفيها واللجوء إلى نظام الادخار الإجباري للرواتب بحيث أصبح الموظف يحصل على ربع راتب في الشهر، وعُطلت جميع المشاريع الاستثمارية والخدمية، وقد وصفت مجلة "ذا ديلي بيست" الأمريكية هذه الحالة الاقتصادية المتردية في كردستان بأنها أشد خطراً من تنظيم داعش.

فمنذ قطع ميزانية الإقليم في عام 2014 إلى فشل الاستفتاء الكردي في 2017، هناك محاولة لـ"تسييس معيشة" الموطن الكردي الذي يعاني من حالة اقتصادية صعبة ومتدهورة منذ أكثر من ثلاث سنوات، وأن تعامل بغداد مع هذه القضية من زاوية سياسية بحتة خاصة بعد الاستفتاء واستغلالها لموازنة 2018 من خلال تقليل حصة الإقليم السنوية من 17% إلى 12% من أصل الموازنة العامة للبلاد، وكذلك تريد أن تتعامل مع المحافظات بدلاً من إقليم كردستان ككيان دستوري، حيث يعتبر المراقبون أن كل ما تقوم به بغداد بشأن القضايا الاقتصادية والموازنة هي ورقة ضغط لإخضاع أربيل للقبول بشروطها السياسية من أجل فتح باب الحوار معها، مستغلة ضعف موقف الإقليم بسب تداعيات فشل الاستفتاء.